أزواد.. (1) / يحيى ولد سيدي أحمد

دخل إقليم أزواد دون استئذان إلى كل بيت موريتاني من خلال وسائل الإعلام المرئية، وأصبح مالئ الدنيا وشاغل الناس يتساءلون عنه باهتمام يشوبه أحيانا نوع من التوجس بل ضَرْبٌ من التخوف وكثير من الجهل بحال هذا الإقليم وأهله.

 

ولقد كان أزواد مَحَجًّا لعلمائنا وطريقا لحُجّاجنا وقِبْلة لعُفاتنا ومرتعا لمواشينا.. بل مُهاجَرًا أيضا للكثير من قبائلنا!

ففي سنة 1167هـ/1754م قررت إحدى أكبر قبائل موريتانيا النزوح إلى أزواد، يقول الشيخ سيدي المختار الكنتي في رسالة وجهها إليهم:” وأنتم تعلمون أنكم بعثتم إليّ رُسُلَكم، فوافوني حاجًّا بناحية أدافر، فرجعت إليكم من مسافة ثلاثة أيام. ونص رسالتكم: إن كانت لك بنا حاجة، فلتأتنا وتقيم لنا عشرة أيام، حتى نجمع أمرنا، ونرحل معك إلى إخواننا من التوارق”.

وإلى الشيخ سيدي المختار كتب أيضا معاوية بن اشَّدُّو التَّنْدَغِي وكان عنده في أزواد يستأذنه في الحج:

قد أَجَّجَ الشوقُ في قلبي وفي خَلَدي

نارا تَعَاظَمُ عــــــن صَبْرِي وعن جَلَدي

فإنــــــــــــــــــني واردٌ بجُثّتي قَرَبٌ فلا أُحَلَّأُ يـــــــا شيخي ولم أَرِدِ

أمَــــا تَرَى لِيَ يا غوثَ الوجودِ ويا مَن سِرُّ هِمَّتِه عَوْنِي ومُعْتَمَدي

مِن فَيْضِ سِرِّكَ ما تحْظَى به قَدَمِي ومُقْلَتِي مِـن ضَواحي ذلك البَلَد

فلا أنــــــــــــــا للذي تَراهُ مُعْتَرِضٌ ولا أنـــــــــا للذي تشاء لم أَرِد

لكنّ قلبيَ قد قـــــــــــــــامت قيامتُه حِـــين انثَنَيْتُ به عنها ولم أَفِد

إنّ الأمــــــــورَ إذا ضاقت مَفاتِحُها فإنما مفــتاحُها بالغوث والوَتِد

فأجابه الشيخ بأبيات في القافية والوزن، وهي هذه:

يا رُبَّ مَن حَجَّ بيتَ اللهِ مُضطَجِعًا على الوِســـــادِ فلم يَظْمَأْ ولم يَرِدِ

ورُبَّ مَــــن حَجَّ حَجّاتٍ وليس له مِـن حَجِّه غيرُ قطعِ الِبيدِ والسُّهُد

ولستُ أُنْكِرُ فَرْضَ الحَجِّ إنّ لــــه شَرْطًا يقومُ به مَـــــن فازَ بالرَّشَد

فـــــــــما التشوقُ يُدْنِي ما يُبَعِّدُه حُكْمُ القضاءِ فثِقْ بالواحد الصَّمَد

إذ رُبّما كان مِــــــــن نَفْسٍ تُزَيِّنُه ورُبَّما كان مِن حَظٍّ مِـــــــن الخَلَد

وإنما الحجُّ تجريــــدُ الأداءِ على وَجْهِ امتثالِكَ قولَ الواحــــدِ الأحد

لله حَجٌّ على الأنــــــــامِ مُفترَضٌ على المُطِيقِينَ مِن قُرْبٍ ومِن بُعُد

واطلُبْ لِحَجِّكَ أبْرارًا تُــصاحِبُهمْ بحِفْظِ وقتِك ليس الشأنُ في العَـدَد

واخْتَرْ مِن المالِ ما صَحَّتْ إباحتُه

ولا تُخَلِّطْ فليْـــــــــــــــــس الصِّدْقُ كالفَنَد

فالحجُّ بالعَجِّ ثم الثـَّجِّ تُدْرِكُــــــه لا باعْتِيامِكَ أجـــــــــمالا إلى البَلَد

فرُبَّ دانٍ إلى البيتِ الحرامِ وفي حُكْمِ الحقــيقةِ مطرودٌ مِن الرَّصَد

ورُبَّ نــاءٍ وفي التحقيقِ يَشْهَدُه يا بَرْدَ ذاك الِّلقا يومـــا على الكَبِد

فالقُرْبُ بالسِّرِّ لا بالجسمِ تُدْرِكُه والشوقُ لله لا للمَعــــــــهدِ الجَمَد

لأنّه بجميــــــــــع الكونِ تَشْهَدُهُ كما أتى في كتــــــــاب الله بالسَّنَد

ووجْهُ قولِ الرسـولِ لا تُفَضِّلُني هو الدلــــيلُ على ما قلتُ يا ولدي

قد اشْتَرَى اللهُ مِنّا كُلَّ جــــارحةٍ بِرِبْحِنا لِيزِيـــــــــــلَ الرِّبْح للكَسَد

ولْتَعْبُد اللهَ حـــيث كُنتَ يُرْشِدكمْ إلى الصواب فلا تَعْبَأْ بـــــــما يَرِد

ليس لنا أنْ نُرِيـــــــدَ مَعْ إرادتِه إلا الذي اختارَه مِــن غيرِ ما حَرَد

وكتب الشيخ سيدي المختار نفسه إلى رئيس أولاد علوش هنون بن بيدَّ جوابا عن مكتوب بعث به في إقراره قومَه بناحية رأس الماء وإيقاع الصلح فيما بينهم وبين التوارق ولفظه:” الحمد الله الذي جعل القلم نائبا عن القدم، ويغني عن مشافهة الكلام فما بفم، والصلاة والسلام على شفيع الأمم، هذا، وإنه من عبد ربه المختار بن أحمد بن أبي بكر إلى عيبة نصحه وأهل وده وأبنائه عموما، وخصوصا السميذع الحُلاحِل هنون بن بيدّ ألف سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. وبعد، فليكن في كريم علمكم أن كتابكم العزيز ورد علينا وتلقيناه براحة القبول والإقبال، ثم تصفحته فإذا هو متضمن لإرادة النُّقْلة من وطنكم ومسقط رؤوسكم إلى استيطان رأس الماء، وأخذ الخير لكم من التوارق”.

وفي أول جمعة من سنة 1200هـ أسس أولاد سيدي المختار من قبيلة إدوعلي قرية بوجبيهة شمالي تنبكتو إلى جانب الطالب سيدي أحمد البشير السوقي من قبيلة كل السوق الشهيرة بالعلم الزاخرة بالعلماء والشعراء.

وتحتضن دائرة تنبكتو حتى الآن أولاد بكّو وهم ذرية العالم والشاعر سيدي محمد من قبيلة إدوعلي وهو دفين تنبكتو، وكان قد هاجر من شنقيط منذ حوالي ثلاثة قرون قاصدا حج بيت الله الحرام في ركب شيخ الركب النبوي سيدي محمد أبي نعامة المتوفى سنة 1161هـ ثم استقر به المقام بمنطقة توات جنوبي الجزائر وترك ذرية هنالك ثم هاجر إلى تنبكتو.

كما ينحدر الأُقيتيون الوادانيون وهم المعروفون اليوم بأهل محمد الحاج من الفقيه محمود بن عمر بن محمد أُقيت المتوفى سنة 955هـ، وكان قاضي تنبكتو وهو عم والد العلامة أحمد بابا التنبكتي مؤلف تطريز الديباج في تراجم علماء المالكية.

هذه أمثلة تعتبر غيضا من فيض، تبرهن على وشائج الدم العتيقة بيننا وبين أزواد.

إلا أنه ينبغي التوضيح تحريا للدقة بأن أزواد تطلق أصلا على المنطقة الممتدة ما بين مدينة تنبكتو إلى سبخة تاودنِّي شمالا، وتنتهي حدود أزواد شرقا حيث تبدأ منطقة حوض تيلمسي وغربا إلى الحدود الموريتانية.

وأصبحت اليوم تطلق على كامل شمالي مالي بما فيه منطقة تيلمسي ومنطقة آدغاغ( كيدال، تساليت، أبيبره، تنسكو…) ومنطقة تمسنا مالي، بما في ذلك أيضا الجزء الغربي من منطقة دنّك حيث تقع مدينة مينكّه.

وتقطن هذا الإقليم عدة قبائل ذات أصول عربية من أبرزها: البرابيش بقسميهم عرب القبلة وبطن الجمل، كل انتصر الذين ينتمون في صميمهم إلى الأنصار، كل السوق وهم ينتسبون إلى الأدارسة والفهريين والأنصار، كنته، ترمز، القوانين، مشظوف، الامهار، عريب، تجكانت، أهل أروان ومن بينهم ذرية سيدي أحمد أك آدّه، الشرفاء ومن بينهم كل سيدي علي أي أهل سيدي علي والرقانيون، تكنه، إفوقاس الذين هم في صميمهم منحدرون من محمد المختار آيت أتّا الخارج من حاضرة تبلبالت غربي الجزائر التي خرجت منها أيضا قبيلة إدوعلي وجزء كبير من إدولحاج وخاصة منهم ذرية الحاج عثمان الأنصاري وغيرهما من قبائل موريتانيا.

وفي شمالي مالي قبائل أخرى كبيرة مثل: إولمدن، شمانمّاس، إيدنان، إدوسحاق…

هذا، إضافة إلى شعوب السونغاي والفلّان والسونينكى في ضفة نهر النيجر.

ويتحدث هؤلاء العربية الحسانية التي يدعونها بالكلكالية بكاف معقودة كالجيم المصرية، كما يتحدثون لغات أخرى كالتارقية والزرما والفلانية، إضافة إلى لهجة إدوسحاق.

ويعود انقطاع التواصل بيننا وبين إقليم أزواد إلى عدة عوامل من بينها: توقف حركة القوافل التي كانت تربط بين شمالي إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى عن طريق مدن وادان وتيشيت وولاته؛ توقف حركة الحجيج عن طريق البر؛ الاستعمار…

يتبع…