الحج في عيون الشناقطة القدامى : (ح1) / محمدالمصطفى الولي

محمدالمصطفى الولي / كاتب موريتاني

لا نروم في هذه الحلقات سبر أغوار غرض المديح عند الشناقطة ’ ولا التعريج على سعة أفقهم العلمي وثراثهم المعرفي ’ ولا استجلاء للصلة والتواصل بين ” شنقيط” والمشرق لأنها أمور قد تنتشر ولاتنحصر ’ كما أننا لسنا بصدد قراءة أدبية نقدية تبحث في مضامين النص وأجروميته ’ لأن ذالك مسلك وعر ونفق عميق ’ إنما نريده هو استشفاف الدروس من فطرة نقية وهمة عالية سخرها هؤلاء تضحية وعطاء وجهاد …

يترجمه الوجود في حضرة الحج لدى أناس سطروه بمداد ينساب كلما حركه شوق عارم وأسعفته همة عالية ليرعف على القرطاس ببيت مدح ءاسر وقافية توسلية شرود ’ تعطر زوايا الليل شجو قصيدة تغنى قارضها بجبال ” نجد ” وديار” يثرب والحجاز ” ’ يخال أن الروابي تدنو للإستماع ’ وأن الزمن القديم قد ولى لدى إطراقهم عن بكاء المعالم ووقوف الديار ’  لم تعد دار” العذيب” أنيسة ولامعهد الأتراب شمخ ’ ألقو سلاح الهوى وتدرعوا حرارة العواطف وأسرجوا مهاري العزائم رغم الفاقة والصوادف ’ متمنين قبل – المنايا- أن يمروا بعدوة ” بدر” ويقفوا على ” باب السلام ” مسلمين بعد أن حداهم الحنين إلى ” أحد وحنين “….

إنها ” تغطية حية ” ينقلها شاعر فريد الشاعرية ’ حاضر  البديهة ثاقب الذهن ’ يمتلك ” عدسة ” شعرية عالية الجودة والدقة في التقاط صورة حية متكاملة ’ جعلته يستبيح حريم صبره ويركض هوى المشاهد التي أثارت في صداه حنين البكر المتعلقة بفصيلها ’ وكأنه حادي ” الكوم ” أوراع العيس في بطحاء ” أم القرى ومن حولها ” …  إنه العلامة والشاعر الكبير الشيخ : سيد محمد ولد الشيخ سيديا ’ الملقب ” سيدنا” رحمهم الله ’ أحد أرباب القصيدة وشداة الحرف ومهندسي التصوير أو التعبير الفني الدقيق  في بلاد ” شنقيط ” –موريتانيا –  ’ ولد 1247ه ) / 1832م – 1286ه/( 1869م) في بئة صوفية وسلطة روحانية صالحة ’ ترعرع في جوها المفعم بالحكمة والتربية والرعاية والنبل والكرم ’ نهل فيها من زلال المعرفة والعلم والأدب ’ برع في الشعر وطرق جميع أغراضه ’ بل إن في نصوصه الأدبية ماتتجلى فيه رؤيته النقدية الحاكمة ’ التي تربط خيط القديم بأساليب الجديد ومضامينه المحدثة .

كباق بني جلدته تعلقت نفسه بالوصول إلى الديار المقدسة وزيارة بيت الله الحرام ’ والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم , بالرغم من صعوبة المهمة واستحالتها في من يعيش ظروفا استثنائية فرضتها الزمانية والعزلة المكانية ’ لكن نفس المؤمن أشد مضاءة من الحسام ’ راوده الشوق بالرحيل وأسرت إليه النفس بالبقاء قائلة : أكلفت تصعيد الحدوج ؟ أنسيت مرابع الصبا والإسترخاء على ” دوران أوكار – آوكارلبكم ” وحقفي ” التوأمات ” ومفازة ” فايا ” … إنها أماكن سكن حبها فؤاد الشاعر الذي ألفها يافعا ونيطت عليه تمائم الألفة والسكون في مرابعها الآسرة ’ لايمكن لمن هذه حاله أن يدير ظهر المجن ويقلب رداء حياته رأسا على عقب ’ إلا من تملكته شآبيب الخير وناداه التوفيق بنداء التلبية والإستجابة والمنفعة والذكر : ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر…) . من هنا بدأت رحلة الرجل ! ولم يعد خيال ” ميمونة السعدى وصويحباتها ” بعد لأي يراجعه ’ شدت عرى وجنائه وطويت له البيداء بخياله ’ تناثر الشوق بكل طوى وأين لايزال صاحبه يبكي ويستبكي تلال ” مكة وحضرة الحبيب ” وروحانية المشاعر وحرمة البلاد…. ونتركه يروي تفاصيل الرحلة إلى مهبط الوحي ومنطلق الدعوة الإسلامية ’  بأسلوب يحوم في مخيلة العوالم والسرد الأدبي المأثر ، فلنستمع :                                         

سوى أني استباح حريم صبري

هوى الحرمين أشرف عند موطنين

وسوف تفي العزائم والمهارى    

بوعد منجز من واقيين

تبادر بالحجيج ورود ” بدر”    

ويحدوها الحنين إلى حنين

قواصد ربغا تبغي اغتسالا   

 

  وإحراما لديه وركعتين    

 

تمر بذي طوى متناسيات   

  لفرط الشوق كل طوى وغين

مِنَ التَّنْعِيمِ يَدْعُوهَا كَدَاءٌ

إِلَى الْبَطْحَاءِ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ

عَلَى بَابِ السَّلاَمِ مُسَلِّمَاتٍ

بِتَطْوَافٍ وَسَعْيٍ عَاجِلَيْنِ

تُنَاخُ لِحَاجَتِي دُنْيَا وَأُخْرَى

هُنَاكَ فَتَنْثَنِي بِالحَاجَتِينِ

بِبَيْتِ اللَّهِ مَلْمَسُ كُلِّ حَاجٍّ

تَعَالَى اللَّهُ عَنْ كَيْفٍ وَأَيْنِ

حِمًى إِنْ أَمَّهُ لاَجٍ وَرَاحٍ

يَكُونَا آمِنَيْنِ وَغَانِمَيْنِ

إِلَى خَيْفِ الْمُحَصَّبِ رَائِحَاتٍ

بِكُلِّ أشَمَّ ضَاحِي الْوَجْنَتَيْنِ

وَتَغْدُو بِالشُّرُوقِ مُبَادِرَاتٍ

بِنَا إِجَلاَ نَعَامٍ جَافِلَيْنِ

مِنَ التَّعْرِيفِ مَسْيًا صَادِرَاتٍ

يَخُدْنَ مُنَكَّبَاتِ الْمَأْزِمَيْنِ

وَمِنْ جُمَعٍ يَسِرْنَ مُفَلِّسَاتٍ

لِوَقْفَةِ سَاعَةٍ بِالْمَشْعَرَيْنِ

بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ مُتَرَامِيَاتٍ

لِأُولَى الْجَمْرِ دُونَ الْأُخْرَيَيْنِ

وَتَرْجِعُ إِنْ أَفَاضَتْ لاَبِثَاتٍ

ثَلاَثَ لَيَائِلٍ أَوْ لَيْلَتَيْنِ

وَلِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ مُوَدِّعَاتٍ

قَدِ ارْتاحَتْ لِإِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ

وَأُخْرَى لَمْ تَكُنْ لِتَنَالَ إِلاَّ

مُرُورَ مَحَلِّ إِحْدَى الْهِجْرَتَيْنِ

إِلَيْهَا مِنْ كُدًى يَهْبِطْنَ صُبْحًا

هُبُوطَ السَّيْلِ بَيْنَ الْقُنَّتَيْنِ

تَوَخَّى مَسْجِدَ التَّقْوَى، تَحَرَّى

مَنَاخَ مُحَمَّدٍ وَالصَّاحِبَيْنِ

تَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حَالِفَاتٍ

عَلَى الْأَلْبَابِ بَيْنَ اللاَّبَتَيْنِ

فَتَسْتَقْصِي بِهَا الرُّكَبَاتُ مِنْهَا

مِنَ الْقُصْوَى مَكَانَ الرُّكْبَتَيْنِ

وَلاَ تُلْقِي عِصِيَّ السَّيْرِ إِلاَّ

إِذَا وَصَلتْ لِثَانِي الْمَسْجِدَيْنِ

ضَرِيحِ الْمُصْطَفَى صَلَّى عَلَيْهِ

مَعَ التَّسْلِيمِ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ

يَحُفُّ خَلِيفَتَاهُ بِهِ، فَأَكْرِمْ

بِهِمْ مِنْ مُصْطَفًى وَخَلِيفَتَيْنِ

وَأَصْحَابُ الْبَقِيعِ وَمَنْ حَوَتْهُ

مِنَ الْأَبْرَارِ كِلْتَا الْبُقْعَتَيْنِ

جُزُوا عَنَّا بِرَيْحَانٍ وَرَوْحٍ

عَلَيْهِمْ لَنْ يَزَالاَ دَائِمَيْنِ

وَأُوتُوا جَنَّتَيْنِ دَنَتْ عَلَيْهِمْ                                                                                            

بِخَيْرِ جَنَى ظِلاَلِ الْجَنَّتَيْنِ

أُولاَكَ النَّاسُ أَهْلُ اللَّهِ حَقًّا

  1. حُمَاةُ الدِّينِ بِالْأَسَلِ الرُّدَيْنِي