إقلاع.. سردية الشغف بالسفر والدهشة للجمال / محمد ولد محمد سالم

يمثل كتاب “إقلاع” للكاتب عبدالله ولد أمون الصادر عن دار “إي كتب” في بريطانيا، سردية روائية متميزة من عدة نواحٍ، ويحقق المفهوم الأدبي الحديث للسرد، الذي يتجاوز الإطار الضيق للرواية أو القصة، ليمزج بين عدة حقول أدبية ومعرفية مع المحافظة الدائمة على حرارة السرد، التي تغري القارئ بالتقدم في القراءة، والانتقال من حكاية ارتحال إلى أخرى، ما يتخلل ذلك الانتقال من دهشة وجدة وتنوع في الفضاءات الاجتماعية والسمات البشرية، والحكايات الإنسانية الشقية، وغنى في المشاهد، التي تمر أمام عيني القارئ بتفاصيل دقيقة، تلتقط الدال والرمزي في تلك المشاهد.
في سردية “إقلاع” نحن أمام شاب موريتاني مفعم بالحياة شغوف بالأسفار واستطلاع الأماكن واستكشاف الآفاق، لكنه أيضا مفعم بالإيمان ومتمسك بأداء شعائر دينه في أوقاتها، وخاصة الصلاة، التي سيشكل البحث عن مكان لإقامتها في مختلف الأماكن التي يزورها جانبا مهما من هذه السردية الممتدة عبر الحكايات التي يرويها الكاتب، نحن إذا أمام سائح من نوع خاص، وصاحب اهتمامات خاصة، وهنا جانب مهم من نكهة هذه الرحلات والأسفار في هذا الكتاب، فليس غريبا أن تصادف في سرديات أدب السياحة المعاصر حكايات عن الحانات التي تقدم أجود أنواع الخمر، والمراقص وغيرها من دور اللهو ومصائد الرغبات الجسدية، مما جعل السياحة في أحد مفاهيمها الشعبية الخاصة ترتبط بهذا الجانب ارتباطا مؤسفا، لكنه من النادر سرديات السياحة أن تصادف مثل هذه الشخصية الحريصة قبل كل شيء على أداء شعائر دينها، والتي يشكل الحصول على مساحة طاهرة للعبادة هاجسا دائما لها، بيد أنه بالنسبة لشاب موريتاني مفعم بالإيمان ليس غريبا، وليس غريبا إذا كان ذلك الشاب هو كاتبنا الذي هو سليل أسرة علم ودين، وقد تربى وتفقّه على يد أب عالم مشهود له بالعبادة والتقى، وهذا الاهتمام كما أسلفنا يشكل ميزة سردية خاصة، تضفي على نص ولد أمون خصوصية دلالية، وربما فنية إذا ما اعتبرنا النص تأسيسا لنموذج سردي سياحي أو رحلاتي موريتاني، وتتأكد هذه النكهة الخاصة حين يرتبط جانب البحث عن المساجد وأماكن إقامة الصلاة بحكايات وتفاصيل إنسانية عميقة، ففي إحدى تلك الرحلات نصادف بطل الحكاية (الكاتب) وهو يعد للسفر لأول مرة إلى الهند، فيبحث في خرائط غوغول عن أقرب مسجد أو مصلى للفندق الذي حجز للإقامة فيه في مدينة أحمد، ويحدد مكان أحد المساجد، ويصل إلى المدينة ليلا، وينام على نية أن يذهب لصلاة الصبح في ذلك المسجد، لم يعد موجودا فيبدأ في البحث عن مسجد آخر، ويرشده أحد المسلمين الهنود إلى مصلى غير بعيد، فيتجه إليه في غلس الصبح سالكا الطرقات والأزقة، متعثرا بعشرات البشر النائمين من سكان الطرقات الفقراء الذين لا مأوى لهم، راسما صورة للحياة في آخر لحظات الهدأة الليلة قبل أن تهب تلك المدينة المتخمة بالبشر هبتها اليومية الصاخبة المرهقة لصحراوي لا تطمئن نفسه إلا إلى الخلاء الفسيح، ولم يتعود كثيرا على تلك العرامة البشرية، وحين يعثر على المصلى يكتشف ما لم يكن يتوقعه، حيث ينعم بالصلاة مع أناس طيبين خلف إمام رخيم الصوت فصيح اللسان متقن لأحكام التجويد، ومثل ذلك أيضا رحلته الأولى إلى اليونان ذلك البلد “الذي لا ترتفع فيه مئذنة مسجد”، والذي يعد أكثر البلدان تعصبا ضد الإسلام، و”تقتصر دور عبادة المسلمين فيه على بعض المصليات المخبأة ضمن محلات تجارية أو غرف منزوية في أحد أدوار البنايات القديمة، وأحيانا بضعة أمتار مقتطعة من مواقف السيارات الملحقة بالعمائر أو مجتزأة من مخازن في خواصر الضواحي النائية، وكلها مصليات لا تعفر فيها الجباه بالسجود إلا بعد تغليق الأبواب، ولا يذكر فيها اسم الله إلا على استحياء”، وحين وصل الكاتب إلى أثينا كان قد اختار الفندق الذي ينزل فيه لقربه من واحد من تلك المساجد “المخبأة” فبدأ رحلة بحث مضنية، ليجده مخفيا قريبا منه، يدخله المصلون فرادى وكلما دخل أحدهم أغلق الباب خلفه، وكان عبارة عن قاعة مؤجرة شهريا بسعر غالٍ يجمع من تبرعات المصلين.
الميزة الثانية من ميزات سردية “الإقلاع”، أن صاحبها رغم أنه مشبع بإيمان راسخ، إلا أنه منفتح كل الانفتاح على الجمال، وعلى التنوع وثقافات الشعوب الأخرى، شغوف بتقصي آثار الإبداع الحضاري للشعوب، تبهره عبقرية الفن الإنساني في النحت والعمران، حيثما يتجلى، حتى ولو كان في أنصاب لمعتقدات دينية تخالف العقيدة الإسلامية، فنجده يقف في قلب مدينة الفاتكان يتملى بهدوء وسكينة جماليات ما أبدعته أيدي فناني القرون الوسطى العظام، متجولا بين أنصاب المدينة وأسوارها وحكايات وتاريخ كل حجر فيها، ويحرص على أن يأخذ لنفسه عدة لقطات في المكان احتفاء باللحظة، كذلك في اليونان التي يعرف أن أهلها عنصريون متعصبون ضد الإسلام، ويصفها بأنها “دولة بلا مساجد”، رغم أن المسلمين استوطنوها وكانت لهم بها مساجد وعمارة، لكن كل ذلك اختفى بعد سقوط الدولة العثمانية، في هذه الدولة حرص بطلنا على زيارة المعالم العمرانية والأثرية الهامة، والمتاحف الشاهدة على حضارة عريقة، وعلى عصور متعاقبة من استيطان أمم شتى تركت كلها آثارا هي روعة في الجمال، فكان يقبل على زيارة تلك الآثار، ويحرص على معرفة التفاصيل الدقيقة لتاريخها ويقف مندهشا أمام روائع الإبداع الفني فيها.
الميزة الثالثة من هذه الحكاية المسلسلة، هي المعلومات التي يبثها الكاتب عن الأماكن التي يزورها، ويقدمها بطريقة احترافية جميلة، بعيدة عن الإسهاب والإملال، دامجا إياها في نصه الحكائي، لتكون جزءا أصيلا فيه، مفيدا للقارئ يعطيه إضاءة على المكان الذي يزوره، فعلى سبيل المثال حين يتحدث عن مدينة مغنية في الجزائر يقول “وصلنا محطة القطارات بمدينة “مغنية” التي تستمد اسمها من المرأة الصالحة “الحاجة مغنية”، تلك المرأة التي كانت تحج كل سنة مع القوافل لتستقر وذريتها – بعد أن بلغت من الكبر عتيا – في تلك المدينة الساحلية الوادعة وتدفن فيها حيث ما يزال عقبها موجودين هناك حتى الآن”، ويكتفي بهذه المعلومة ليواصل وصف رحلته.
لا تتخذ المعلومات عن المكان شكلا أو طبيعة واحدة، فهي متنوعة بين التاريخ والعمران والسياسة والاقتصاد والمجتمع والمناخ، ففي كل مرة ينتقي للمكان المعلومات التي تناسبه ويختص بها، لكي يكون ذلك إضافة مهمة للقارئ، وتنويعا مريحا، وغير ممل له، ويهتم بشكل خاص بأثر الحضارة الإسلامية في البلدان غير الإسلامية، ليكون في ذلك نوعا من الإرشاد السياحي للقراءة، لكنه لا يسهب، ولا يفضله على المعلومة الجمالية والفنية إن كان في المكان آثار لأمم أخرى ذات جمال باهر ومعتبر.
“إقلاع”، هو نص سردي شيق بديع، رشيق العبارة سلس الأسلوب، هو حكايات متعددة لكنها مترابطة برابط الشغف للسفر والاندهاش بالجمال العمراني والطبيعي، ورباط السيرة الذاتية حيث البطل واحد هو الكاتب الذي يحكي جانبا من سيرته الذاتية، وتجربته الإنسانية التي هي نموذج لتجربة شاب مسلم شغوف باكتشاف أثر الإنسان وخصائصه وتراث الأمم العمراني وإبداعاتها الفنية أينما وجدت.