العرب.. ولغو الخطاب السياسي / خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

هي حالة مشتركة ـ لا ريب ـ بين ما تكِنُّه الصدور العربية وما تعلنه من جدٍّ في محاولات باعثة عن الأمل نحو تغيير لا تثبته الوقائع ولن تؤكده، وبين فعل فردي وجماعي لا يوحي أو حتى يشي بتغير منتظر أو وشيك، ليس فقط لأن من بقي من ثلة المفسدين ـ واقتضت الضرورة وجوده في المرحلة الجديدة ـ يهيمن على المشهد العام مبرئاً النفس من شراكة حقيقية عمرت لعقود وكشفت عن تمركز في تقاطعات جمة عَمَّمت ثقافة الفساد، واعتمدته مشروعاً واجب التحقق، ليس لهذا فقط، وإنما لأن المنابت الحكومية والشعبية واحدة.

 

إنها مقدمات لنتائج نراها اليوم، يفرحنا فيها التغيير الآني، ولا ننتبه لمسألة في غاية الأهمية، وهي: أن هناك بدائل للمشروع الوطني انطلاقاً من التشكيك في دور الدولة الوطنية، بل وإحلال قوى أخرى ذات طابع عسكري بديلاً عنها.

 

نحن اليوم، في حالات عربية كثيرة وبدرجات متفاوتة، نتجه نحو تكريس اللغو في الخطاب السياسي، وهذا لا خوف منه إذا ما ظهرت سلطة جادَّة، صادقة وواعدة، لكن الخوف كله أن يصبح ذلك الخطاب معبراً عن جماعات «مُتمترسة» نحو قوى ظاهرة أو خفية تحل بدائل عن مؤسسات الدولة، ومنها الجيوش، على النحو الذي نراه اليوم في العراق واليمن وسوريا ولبيا، ولبنان، أو يتم الاعتراف أو إدماج جماعات ـ كانت إلى وقت قريب غير شرعية ـ في مؤسسات الدولة، وبعد فترة تصبح هي الحاكم الفعلي في البلاد.

 

إن تعميم اللغو في مرحلة تتطلب الجد يكرس الوهم، ويشيع سفاهة الفعل بين الشعوب، وفي وقعنا العربي تحديداً، نعلم، زرافات وفرادى، أننا لن نحقق من طموحاتنا شيئاً، لأن فرضية الملائكة والشياطين ليست سليمة مبدأ ومقصداً، كما أن استحضار العداوة باعتبارها مشروعاً وطنياً للحسم يوسع من هوة الخلاف، ويجعل التدافع بيننا وجهاً للتنافر والصدام. ونتيجة ذلك كله ستكون مزيداً من الفتنة لا ينفع معها تنظير في زمن الجد، لأن هذا الأخير يتحقق من خلال إيمان جمعي بضرورة التغيُّر وليس التَّغيير، حيث استجابة القدر لمن أراد تحقيق الأولى وليس الثانية، وما أبعدنا في حقيقة الأمر عن ذلك.. العرب في لغوهم السياسي اليوم لا يكتفون على المستوى الرسمي بالخطاب بل يتخطوه إلى هزل الفعل.. وتلك مصيبتنا.

 

المصدر