المرحوم جمال ولد الحسن وقصة أول درس جامعي في الأدب الموريتاني/ محمدن ولد سيدي (الملقب بدنَّ)

العلامة الراحل جمال ولد الحسن
(صورة من المصدر )

لم أعد أتذكر السنة، لكن ما يزال محفوراً في ذاكرتي ذلك اليوم الذي جاءني فيه جمال ولد الحسن زوالا وقال: “جئت لحاجتين، أولاهما أن تزودني بنسخة من ديوان العلامة امحمد بن أحمد يوره، والثانية أن ترافقني إلى الجامعة لتحضر معي درس هذا المساء.. فقد استقر رأيي بعد تردد طويل على أن أبدأ تدريس الأدب الموريتاني في كلية الآداب، وارتأيت أن أبدأ بشعر امحمد بن أحمد يوره، وأن أتخذ منك شاهداً على ذلك. يبدأ هذا الدرس الأول في الساعة الثالثة ولم يعد يفصلنا عنه سوى نصف ساعة فقط”.
 ناولته الديوان، واتجهنا صوب المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية، حيث مأوى الكلية الناشئة.
 وفي الطريق طفق الأستاذ يتصفح الديوان. دخلنا القسم في الوقت المناسب، إذ أن حركة المرور آنذاك لم تكن بالدرجة التي تتعثر معها وتيرة سير الراجلين.
 كانت الحجرة مكتظة بالطلاب، وقد علمت فيما بعد أن بعضهم متطفل مثلي وافد من فصول دراسية أخرى.
استطعت بمساعدة الأستاذ، أن أتبوأ مكانا معينا، وقفت فيه بين المصطفين في آخر الصف، وأذكر منهم المرحوم عبد الله ولد يحظيه، رئيس مصلحة الشؤون الأكاديمية آنذاك.
ما إن دخل الأستاذ حتى استتب الصمت داخل القسم، بالسرعة التي بادر بها إلى السبورة، وكتب بخطه الجميل، المزاوج بين التقليد والمعاصرة، قطعة ابن أحمد يورة المشهورة:

عَلَى الرَّبْعِ بالْمَدْرُومِ أيِّهْ وحيِّهِ
//// وإنْ كَانَ لا يَدْرِي جَوَابَ الْمُؤَيِّهِ

وَقَفْتُ بِهِ جَذْلاَنَ نَفْسٍ كَأنَّمَا//// 
وَقَفْتُ عَلَى لَيْلاَهُ فِيهِ ومَيِّهِ
فقُلْت لِخِلٍّ طَالَمَا قَدْ صَحِبْتُهُ
//// وأدْنَيْتُهُ مِنْ دُونِ خِلاَّنِ حَيِّهِ

أعِنِّي بِصَوْبِ الدَّمْعِ مِن بَعْدِ صَوْنِهِ//// 
وَنَشْرِ سَرِيرِ الشَّوْقِ مِنْ بَعْدِ طَيِّهِ

فَمَا أنْتَ خِلُّ الْمَرْءِ فِي حَالِ رُشْدِهِ//// 
إذَا كُنْتَ لَسْتَ الْخِلَّ فِي حَالِ غَيِّهِ
فتعجبت من حسن اختياره وأشفقت عليه من الموضوع، إذ أن الحيز الزماني المتاح منذ تناوله الكتاب، لم يكن يكفي لانتقاء موضوع الدرس، بله التحضير في ظروف أقل ما توصف به أنها لم تكن مصدر إلهام للأدباء ولا النقاد. 
قلت في نفسي: وفقه الله في هذه، فأين المدخل؟

بدأ الأستاذ جمال درسه بالسؤال: ما معنى “أيِّهْ” في قول الشاعر:
[عَلَى الرَّبْعِ بالْمَدْرُومِ أيِّهْ وحيِّهِ]؟
 عجز الطلاب جميعهم عن الجواب أو أحجموا عنه، ولعمري لو أن طلاب اليوم، سئلوا ذات السؤال لكانوا أعجز وأحجم.
 فقال الأستاذ: أيه معناها قل له: أيها! ثم استمر في إلقاء درسه، وقال: بدأ الشاعر يخاطب نفسه المنطوية في ظل ضمير مستتر تقديره أنت.. أيه وحيه “أنت”..
 ثم ما لبث المخاطب أن تحول من حال الضمير المستتر إلى حال الضمير الظاهر المتصل، ضمير الفاعل وهو التاء في قول الشاعر “وقفتُ”.. 
وخلال البيت الثالث تطور المخاطب لدى الشاعر من ضمير متصل إلى خل منفصل، لكنه متصل وملازم بالدنو والمصاحبة الدائمة:
 [فقُلْت لِخِلٍّ طَالَمَا قَدْ صَحِبْتُهُ//// 
وأدْنَيْتُهُ مِنْ دُونِ خِلاَّنِ حَيِّهِ]. 
ولما تدرج المخاطب إلى هذه الحال الجديدة، المتصف معها بجميع هذه الأوصاف.. اتخذ منه الشاعرُ ملاذاً وملجأً لمد يد العون والمساعدة التي توسمها فيه، فخاطبه قائلا: 
[أعِنِّي بِصَوْبِ الدَّمْعِ مِن بَعْدِ صَوْنِهِ//// 
وَنَشْرِ سَرِيرِ الشَّوْقِ مِنْ بَعْدِ طَيِّهِ]. 
وبعد أن استطاع الشاعر أن يتدرج بالمخاطب إلى هذا المستوى من التميز والانفصال، وطلب منه إسداء خدمة معينة، نبهه إلى مبدأ قويم من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها المصاحبة الصادقة الحقة: 
[فَمَا أنْتَ خِلُّ الْمَرْءِ فِي حَالِ رُشْدِهِ
//// إذَا كُنْتَ لَسْتَ الْخِلَّ فِي حَالِ غَيِّهِ]
.
هذا بعض ما يحضرني، من ذلك الدرس الشيق، الذي استهل به الأستاذ جمال، تدريس الأدب الموريتاني في كلية الآداب بجامعة نواكشوط.
 ولكم أن تتصوروا معي بحق، كيف أن هذه الصور كما عرضتها، لابد أنها تدرجت هي الأخرى كما وقع لذات الشاعر المُخَاطَبَة، لكن بصورة عكسية هذه المرة، فانتقلت من صور نيرة ناصعة مؤداة بتعبير واضح رصين، كما أطلقها صاحبها أول مرة، لتصبح اليوم بفعل تقادم العهد وضعف الجهد والتفكير المتردي وعجز المؤدى، لتصبح باهتة كالضمير المستتر في صدر البيت الأول، من قطعة ولد أحمد يوره. 
أذكر يومذاك أن أحد الطلاب تدخل في نهاية الدرس فقال: يا أستاذ إما أن يكون الشاعر متقدماً على عصره، أو أن تكون أنت قد حمَّلت النص أكثر مما يتحمل! 
فأجابه جمال بداهة: أما أن يكون الشاعر متقدماً على عصره فهذا ليس بمستحيل، وأما أن أكون أنا قد حمَّلت النص أكثر مما يتحمل، فاعلم بأن النص أي نص لا يحمل من المعنى إلا ما حمَّله إياه قارئه.. وقد يأتي قارئ آخر فيحمل هذا النص أكثر مما حملته أنا بكثير. 
وتدخل طالب آخر فقال: يا أستاذ أنت تلفظ “المدروم” براء مرققة.. هل سمعت الشاعر ينطقه كذلك؟ فأجاب جمال: أنا لم أسمع الشاعر ينطق المدروم براء مرققة، وأنت كذلك لم تسمعه ينطقه براء مفخمة.
 وأثناء الدرس لفت انتباهي طالب يجلس في الصف الأول، لم يتم مقطع من الدرس إلا وأبدى عليه ملاحظة. وكان الأستاذ جمال حريصا على أن يجيبه على كل ملاحظة، وبصورة سريعة لا ينقطع معها حبل تفكيره، ولا يتهلهل سبك تعبيره.
مرة قال الأستاذ في شرح البيت الأول من قطعة ابن أحمد يورة: إن معنى حيِّه في قول الشاعر:
[على الربع بالمدروم أيه وحيه] قد تكون بمعنى ٱطلُبْ له الحياة التي تكون بالنسبة للربع بفعل المطر. قال الطالب: “ليس ذلك بالضرورة يا أستاذ”! فرد الأستاذ جمال بداهة: “طبعاً، ولذلك قال طرفة بن العبد: [غَيْرَ مُفْسِدِهَا] ثم واصل الدرس، وهكذا دائماً تجيء ملاحظات الطالب وتأتي وفقها إجابات الأستاذ. 
وللتوضيح فالأستاذ وتلميذه يشيران هنا إلى البيت المشهور لطرفة بن العبد:
[فَسَقَى بِلاَدَكَ غَيْرَ مُفْسِدِهَا 
صَوْبُ الْغَمَامِ ودِيمَةٌ تَهْمِي]
.
هذا، ولما اكتمل الدرس أحاط به الطلاب والأساتذة يستبشرون ويستفسرون عن البرنامج الجديد، وما هي ملامحه، وما الجدولة المعدة له، وعن المواضيع اللاحقة منه. 
وبعد جهد جهيد خرجنا من حرم الجامعة عائدين، فمكث الأستاذ برهة وكأنه شارد الذهن. قلت له: ما بالك؟ قال: كادت ملاحظات أحد الطلاب تربك تسلسل تفكيري في صلب موضوع الدرس.. إنه الطالب النابه عبد الله السالم ولد الْمُعَلَّى، وهو ليس من طلابنا في السنة الأولى!

وأختم فأقول: يا ليت معالي وزير الثقافة السابق، والصديق الوفي، والأديب الأريب، عبدالله السالم ولد المعلى يثري ساحتنا الثقافية والأدبية، فيتقاسم معنا ما علق في ذاكرته من ذلك الدرس المشهود، المؤذن بانطلاق عهد جديد في تاريخ الأدب الموريتاني.. إن في ذلك خدمة للوطن ووفاء بالعهد.