الفلاّنيّون في أفريقيا / عبدولاي يريل صو

يعتبر الشّعب (القبيلة) الفلّاني من أكثر شعوب القارّة الأفريقيّة القاطنة جنوب الصّحراء انتشارا، وهو يتواجد في حوالي عشرين دولة داخل القارّة الأفريقية من شرقها إلى غربها، ويتواجدون في كل من: (السنغال، موريتانيا، مالي، غينيا، غينيا بساو، سيراليون، ليبريا، غامبيا، النّيجر، بوركينافاسو، نيجيريا، الكاميرون، تشاد، أفريقيا الوسطى، السّودان، غانا، كوت ديفوار، جنوب السّودان،

وجزء من أثيوبيا، وجمهورية كونغو الدّيمقراطية)، ويتواجدون في جميع تلك الدّول بأعداد وأدوار متفاوتة، حتّى أنّ بعض الدّول المذكورة لا تعترف بهم من ضمن مجموعات العرقية المكوّنة لها. ويقدّر الشّعب الفلّاني بأكثر من خمسين مليون نسمة، بينما المتحدثون باللّغة الفلّانيّة (Fulfulde/pulaar) يقدّرون بحوالي ثمانين مليون. رغم هذا الانتشار الكبير؛ إلاّ أنّهم يتحدّثون لغة واحدة وهي الفلّانيّة، ولهم عادات وتقاليد وطرق حياة  مشتركة، ممّا كوّن لديهم ثقافة مترابطة ومتماسكة؛ إلاّ في بعض الجُزئيّات البسيطة بسبب تأثّرهم ببعض جيرانهم، ولكن ذلك لم يؤثّر في ثقافتهم بشكل عام.

ولعب الشّعب الفلّاني أدوارا تاريخيّة في القارّة الأفريقية، ساهموا في تشكيل إمبراطوريات مع غيرهم، وشكّلوا أخرى بمفردهم وخاصّة من النّاحية الدّينيّة، إذ أنّ أشهر زعماء الحركات الإسلاميّة التجديديّة في غرب القارّة في العصور السّالفة، من أمثال: “سليمان راسين بال” مؤسّس دولة الأئمّة في فوتاتورو، “عثمان بن فُودِيَ” مؤسّس إمارة سوكوتو و”عمر تال” و”أحمد أحمد لُبُّو” و “بوكر بِيرُو بَري” و “موسى مُولُو بالْدى” و “مابا جاكو با” وغيرهم كثر، كلهم كانوا من الفلّانيين، ربّما لو كانوا معاصرين لوُصفوا بالإرهاب، من يدري! وكان لهم نظام اجتماعي وتقسيم طبقي وظيفي مبني على تخصّص دقيق، حيث جعلوا لكلّ مهنة فئة خاصّة تقوم بها، على سبيل المثال: فئة مختصّة بالحدادة و أخرى بالنّجارة إلى آخر ذلك من التخصّصات التي لا غنى عنها لأيّ مجتمع في كلّ زمان ومكان، حتّى شكّلت كلّ فئة طبقة اجتماعيّة مبنيّة على نظام تقسيم عمل محكم، داخل نسق اجتماعي عام، كلّ ذلك حدث بالتّراضي والتّفاهم. هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على كونهم أمّة كبيرة تمتلك رؤية ثاقبة ومتبصّرة حول بناء المجتمعات القويّة والمتماسكة عكس ما هو سائد لدى البعض، عندما يُذكر الفلاّن أوّل ما يتبادر إلى أذهانهم هو مجموعات رعويّة مشتّتة وغير مستقرّة. لو أتيحت لهم الفرصة عشيّة استقلال الدّول الأفريقيّة بإمساك زمام الأمور؛ للعبوا أدوارا تنسيقيّة مهمّة تساهم في تحقيق حلم الوحدة الأفريقيّة، وترسيخ ثقافة السّلام فيها، ولحالوا دون قيام الحروب الأهليّة المدمّرة التي حدثت بعد الاستقلال في عدّة دول القارّة للأسف الشّديد، لامتلاكهم تجربة وخبرة سابقة في هذا المجال، إضافة إلى كونهم مسالمين، هذا يفسّر عدم وجود حركة متمرّدة يغلب عليها العنصر الفلاّني على طول القارّة وعرضها، رغم تعرّضهم للمظالم في كثير من الّدول؛ إلاّ أنّهم لم يرفعوا السّلاح في وجه دولهم أو يطالبوا بالانفصال مثل ما فعل الآخرون. يتميّز الفلاّن أيضا بامتلاك علاقات ظرافة مع العديد من القبائل الأفريقيّة، كتلك التي تربطهم بال”سّيرير” وال”كانوري” وغيرها، تلك العلاقات التي يغلب عليها المزاح عادة، ساهمت بشكل كبير في ترسيخ حسن الجوار وفي حلّ النّزاعات التي تحدث بين الجيران بين الفينة والأخرى، كان بإمكان الدّول الحديثة الاستفادة منها لتعزيز الوحدة الوطنيّة، ولتسود الأمن والاستقرار في المنطقة . مع كونهم لم يكونوا في مقدّمة من أمسكوا بزمام الأمور بعد استقلال الدّول التي ينتمون إليها؛ إلاّ أنّهم لم يغيبوا عن مراكز صنع القرار أيضا، إذ تقلّدوا مناصب سياديّة عُليا في تلك الدّول بما فيها رئاسة بعض الدّول، وهذا يؤكّد أصالتهم وتجذّرهم  والأدوار التي لعبوها قبل وبعد الاستقلال في المنطقة،  وما زالوا يلعبون أدوارا مهمّة في القارّة الأفريقية في شتّى المجالات، السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة والدّينيّة إلخ…

رغم كلّ ما سبق، فإنّ الفلاّن يتعرّضون الآن باستهداف ممنهج في ظلّ الفوضى الخلاّقة التي تعيشها المنطقة، سواء من قِبل الأنظمة الحاكمة أم المليشيات التّابعة لها، أم حتّى من قبل مجموعات سكّانيّة مدعومة من الدّول الفاشلة أصلا. على سبيل المثال في مالي تقوم مجموعات القنّاصين donzo  باستهداف تجمّعات سكنيّة للفلاّن وقتلهم وحرق قراهم واستيلاء على ممتلكاتهم، دون تدخّل من حكومة تلك الدّولة، لأنّها ببساطة شديدة مَن تدعم تلك الجماعات المهاجِمة بالسّلاح، وهو ما يؤكّده شهود العيان والضّحايا على حدّ سواء، وتؤكّده أيضا سرعة تدخّل تلك الدّولة عند ما تميل كفّة الميزان لصالح الفلاّن، وتعتقل أعدادا كبيرا منهم على أنّهم ينتمون إلى جماعات جهاديّة (إرهابيّة)، أو في أحسن الأحوال تهدّئ الوضع على أنّه نزاع بين الرّعاة والمزاعين دون تقديم الحلول الجذريّة. وفي نيجيريا حدّث ولا حرج؛ خلال الشهر رمضان المنصرم قامت مجموعة سكّانيّة من قبائل “مامبلا” Mambila، في محافظة ترابا Taraba  بإيعاز من محافظها الذي ينتمي إلى تلك القبائل –حسب ما قيل- بمهاجمة قرى الفلّان وقتل ما يزيد على خمسين شخصا، وإجهاز على ما لا يقلّ عن عشرين ألف رأس من البقر، دون أن تحرّك الحكومة الفدراليّة النّيجيريّة ساكنا. كلّ ذلك يحدث تحت مرأى ومسمع مجموعة الاقتصاديّة لدول غرب أفريقيا والاتّحاد الأفريفي، بل والمنظّمات الدوليّة، كأنّهم متواطئون إن لم يكونوا مشاركين فيها أصلا بشكل أو بآخر! هذا الذي يحدث بشكل يومي للفلاّن؛ دون تدخّل من أحد لمنعه؛ قد يجبرهم على حمل السّلاح، أو الانخراط في الجماعات المتطرّفة للدّفاع عن أنفسهم كلّ حسب ميوله، هو ما بدأنا نراه في أفريقيا الوسطى وماسينا في مالي، ربّما هذا ما يُراد لهم لتبرير قتلهم وإبادتهم، لكنّ أعتقد أنّ ما حدث لهم في السّابق في بعض الدّول في المنطقة؛ لن يتكرّر بنفس النمط مرّة أخرى. قيام فرنسا بطلب استصدار قرار مجلس الأمن الدّولي لصالح دول مجموعة السّاحل الخمس بتكوين قوّة عسكريّة، يكون مقرّها في بماكو سيزيد وضع المنطقة تعقيدا، ولن يصُبّ في مصلحة مجموعات سكّانيّة في شمال مالي، الفلاّن على وجه الخصوص، لأنّ الطّوارق والعرب هناك محميّون ومدعومون من إحدى الدّول المؤثّرة في المجموعة، وبالتّالي سيبقى الفلاّن هم الحلقة الضّعيفة بل الأضعف في هذه المنطقة الهشّة، ولهذا وجب عليهم التيقّظ وأخذ الحيطة والحذر، والاستعداد لكلّ ما هو جديد …