المخاوف من «داعش» و«القاعدة» مستقبلاً / عبد الوهاب بدرخان

عبد الوهاب بدرخان / كاتب ومحلل سياسي- لندن

تقريران دوليان صدرا أخيراً ويبدوان غير مرتبطين ظاهرياً، الأول أعدّه خبراء في الأمم المتحدة لرصد الوضع الذي بلغه تنظيما «داعش» و«القاعدة» في ظل الحرب المتواصلة عليهما، والآخر يجمع دراسات لاختصاصيين في علم الاجتماع والطب النفسي عن الأوضاع الصحية في الشرق الأوسط. لكن ما يجمع بينهما هو الإشارة إلى استشراء العنف وتداعياته: إذ يخلص التقرير الأممي إلى أن التنظيمين الإرهابيين استطاعا أن يحتفظا بقدراتهما رغم الضغط العسكري ما سيمكّنهما من البقاء ناشطَين لفترة مقبلة يصعب تحديدها، أما التقرير الطبي الذي لا ينطلق من خلفية سياسية فيفضي إلى خلاصتَين؛ أولهما أن «العنف المستوطن والمستمر يخلق جيلاً ضائعاً من الأطفال والشبّان» تتضاعف في صفوفه حالات الانتحار والجرائم بأنواعها كافةً، والثانية أن المستقبل «سيكون قاتماً إذا لم تُوجد طريقة لإحلال الاستقرار في المنطقة».

 

الملاحظ في التقرير الطبي أنه يخلط بين بلدان مبتلية مباشرةً بوباء الإرهاب وأخرى تعاني بعض انعكاساته بشكل غير مباشر. لكن خطورة جماعات الإرهاب تتمثل في كونها، رغم هامشيتها الاجتماعية، رسمت للجيل الشاب في البيئات المضروبة سبيلاً للتعبير عن غضبه ونقمته بأقصى أنواع العنف والتفلّت، دون أن يكون قادراً على إدراك مدى هولها وتهوّرها. أما الأكثر خطورة، فربما يوجد في التقارير التي تتهم دولاً بتمويل الإرهاب كما في الأزمة الناشبة حالياً بين الرباعي العربي وقطر، كذلك في التقارير غير المعلنة عن تمويله من جانب «أفراد أو جهات خاصة»، وهي حالات مثيرة لقلق بالغ كونها تؤكّد وجود «تعاطف» بين نخب اقتصادية وجماعات إرهابية، رغم أن الأولى تستفيد من الاستقرار أما الأخرى فديدنها زعزعة أي استقرار.

 

في الثامن من أغسطس الحالي، أنهت «الحرب على داعش» عامها الثالث مدشّنةً سنتها الرابعة، ولا تزال أمامها سلسلة من المحطات، ثلاث في العراق (الحويجة/ كركوك، وتلعفر/ نينوى، والقائم/ الأنبار) واثنتان في سوريا (الرقة التي لم يكتمل تحريرها بعد، ودير الزور التي تُعتبر آخر معارك «داعش»). والحديث عن أي مواقع «محرّرة» هو حديثٌ عن مدن أو بلدات مدمّرة، ويعني ذلك عموماً أن بقاء سيطرة التنظيم هي بحدّ ذاتها دمار وتعطيل للحياة حاضراً ومستقبلاً، أي أن الدمار حاصلٌ لا محالة لكن التخلّص من التنظيم يفتح أبواباً على الأمل في غد أفضل. غير أن أسئلة تُطرح هنا عن الحمولة الثقيلة جداً المتأتية عن هذين الدمارَين، «الداعشي» و«التحريري»، وبالأخص عن الجيل الذي عايشهما ثم كان عليه أن يشهد أيضاً في مخيّمات اللجوء إعدامات ميدانية انتقامية وانتهاكات شتّى موثّقة لـ«الحشد الشعبي» في العراق، وانتهاكات مثبتة وإن بمستوى أقلّ لـ«وحدات حماية الشعب» الكردية في سوريا. فهذه مضاعفات خطيرة لا يبدو أن دول «التحالف الدولي ضد الإرهاب» تأخذها في اعتبارها عندما تفكّر في «مكافحة الإرهاب» وضمان عدم ظهوره لاحقاً.

يقول التقرير الأممي، إن «داعش» يتكيّف مع السيناريوهات المتوقّعة لنهايته، ورغم هزيمته الكبرى في الموصل لا يزال يتموّل ويموّل أنصاراً منتشرين حول العالم ويصدر اليهم أوامر لشنّ هجمات. وكان تنظيم «القاعدة» قد استطاع بعد اقتلاعه من أفغانستان المحافظة على وجوده حتى بعد قتل زعيمه، بل قيل إنه صار فكرةً أو عنواناً يشهره آخرون. لا شك أن «داعش» و«القاعدة» سيستفيدان من تجربتيهما في إدارة المرحلة التالية، مخفّفَين من تناقضاتهما، ربما لأنهما لم يجدا أن جهود «مكافحة الإرهاب» نجحت فعلياً في تجفيف منابع تموّلهما أو في تغيير الأوضاع التي تمكّنهما من مواصلة الاستقطاب والتجنيد. على العكس، ففي حدود المعطيات الراهنة لا تبدي الدول الكبرى المعنية اهتماماً جدياً بمساعدة الدول على النهوض وإيجاد تسويات عادلة ومتوازنة للنزاعات التي يتغذّى منها الإرهاب ويستنبط ذرائع لاستمراره، وفي سوريا مثلاً كما في العراق، تفتقد هذه الدول الحزم المطلوب تجاه إيران، الدولة التي جعلت من نشر الإرهاب استراتيجية حكومية لتحقيق هدف أيديولوجي، كما تفتقد الحزم أيضاً تجاه إسرائيل، الدولة الأخرى التي يبقى احتلالها لفلسطين شرارة دائمة لإشعال العنف والتذرّع به لتغطية جرائمها.

 

المصدر: الاتحاد