العنف «الديني» والتقليد الإسلامي / د السيد ولد أباه

د. السيد ولد أباه باحث وأكاديمي موريتاني

«باسكال بروكنز» كاتب فرنسي مشهور (ترجمت له قبل سنوات كتابه بؤس الرفاهية)، كتب في تعليقه على العملية الإرهابية الآثمة التي تعرضت لها مدينة برشلونة الإسبانية الأسبوع الماضي أن «الإسلام دخل في طور انتحاري»! وأن مشكل «التطرّف الإسلامي» يتجاوز الأبعاد السياسية الظرفية ويتعلق بخلفيات لاهوتية عميقة تحول دون أن يتأقلم هذا الدين مع قيم المدنية والتعددية.

 

الكلام في حد ذاته ليس بالجديد، فله جذوره في الاستشراق الكلاسيكي، كما أن من الطبيعي أن يولد هول وكثافة العمليات الإرهابية نزعة «الخوف» و«القلق» من الإسلام والمسلمين وإن كانت البلدان الإسلامية هي الضحايا الأولى لإجرام الجماعات المتشددة.

بيد أن الموضوع يحتاج لبيان وتوضيح، بعد أن أصبح من مستنسخات الخطاب السائد حول الإسلام. ولابد هنا أن نبين أن الكتاب الغربيين قد درجوا على الحديث عن «المأزق اللاهوتي» في تقليدهم الديني (المسيحي على الأخص) بعد فظائع «المحرقة اليهودية» (الهولوكست)، واشتهرت في هذا الباب أعمال الفيلسوفين «هانس يوناس» و«إيمانويل لفيناس» التي اعتبرت أن حجم الجرائم يحمل الفكر الديني على مراجعة تصوراته الجوهرية في الاعتقاد.

وقد ذهب كثيرون مؤخراً (في مقدمتهم الفيلسوف المسيحي الفرنسي رمي براغ) إلى أن سبب النزوع «الإسلامي» إلى العنف والإقصاء مصدره التصور اللاهوتي الإسلامي.

 

والمثير في الأمر، أن هذا التصور اللاهوتي (السلطوية المطلقة) هو الذي انتقده يوناس ولفيناس واعتبرا أن «لاهوت القوة المطلقة» هو الذي ورثته الدولة القومية السيادية الحديثة، وهو تصور لا مكان فيه في المنظور العقدي الإسلامي الذي يتمحور حول لاهوت الرحمة والعدل، إلى حد توزع التقليد الكلامي بين اتجاهين كبيرين: ربط القدرة تلازماً مع العدل (الأطروحة الاعتزالية)، وربط العدل مع الحكمة والرحمة (الأطروحة الأشعرية).

 

وإذا كان البعض ينكر على التقليد الإسلامي مضمونه الخلقي، باعتبار أن قيمة العدل لا تتأسس فيه على ذاتية الإرادة أي الضمير الفردي الحر، إلا أن هذا الربط بين العدل والإرادة ليس مسلماً في خلفياته الفلسفية والمعيارية، لأنه يقوم على خلط مضاعف بين النزوع الذاتي للفعل والقدرة العملية على إنجازه من جهة، وبين أحكام الوجود وأحكام القيمة من جهة أخرى.

 

وبخصوص الخلط الأول، نلاحظ مع «حنة آرندت» أن المفهوم اللاهوتي المسيحي للحرية من حيث هي إرادة ذاتية (التصور الأوغسطيني) يفضي ضرورة إلى تعميق الشرخ بين الإرادة والسلطة أي بين النزوع الداخلي وقابلية الفعل، بحيث لا يكون معنى للحرية إلا التحكم في النفس والسيطرة عليها (المفهوم الأصلي للسيادة) بما سيتحول في العصور الحديثة إلى التماهي بين الحرية والخضوع لسلطة إطلاقية. وفي التقليد الإسلامي لا تتأسس قيمة المساواة على الحرية الذاتية وإنما على مركزية الجماعة، أي القدرة على الفعل ضمن سياق مشترك باعتبار أن الفعل يقتضي الاشتراك والتفاعل.

 

وبخصوص الخلط الثاني، لابد من التنبيه إلى الانزياح الذي حدث في العصور الحديثة بين أحكام الوجود التي مدارها طبيعة الموجودات وحقائقها وأحكام القيمة التي مدارها الأوامر والوصايا، فهي بهذا المعنى ليست وصفية تقريرية وإنما هي معيارية تهدف إلى تجاوز الواقع والوقوف ضد نوازع الطبيعة وموازينها. والمشكل الأكبر هنا يتعلق بمنزلة القانون في الفكر السياسي الحديث، باعتبار أنه وإن كان من جهة حصيلة إجماع تواضعي حر إلا أنه في الآن نفسه يتأسس على خلفية وضعية من حيث هو ترجمة لمسار العقلنة الاجتماعية التي تخرجه من مفهوم الأمر المعياري (بما يعني إلغاء الأبعاد الأخلاقية في القانون).

 

ما نريد أن نوضحه من خلال هاتين الملاحظتين، هو أن إرجاع عنف وعدوانية الجماعات المتطرفة إلى البنية العقدية في التقليد الإسلامي لا يستقيم، بل الأصح القول إن الظاهرة تفسر بنموذج «العنف بالمحاكاة» الذي بلوره «رينيه جيرار» في نظريته حول «العنف المقدس». وما يبينه «جيرار» هو أن العنف الجماعي لا يرجع إلى الاختلاف والتضارب بل إلى التشابه الذي هو غالباً سبب الصراع والفتنة. ومن هذا المنظور، نرى أن عنف الجماعات المتشددة له خلفياته التي تقربه من النزعات الراديكالية النازية واليسارية التي هي ظواهر أوروبية حديثة أكثر من قربه من التقليد الإسلامي الذي تتنكر له الجماعات الإسلامية المؤدلجة والعنيفة وترفضه حتى لو تدثرت بغطاء إسلامي.

               

المصدر: الاتحاد الاماراتية