التعديلات الدستورية.. هل القصد تنموي أم مشاعري؟ / عثمان جدو

عثمان جدو/ كاتب موريتاني

مع اقتراب يوم التصويت على التعديلات الدستورية؛ ترتفع وتيرة التنافس بين الفرقاء وتتولد وتتعدد أساليب التعبير؛ من زيادة في الحشد والتعبئة وتكثيف المبادرات وتنوع رعاتها ومسمياتها في أحد الجوانب، إلى لزوم مباني وإدارات، واعتماد المكث والاعتصامات في الجانب الآخر.

يعتقد النظام جازما ومن آثر المسير في فلكه؛ أن التعديلات الدستورية ضرورية للمرحلة القادمة؛ تأسيسا للجمهورية الثالثة، وأنها هي الضمان الآمن والمباشر

 لمواصلة التنمية الفعالة والحفاظ على المشاعر الوطنية الجياشة و المتلاحمة.

بينما يرى المعارضون الرافضون للمشاركة في التعديلات أنها عبث بالدستور وتغرير بالمواطنين ودفع بالوطن إلى المجهول.

ومهما قيل حول هذه التعديلات وسيق من كلام ودعاية فإن القصد من ورائها لا يخلو حقيقة من أن يكون تنمويا بدعم المكتسبات وصيانتها والتقدم في مجالها أو مشاعريا؛ مغازلة للعاطفة وبحثا عن التلاقي مع المزاج الاجتماعي العام، سبيلا إلى إحداث جو من الشمولية والتشارك يكون له الدفع القوي نحو استدامة السكينة العامة، و استزراع الاحساس بالفاعلية الوطنية لدى كل فرد على حدة؛

ومهما كانت درجة التحكم والتوفيق في توجيه بوصلة المحددات آنفة الذكر فإن الطرف الداعي لها يرى فيها أكثر من إيجابية وضرورية بل يقدمها على أساس أنها جامعة بين الحسنتين، حسنة التنمية المزدهرة والدعامة الأساسية في مواصلة نهج البناء والحفاظ على عز المكتسبات، ويرى فيها المنعشة للمشاعر المؤسسة لثوابت وجوامع جديدة تجعل من كل مواطن فاعل وطني وصاحب خيار سيادي، ومساهم في صنع القرار وتحديد المآل وتقرير المصير.

بينما يرى أصحاب الرفض أن كل ذلك هراء ولعب وتبديد للطاقة الوطنية ويستميتون في التمسك بالمظاهر الموجودة أصلا.. وهل يصدر ذلك منهم حبا لما كان موجودا أصلا، أو رفضا لما هو آت بفعل تسويق النظام الحاكم له وبفعل معارضتهم لكل ماهو قادم من هناك بغض النظر عن فحواه ومضمونه؟!.

إن بلادنا تحتاج كثيرا إلى إشاعة الأمن والاستقرار وإسهام كل أبنائها في ذلك والابتعاد عن تحيين الفرص لركوب الأمواج التي قد لا تكون لها وجهة معلومة ولا نتيجة محسومة، وقد لا يوجد من له القدرة على تهدئتها أو إيقاف حركتها؛

نحتاج كثيرا إلى مواصلة البناء والتعمير بوتيرة ربما تكون أسرع من الماضي وبجهد أيضا قد يكون أكبر، وقد يكون لنا من المقدرات التي لم تستغل بما يناسب حجمها ومؤمل عائداتها-في المستقبل- نظرا لاعتبارات أو لأخرى، كل ذلك لايمكن حدوثه بإيجابية إلا إذا عمت السكينة والتلاقي حول حب الوطن وانتفاء سياسة الصراع والتخوين والإعاقة والاحتكاك والتحزب من أجل النهب و التخريب.

إن الشعور بالمساهمة في تحديد ملامح الجمهورية غاية سامية و متعلق لا يقل أهمية وإلحاحا عن الحاجيات الاقتصادية الكبرى، فباستحضار ذلك تحصل النشوة وتنمو النخوة ويعتدل المزاج ويتنامى الفخر بمصدر الانتماء وتتعزز اللحمة؛ إذا كانت أسباب حصول الإسهام في ذلك تقع على نفس المسافة من جميع المواطنين باختلاف أعمارهم وألوانهم وخلفياتهم الاجتماعية، بل ينصهر الكل ويذوب ليحل محله الوطن الكبير بأبهى تجلياته.