المحظرة وخطط التغريب (1) / الديماني ولد محمد يحي

الديماني ولد محمد يحي / كاتب

أثبتت المحظرة عبر التاريخ أنها الحصن المنيع الأوحد لهذا الشعب في وجه هجمات التغريب والإلحاد التي بدأت تغزو العالم منذ بعض الوقت؛ وليس هذا فحسب؛ بل أثبتت كذلك كفاءتها في تربية الأجيال وصقل مواهبهم لاستقبال كل المعارف بكفاءة عالية، ذلك ما يفسر الصدارة التي يحتلها المحظريون في شتى المجالات (يمكن أن تنظروا إلى المتصدرين في الباكلوريا مثلا من جميع الشعب، تجدونهم في الغالب خريجي محاظر أو درسوا فيها لفترة على الأقل).

دور المحظرة الفعال في كبح جماح الإلحاد والوقوف في وجه التغريب؛ بالإضافة إلى كفاءة مرتاديها، جعلت المستعمر يعمل بشتى الوسائل من أجل أن يتخلى المجتمع عنها وفي هذا الصدد بث عملاءه في كل مكان لتنفيذ خططه التي تسعى إلى القضاء على هذه المنظومة التربوية الرائدة.

1 ـ غلق الأبواب

كانت أول خطة انتهجها هؤلاء للقضاء على المد المحظري هي غلق الأبواب أمام خريجي المحاظر؛ فبعد موجة الجفاف التي اجتاحت البلاد وظهور حاجة المحاظر وخريجها إلى الاستفادة من مقدرات البلد للبقاء، بدأت هذه الخطة التي تقضي بغلق الأبواب أمام طالبي العمل من خريجي المحظرة وذلك بالتشديد على أهمية اللغة والعلوم التي لا تدرس في المحظرة عادة، وهي التي كانت كفيلة بقتل المحظرة من خلال عزوف الناس عن تدريس أطفالهم فيها، تحت وطأة الفاقة، طمعا في التوظيف.

ورغم أن هذه الخطة ساهمت كثيرا في تراجع أعداد المحاظر، وفي أحسن الأحوال تناقص أعداد الطلبة فيها؛ رغم ذلك فإن المحظرة ظلت صامدة تتحدى الزمن القاسي، ومن حسن الحظ ساعدها في ذلك إصلاح 1979؛ حيث سمح لنبوغ خريجي المحاظر في المواد العلمية (مع أنهم في الغالب يلتحقون بالمدارس النظامية بداية من الإعدادية؛ بل وفي بعض الحالات من المستوى الثانوي)، وهو ما خلق جوا من الارتياح لدى الأهالي، فعادت المحظرة إلى سابق عهدها أو كادت؛ لتأتي الخطة الثانية،

2 ـ المحاصرة والتهميش

بعدما شهدته المحظرة من انتعاش بسبب تمكن خريجها من التفوق على نظرائهم، في ظل هذا الإصلاح، قام عملاء المستعمر، بالدعاية للفرنسية ومحاولة إقناع الكل بأنها لغة العلم والانفتاح على العصر، وبموازاة مع ذلك قاموا، بإحياء النظرة الدونية للموظف المعرب ومحاصرته في الترقية للمناصب السامية والولوج إلى بعض الوظائف وذلك باشتراط ضمني أو حتى نصي ـ أحياناـ للغة الفرنسية في وجهه، رغم أن في الأمر خرقا سافرا للدستور، والغريب أن المفرنسين لا تشترط فيهم معرفة اللغة العربية، حتى ولو كانت الوظيفة المتقديمن إليها، تقتضي خدمة من لا يعرف الفرنسية!

غير أن هذه الخطة لم تعمر كثيرا؛ حيث تزامنت مع الثورة الرقمية الحديثة والتي حملت معها بشكل منقطع النظير تكذيب “علمية الفرنسية”؛ بل على العكس أكدت تراجع هذه اللغة بشكل كبير في العالم، كما أن هذه الثورة جعلت التغلب على مشكل اللغة (أية لغة) وفي فترة وجيزة أمرا بالغ السهولة، الشيء الذي أصاب هؤلاء في مقتل، وهكذا شرعوا في هدم الأساس بشكل مباشر، من خلال الخطة الثالثة.

3 وقد نحت هذه الخطة منحيين:

الأول: التطاول على العلماء؛ بل ووصفهم بأبشع الأوصاف تمهيدا لنزع الثقة منهم والتقليل من أهمية ما يقدمون (وقد استغلوا للتمكين لهذا المنحى الخلافات السياسية وساعدهم ذلك كثيرا)،

الثاني تشويه المحظرة، من خلال إظهارها بأبشع الصور واستغلال كل الوقائع؛ حتى ولو كانت محدودة ومعزولة لتحقيق ذلك!

الخطة الأخيرة التي تستهدف المحظرة بشكل مباشر (شيوخا وبيئة ومنهاجا)، لم تأت إلا بعد استنفاد هؤلاء لكل الطرق غير المباشرة للقضاء عليها، كما رأينا؛ لذلك لن يدخروا جهدا في تحقيقه؛ وعليه فإنني أقدم ـ لقطع الطريق أمامهم، ولكي نمكن للمحظرة أكثر ونستفيد منها على الوجه الأكمل ـ جملة مقترحات:

*العمل على الربط بين التعليمين المحظري والنظامي لاستفادة كل منهما من إيجابيات الآخر (المناهج، التقويم، والشهادات..)،

*مطالبة السلطات المعنية بإقرار تدريس المواد العلمية باللغة العربية في المراحل الأولى والمتوسطة على الأقل،

*تثمين ما قيم به حتى الآن من اهتمام بالمحظرة وروادها (تخصيص رواتب للأئمة، الجامعة الإسلامية في العيون، المحظرة الكبرى في إينشيرى …) ، والمطالبة بالمزيد في هذا الاتجاه،

*إقرار يوم وطني للتعريف بالمحظرة وتخليد مآثرها وإبراز أدوارها الطلائعية في المحافظة على ثقافة البلد و تحصينه من دعاة الغلو والتطرف والإلحاد؛ بالإضافة إلى إسهاماتها المشهودة في نشر التعاليم السمحة للإسلام في العالم.

حفظ الله بلادنا من كل مكروه وزادها رفعة وأمنا ونماء.