المغرب يستعد لإطلاق مبادرة إفريقية حول الهجرة غير الشرعية

الصدى – وكالات /

يستعد المغرب لإطلاق مبادرة لبلورة رؤية أفريقية موحدة حول ملف الهجرة غير الشرعية بأبعادها المتعددة، وذلك في خطوة يُنتظر أن تُثير جدلا سياسيا حادا ارتباطا بتشابك الملف مع ملفات أمنية دقيقة، وتداخله مع أجندات جيوسياسية ترمي إلى فرض واقع جديد تحت عناوين مُتعددة.

وقالت مصادر دبلوماسية  إن المغرب قطع شوطا كبيرا في بلورة هذه

المبادرة التي قد يُعلن عنها قبل نهاية العام الجاري.

وأضافت نفس المصادر أن “المغرب أدرك أهمية هذا الملف بتداعياته السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وبخطورة توظيفه لتحقيق أهداف ومآرب أخرى قد تمس من سيادة الدول التي تُوصف بأنها مُصدرة للمهاجرين”.

وأشارت المصادر إلى أن هذه المبادرة تستمد جوهرها من الورقة الرسمية التي كان المغرب قدمها إلى منظمة الاتحاد الأفريقي في وقت سابق في سياق جهوده الرامية إلى البحث عن مقاربة جديدة لمعالجة ملف الهجرة الذي بات يؤرق دول ضفتي المتوسط، وأيضا دول منطقة الساحل والصحراء الأفريقية.

وارتكزت تلك الورقة التي حظيت باهتمام أفريقي كبير على ما ورد في خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس الذي ألقاه نيابة عنه شقيقه الأمير رشيد في القمة الـ29 للاتحاد الأفريقي التي عُقدت بالعاصمة الأثيوبية، اديس أبابا في مطلع يوليو الماضي تحت شعار”الاستفادة كليا من العائد الديموغرافي لأفريقيا بالاستثمار في فئة الشباب”.

ودعا العاهل المغربي إلى “تطوير تصور أفريقي موحد” حول الهجرة واعتماد “مقاربة خلاقة” لحل هذا الملف، وتساءل قائلا “هل ستكون أعماق مياه البحر مصير شبابنا؟ يتعين علينا أن نجعل من الهجرة ورقة مُربحة”.

وكشف في ذلك الخطاب أنه يعتزم “تقديم مساهمة تتمحور حول ضرورة تطوير تصور أفريقي موحد لرهانات الهجرة وتحدياتها، يكون الهدف الأول منه تغيير النظرة تجاه الهجرة، والتعاطي معها ليس كإكراه أو تهديد بل كمصدر قوة إيجابية”.

وفي تعليقه على هذه المبادرة المُرتقبة، قال عبدالرحيم المنار السليمي، رئيس المركز الأطلسي للدراسات الاستراتيجية والتحليل الأمني

 

إن سياسة الهجرة المغربية لا تقتصر على نطاق حدود المغرب، بل تمتد إلى المجال الإقليمي والدولي.

عبدالرحيم المنار السليمي: سياسة الهجرة لا تقتصر على حدود المغرب، بل تمتد للمجال الإقليمي والدولي

ووصف في تصريح لـ”العرب” الجهود التي يقوم بها المغرب ومختلف مؤسساته وأجهزته الأمنية في مجال الهجرة وخاصة منها غير الشرعية بأنها “استثنائية”.

ولفت إلى أن المغرب الذي تحول في السنوات الماضية من دولة عبور للمهاجرين إلى دولة إقامة على أبواب أوروبا بنحو 14 كلم، أصبحت له إستراتيجية واضحة المعالم لمواجهة هذه الظاهرة جعلت مقارباته الإقليمية لمعالجة هذا الملف تحظى باهتمام جميع القوى المعنية به مباشرة.

واعتبر أن المغرب كبلد إقامة “بات يطرح منظورا جديدا لموضوع المهاجرين واللاجئين يختلف عن وضعيته لمّا كان بلد عبور، وذلك وفق مقاربة بأبعاد إنسانية وحقوقية”.

وتأتي هذه المبادرة بعد بروز جملة من المؤشرات التي تؤكد أن بعض الأطراف الإقليمية والدولية لا تريد معالجة جدية لملف الهجرة وإنما تسعى إلى توظيفه لتحقيق مكاسب جيوسياسية ذات طابع إستراتيجي في أفريقيا.

وتوقعت أن تُثير هذه المبادرة سجالا سياسيا، خاصة وأنها ستكون ورقة مُهمة للتصدي لتلك الأطراف التي “تريد ترسيم حدود جديدة لأوروبا فوق الأراضي الأفريقية من خلال إحداث مراكز تجميع وفرز للمهاجرين واللاجئين في دول شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء”.

وتعالت خلال الأشهر القليلة الماضية الأصوات التي تنادي بإقامة مراكز لتجميع المهاجرين في أفريقيا، في سياق مبادرات وخطط مُتنوعة، كان آخرها تلك التي أطلقها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون التي دعا فيها إلى إقامة مراكز لتجميع المهاجرين في بعض الدول الأفريقية.

وقبل ذلك، كشفت وثيقة رسمية أعدتها مفوضية السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، عن توجه الاتحاد الأوروبي إلى إقامة معسكرات ضخمة للمهاجرين في ليبيا.

وجاء الكشف عن تلك الوثيقة الأوروبية بعد اقتراح الاتحاد الأوروبي خلال القمة الأوروبية-الأفريقية التي عقدت بمالطا في نوفمبر الماضي، إقامة مراكز لتجميع اللاجئين بأفريقيا، وهو الاقتراح الذي قابلته دول إفريقية بالرفض. وكثفت الدبلوماسية المغربية من اتصالاتها ومشاوراتها على الصعيدين الأفريقي والأوروبي لتوفير الظروف المناسبة لإنجاح هذه المبادرة، مستفيدة في ذلك من الموقف الأفريقي الرافض للمقاربات الأوروبية لمعالجة هذا الملف المُعقد.

الموقع الجيواستراتيجي للمغرب المتمثل في كونه قوة إقليمية نجحت في إدارة ملف الهجرة على أبواب أوروبا

وزار وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة خلال الفترة الماضية العديد من الدول الأفريقية، وأيضا الأوروبية، بالإضافة إلى زيارة أميركا في بداية الشهر، وذلك في إطار إنضاج الوعي بضرورة إيجاد إطار سياسي واضح ومتكامل يأخذ بعين الاعتبار مصالح مختلف الأطراف أثناء معالجة موضوع الهجرة.

ولم يستبعد عبدالرحيم المنار السليمي، في تصريحه لـ”العرب”، أن يتمكن المغرب بهذه المبادرة من فرض نظام إقليمي على أسس جديدة لاستيعاب المهاجرين، مستفيدا من وضعيته الحالية كقوة إقليمية صاعدة بعد عودته إلى الاتحاد الأفريقي.

وشدد على أن الموقع الجيواستراتيجي للمغرب المتمثل في كونه قوة إقليمية نجحت في إدارة ملف الهجرة على أبواب أوروبا، من شأنه أن يؤثر في سلوك دول الجوار، وخاصة الجزائر. كما أنه يؤثر في إسبانيا التي باتت مطالبة بالمزيد من التعاون والضغط على الاتحاد الأوروبي للانتباه إلى الدور الجديد الذي يلعبه المغرب كقوة إقليمية في ملف الهجرة واللاجئين.