#الشعب_الفولاني_بين_الحقيقة_والأسطورة / د.محمد المختار جي

صورة تخدم النص من المصدر

إن البحث عن أصل الفولانيين كان ولا يزال لغزا محيرا إلى يومنا هذا، فقد تناوله الباحثون والمؤرخون الغربيون والافارقة بل والعرب في أشكال شتى من المناطق داخل أفريقيا وخارجها فاختلفت الروايات وكثر الجدل حول أصل هذا الشعب الفولاتي وذلك لأسباب عدة منها :

_ان الفولانيين أفل سمرة من عموم الزنوج في غرب إفريقيا.

_ان هذا الشعب في اغلب الأحيان يميل اجتماعيا وسياسيا إلى العيش منفصلا عن بفية الشعوب الأخرى في غرب إفريقيا.

_ان الشعب الفولاني هو الشعب الوحيد في غرب إفريقيا الذي يمتهن الرعي باعتباره الوسيلة الوحيدة للعيش .(1)

بناء على هذه الأسباب وغيرها فإن الباحثين والمؤرخين والانثربولوجيين لم يجمعوا على كلمة واحدة حول عنصر الشعب الفولاني، فيرى بعض المؤرخين ومنهم دولافوس وجاكسون ودوبدرال أن اسلاف الفولانيين من اليهود السوريين ، وذكروا ان جالية يهودية كانت تقيم في واحة توات جنوبي الجزائر ابان حرب التوسع الإسلامي في شمال أفريقيا خلال القرن الأول الهجري /السابع الميلادي، وأن هذه الجالية كثر عددها وانتشرت فيما حول الواحة ثم تحركت حتى وصلت إلى الغرب نحو أرض السنغال حيث اختلط أفرادها بالمحليين السود. (2)

ويبدو ان هؤلاء المؤرخين الغربيين يستندون إلى الأسطورة الفولانية التي تروي أن جد الفولانيين الأكبر هو يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم عليهم السلام .وبعد تعرضهم لضغوطات فرعونية عاد بعضهم إلى كنعان بزعامة موسى عليه السلام وهاجر البعض الآخر إلى مغرب الشمس فعبروا إلى برقة ثم إلى غرب افريقيا حيث استقروا اخيرا في أحواض نهر السنغال واستقروا مع السكان هناك. (3)

وإزاء هذا المرجع اليهودي السوري الذي ينسب إليه بعض المؤرخين عنصر الفولانيين نجد ثلة من المؤرخين الآخرين وخاصة الأفارقة يعتقدون أن العنصر الفولاني ينحدر من أصل عربي ، ويرجعون أصلهم خاصة إلى سلالة عقبة بن نافع .ومن بين هؤلاء المؤرخين العالمان الفولانيان الشيخ عثمان دم فوجو وأخوه عبد الله دم فوجو اللذان كانا يقولان بأن عقبة بن نافع أبو كل الفولانيين.

يقول الشيخ محمد بلو وهو فولاني في إحدى أبياته الشعرية :

عقبة جد للفولاتيين من عرب …ومن تورب كانت أمه هي يجمع 4. وهناك أسطورة أخرى فولانية تحكي ان الفولانيين من سلالة عربية . تذكر هذه الأسطورة ان أحد العرب ويقال إنه عقبة بن نافع (5) تزوج امرأة من السودان تدعى باجومانكو (banjo mango وأنها أنجبت طفلا وتركته في أحد الأيام تحت رعاية أخيه الأكبر وعندما عادت وجدت الطفل يبكي ووجدت أخاه يواسيه بلغة عربية لاتعرفها ، وعندما استدعت أحد الرجال ليشرح لها ما يقوله الإبن الأكبر لم يفهم الرجل شيئا وتنبأ بأن هذا الطفل سيكون مؤسسا لشعب عظيم يدافع عن حمى الإسلام وقد ترعرع الولدان وتحدثا بلغة الفولانيين في نفس الوقت الذي عرفا فيه اللغة المحلية فكانت هذه بداية أصل الفولانيين (6).

وإضافة إلى هذا، نرى رأيا آخر يرجع أصل الفولانيين إلى أصل هندي وذلك استنادا إلى مايفترض من قرابة بين اللغتين الفولانية والسريرية وبين اللغات الدرافيدية .

ومن الملاحظ أن عددا من هؤلاء المؤرخين الذين ذكرناهم يرجعون أصل الشعب الفولاني إلى أصل سامي.

وبخلاف هذا يذهب بعض المؤرخين إلى أن الشعب الفولاني ينحدر من أصل حامي .فيقول بعض علماء الأجناس و من بينهم (l.tanxier )ان الفولانيين من الحاميين الذين وفدوا من شرقي إفريقيا. ويحدد فاندلبر أكثر فيقول إنهم من سلالة قبائل الجالا المنتشرة في جنوبي الحبشة وقد وصلوا إلى حوض السنغال خلال تجوالهم وتنقلاتهم في أعمال الرعي.

ومع اختلاف الآراء والنظريات حول اصول الفولانيين وانها من اصول هندية ، او يهودية ، او عربية إلى ان اغلب الآراء ترجح ان الشعب الفولاني من عنصر حامي بربري . فالدلائلالجغرافية والأثرية بمنطقتي براكنة وتاغنت ببلاد شنقيط القديمة تشير إلى أوجه شبه غريبة مع الفولفودة و تأثيرات قوية لتلك اللغة ، وتوحي تلك المجموعة مع الافتراضات بأن الفولانيين ينحدرون من سلالة رعاة الماشية الذين توجد أدلة على وجودهم في موريتانيا أثناء الألف الثاني والثالث قبل الميلاد وأنهم في الفترة التاريخية رحلوا صوب وادي السنغال واسهموا في تكوين بعض الدول مثل دولة تكرور.

وقد اتجهت بعض الدراسات الحديثة إلى اعتبار فوتا تورو الموطن الأصلي للفولانيين ومنطلق هجراتهم إلى بعض دول غرب أفريقيا الأخرى منذ العصور التاريخية ، وبالتالي معارضة كل النظريات التي تفسر قدومهم من الشرق .(7 ).

 

وعلى كل فإن وجود الفولانيين في مناطق فوتا ظل واضحا منذ القرن الخامس الهجري /الحادي عشر الميلادي وان لم يرد ذكرهم صراحة في المصادر العربية القديمة).(8 ).ومع مرور الزمن تحركت بعض الجماعات الفولانية تدريجيا نحو الشرق على طول السودان الغربي فاتجهوا خاصة نحو بلاد ماسينا و تبحبريا حيث أسسوا هناك دولة سوكوتو المشهورة. كما استقرت مجموعة في فوتا جالون بغينيا كوناكري.

د.محمد المختار جي رئيس مركز البحوث والدراسات الإفريقية بالسنغال

المراجع :

1_د.عبد الله عبد الرازق ابراهيم :الإسلام والحضارة الإسلامية في نيجيريا، القاهرة، مكتبة الانجلو_المصرية ص 8

2_د. طرخان إبراهيم علي :إمبراطورية الفولانيين الإسلامية، مقال في مجلة كلية الآداب، جامعة الرياض م 6 1976 ص 97.

3_ن.م ص 98 .99.

4_ بلو محمد :إنفاق الميسور في تاريخ بلاد تكرور ، القاهرة مكتبة النهضة المصرية، 1964. ط1 ص 12.

6_Sidibè (Abdoulaye), les peuls et l’expansion de l’islam en Afrique occidental au x1x siecle, tomboucoutou, 1997.

6_عبد الله عبد الرازق م ،س ص :10

7_دي ميديروس (فرانسوا):مقال “شعوب السودان :تنقل السودان “اليونيسكو تاريخ افريقيا العام م 3 ، 1988، ط ،1 ص 152.

8_ويبدو أن المقريزي يعتبر أول مؤلف عربي استعمل عبارة الفولانيين في المصادر العربية كما استعمله فيما بعد السعدي في كتابه تاريخ السودان.

صورة تخدم النص من المصدر

 

المصدر:مركز البحوث والدراسات الإفريقية بالسنغال