الاقتصاد الموريتاني…مؤشرات هشاشة ! / أواه اليدالي

سفينة صينية في المياه الموريتانية

يقول أحد المفكرين : (إن أسوأ ما فيا الاقتصاد أنه يفضح السياسيين و يبين كذبهم وزيف إنجازاتهم )، فعلم الاقتصاد كقواعد و مسلمات صالحة لكل الدول و قابلة للتطبيق في شتى الظروف هو علم حيادي طبقته دول العالم الأول فنهضت و بلغت عنان السماء رقيا و تقدما و ازدهارا و تقنيات كما طبقته الاقتصاديات الصاعدة

 

كالصين و البرازيل و الهند و تركيا و جنوب إفريقيا فسعدت و أسعدت شعوبها و خرجت من ربقة التخلف المزري كما طبقته دول النمور الآسيوية فصعدت من قاعدة التخلف المخيف إلى درجات عالية من التقدم.

 

 

 

و موريتانيا كإحدى بلدان العالم التاسع اليوم – العالم الثالث سابقا – يعاني اقتصادها من عدد كبير من المشاكل المتراكمة و الأزمات الخانقة لعل من أبرزها:

 

 

 

1- انعدام السيولة النقدية : فالسيولة النقدية لها أربعة مصادر هي :

 

 

 

أ‌-      الرواتب والأجور:  فمن المعروف أن الرواتب و الأجور تشكل حوالي 70% من حجم النقود التي تغذي السوق و لما كانت الرواتب والأجور عندنا منخفضة جدا مقارنة مع كلفة الحياة لأن الأساس الذي تحسب عليه الرواتب في موريتانيا يعود إلى بداية الستينيات و سنوات الإستقلال الأولى فهو يعتمد على العلامة القياسية التي لا تقيس إلا العدم و الإنديس(المؤشر) الذي  هو أقرب إلى مختلقات العرب و العجم !! و الراتب الأساسي الذي لا هو أساسي و لا هم يحزنون!!!

 

 

 

كما أن موريتانيا ترفض حتى الآن تطبيق القاعدة الذهبية التي تطبقها جل دول العالم المحترمة و التي تقضي : ( أن أقل راتب ينبغي أن يكون عشر أعلا راتب في البلد) فمثلا : في فرنسا يتقاضى الرئيس الفرنسي 14000 يورو لكن أقل راتب في فرنسا smic 1457 يورو و في آمريكا يتقاضى الرئيس 32000 دولار لكن أقل راتب لموظف هو 4000 دولار أي نسبة 12% أما في موريتانيا فيتقاضى رئيس الجمهورية حسب تعديلات  2004 أواخر زمن ولد الطائع 7000000 أوقية بينما يتقاضى حوالي 90% من موظفي الدولة و عمالها أقل من 2% من أعلى راتب في البلد وهو راتب الرئيس .

 

 

 

كما أن قرار تخفيض قيمة العملة سنة  1992 بنسبة 90% جعل الرواتب والأجور تفقد 9 أعشار قيمتها ناهيك عن الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية و الخدمات وهو ما جعل الموريتانيين يتندرون أن العمل في الوظيفة العمومية له دالات أربع: (الدَّينُ – الدَّفرةُ – الدَّيْلِيكْ – الدَّحْسَة ) !!!!!!!!

 

 

 

ب‌-القروض البنكية : تشكل القروض البنكية رافدا مهما من روافد السيولة النقدية فالدور الاقتصادي الأساسي للبنوك هو تمويل الاقتصاد ولذلك تسعى الدول الصناعية و الاقتصاديات الصاعدة إلى تخفيض نسبة الفائدة مثلا: في آمريكا 0.75% وفي فرنسا 0.50% وفي ابريطانيا 0.25% مطبقين حكمة كنز المنظر الأول للرأسمالية الاقتصادية : (إن الاقتصاد لا يستعيد عافيته إلا عند ما تكون الفائدة 0 أو في حدود الصفر)

 

 

 

أما في موريتانيا فتصل نسبة الفائدة إلى 37%  أي أن كل مليون يقترضه مواطن موريتاني سيدفع فوقه 370000 أوقية كفوائد وهو ما يجعل القروض البنكية تكاد تكون ضرا لا نفعا على المقترضين و بالتالي تدني مساهمتها في السيولة النقدية التي لابد منها لدوران عجلة الانتاج ، ناهيك عن قلة نسبة (البنكنة) أي نسبة الذين يمتلكون حسابات مصرفية من الأيد العاملة النشطة و المقدرة (1600000) فهذه النسبة لا تتجاوز 12% كما أن الخبراء الاقتصاديين يدقون ناقوس الخطر دائما بأن العشرين بنكا تجاريا الموجودة حاليا تواجه خطر الإفلاس في المستقبل المنظور بسبب ضيق حجم كتلة السيولة النقدية!!!!!

 

 

 

ج- تحويلات العمال في الخارج : من المعروف أن تحويلات العمال في الخارج أو (أدياسبورا) تشكل رافدا مهما للسيولة النقدية و للعملة الصعبة  بالنسبة لجميع البلدان المصدرة للعمال فتحويلات الموريتانيين في الخليج أو في أنكولا أو أوربا أو أمريكا هي جد حيوية لتزويد السوق المحلي بسيولة نقدية في أمس الحاجة إليها ولايبذل البنك المركزي جهودا تذكر لاستقطاب تحويلات العمال الموريتانيين المختلفين بالعملة الصعبة فأغلبها يتجه غالبا إلى السوق السوداء أو السوق الموازية ودائما ما تبرز مشاكل هنا وهناك يواجهها العمال الموريتانيون في الخارج وسط تراخي وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية  في حماية هؤلاء المغتربين، وهنا تبرز على السطح مشكلة تحويلات العمال المقتربين في أنكولا و ما جرته من زيادة ركود السوق و جفاف السيولة النقدية !!!!!!

 

 

 

د- تمويلات الدولة: فمن المعروف أن الدولة هي أكبر ممول للاقتصاد الوطني فمشاريع الدولة لعبت دورا لا بأس به في تزويد السوق بسيولة نقدية لا غنى عنها فقد كانت مشاريع PDIAM و PGRP و الصندوق الجهوي للتنمية تشكل قناة مهمة لتمويل القرى و التجمعات المحلية في بعض الخدمات الأساسية و يوصي الخبراء الاقتصاديون الحكومة الموريتانية بتخصيص نسبة معتبرة من الميزانية لهذه التمويلات لما تدره من دخول على المجموعات و لمساهمتها في تغذية السوق بالسيولة النقدية الاقتصادية اللازمة !!!!!!

 

 

 

2- الارتفاع المستمر للأسعار : شهدت موريتانيا و تشهد كل حين موجات من الغلاء المتتابعة (و الغلاء من البلاء ) تشمل أسعار المواد الغذائية الأساسية و الفرعية كما شملت خدمات النقل و السكن و الكهرباء و الغاز و الماء و الدواء و الكساء مما دمر القوة الشرائية للمواطنين و جعل 70% من الأسر الموريتانية تعاني من فجوة غذائية متفاقمة و الفجوة الغذائية هي في عرف الاقتصاديين مرحلة ما قبل المجاعة !!!!!

 

 

 

كما أن الضرائب التي تفرضها الحكومة على المواد الغذائية و الخدمات تساهم بشكل كبير في زيادة أسعارها و بالتالي تفاقم موجة الغلاء.

 

 

 

3- تدهور قيمة العملة: لقد كان قرار تخفيض قيمة العملة سنة 1992 بنسبة 90% قرار كارثيا بكل المقاييس الاقتصادية فهذا القرار الذي جاء تماشيا مع إملاءات صندوق النقد الدولي ( أو النكد الدولي على الأصح ) جعل كل موريتاني يفقد 9 أعشار قيمة ثروته !!!!!!!!!

 

 

 

وهكذا انتقل سعر الدولار من 114 أوقية للدولار الواحد إلى 250 أوقية ليصل اليوم إلى 365 أوقية  مقابل الدولار و 410 مقابل اليورو بينما كان الدولار لا يتجاوز 28 أوقية سنة 1974م وقت إنشاء العملة!!!!!

 

 

 

كما راجت مؤخرا تسريبات إعلامية بأن صندوق النقد الدولي- أو النكد على الأصح ـ طلب من الحكومة الموريتانية تخفيضا جديدا للعملة بنسبة 40% وهو ما نفته الحكومة الموريتانية بشدة!!!!!!!

 

 

 

4- البطالة: تقدر اليد العاملة النشطة (أي المواطنين مابين 20 سنة و60 سنة ) في موريتانيا   بحوالي 1600000 تشغل الدولة منهم 40000 أي نسبة حوالي 3% كما تشغل الشركة الوطنية للصناعة والمعادن اسنيم 6000 أي نسبة حوالي 0.4% وقطاع الصيد حوالي 10000 أي نسبة حوالي 0.6% و شركة تازيازت 2000 أي أقل من نسبة 0.2% و شركة صوملك 1500 وهي نسبة 0.1% بينما يقدر الخبراء أن 35% من الأيد العاملة النشطة تعمل في القطاع الخاصة ؛ وهو ما يبين بجلاء حجم البطالة الحقيقي !!!!!!

 

 

 

وقد كانت دراسات شبه رسمية قدرت البطالة سنة 2012 بحوالي 32% كما قدرتها تقديرات لبعض النقابات و المكتب الدولي للشغل بحوالي نسبة 50% من الأيد العاملة النشطة و من المعروف أن البنك الدولي يقول : إن نسبة البطالة عند ما تصل في بلد ما إلى 18% فإن ذلك البلد قد دخل في الدائرة السوداء !!!!!

 

 

 

في حين تصر الحكومة الحالية أن نسبة البطالة لا تتجاوز 10%  بينما تقدرها نقابات مهنية وتقديرات للمكتب الدولي للشغل بحوالي 50% من اليد العاملة النشطة المقدرة بحوالي (1600000) من النشطاء وهي: التقديرات التي قدرت مساهمة القطاع الحكومي في التشغيل بحوالي 3% وشركة اسنيم 0.4% وقطاع الصيد حوالي 0.6%بينما يعمل 35% من الموريتانيين النشطاء أي ما بين ( 20 إلى 60سنة) في القطاع الخاص وسط ظروف عمل صعبة دون تحديد لساعات العمل وغالبا دون اتفاقيات تشغيل مما يجعل العمال عرضة للطرد من العمل في أي وقت!!! هذا في الوقت الذي تصل فيه نسبة البطالة في فرنسا و هي من أقوى عشر اقتصاديات في العالم إلى 11% كما تصل في اسبانيا إلى 26% وبلغت في الولايات المتحدة الاقتصاد الأول في العالم 5%ّ!!!!!!!!!!

 

 

 

5- المديونية الخارجية : فقد بلغ الدين الخارجي لموريتانيا عدة مليارات من الدولارات وهو ما جعلها تدخل بجدارة في نادي الدول الفقيرة الأكثر مديونية(PPTE)وهو ما حدى بالسفراء الأوروبيين المعتمدين في موريتانيا إلى دق ناقوس الخطر خاصة مع حلول آجال تسديد بعضها بل إن بعض الخبراء الاقتصاديين قال إن الديون الخارجية لموريتانيا وصلت إلى مستويات مقلقة تجاوزت 94%  من الناتج الداخلي الخام.!!!!!!!

 

 

 

إن هذه المؤشرات الاقتصادية المقلقة في نظر الخبراء تحتم على الحكومة الموريتانية مواجهة الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعاني منه البلاد فلا يكفي مطلقا الحديث بان الحالة الاقتصادية وردية و لا وجود لأي نوع من المشاكل و أحوال المواطنين تكفي عن سؤالهم و حالة الركود العامة التي تعاني منها الأسواق أضحت حديث تسير به الركبان حتى باتت حديثا معادا.!!!!

 

 

 

كما أن حال العمال و الموظفين و ما هم فيه من هموم اقتصادية جعلتهم يشاطرون العاطلين تقريبا نفس الهموم وهو ما جعل البطالة المقنعة حاضرة بشدة في المشهد الموريتاني هذه الأيام.

 

 

 

فلعل وعسى – و ما تجدي لعل و لا عسى – أن تكون السنة الجديدة فاتحة خير تكتشف فيها الحكومة خطة اقتصادية محكمة بحيث نمير أهلنا و نحفظ أخانا و نزداد كيل تنمية واستقرار!!!!