المقامة الحوضية / المختار_بن_حامدن (الحلقة الأولى) / الحسين بن محنض

الحسين بن محنض / صحفي وأديب موريتاني

من بدائع المختار بن حامدن النثرية مقامته المعروفة بالمقامة الحوضية، وذلك نظرا لما تتضمنه من تنويع في الأسلوب والعبارة كلما ذكر منطقة من مناطق الحوض أو قبيلة من قبائله..

تطلبتها في مظانها فوجدت منها عدة نسخ، لكنها كلها كانت ناقصة باستثناء واحدة وجدتها عند الشيخ الفاضل الشريف يابه ولد محمادي، أهداها له المختار مرقونة قبل أكثر من نصف قرن..

وسبب هذه المقامة “أن أبناء بوسيف من كنته وأبناء الطالب مختار القلقميين حصل بينهم تشاجر شديد وقع فيه القتل، واهتم الفرنسيون بإيقاع الصلح بينهم، فامتنع أبناء بوسيف عما اقترح عليهم في ذلك حتى يئس الفرنسيون من الصلح، ثم إن السلطات طلبت من المختار ولد حامدن وبعض الأعيان السعي في طريقة يقع بها الصلح بين الطرفين..

زار الوفد أهل الطالب مختار وأنشدهم المختار ولد حامدن قصيدة لم أظفر بها، ولكن روت لي منها العارفة الأمينة بنت الشيخ محمد فاضل بن الشيخ بشرايه بن الشيخ ماء العينين أبياتا، ثم انتقل الوفد إلى كنته وكانوا ممتنعين عما اقترح عليهم فخاطبهم المختار بن حامدن بقصيدة قدم لها بمقدمة نثرية جاء فيها:

((السلام عليكم يا بني الكنتي، يا زين الندي، وبيضة الولي، وطائفة الجنيد والسري، أولي العلم اللدني، والقرآن البتتي، والحديث الختي، والبذل المزيدي بفيض الأتي،

كناتة أنتم رجال الندى

وفِي المجد أنتم طوال المدى

لواء التقى والنقا عندكم

ورأي الرشاد وآي الهدى

تقودون للرشد باغي الهدى

وتحبون بالمال باغي الجدى

فأهدى الهدى لهداكم فدا

وأجدى الجدى لجداكم جدا

قطعنا إليكم عراض الفلا

يُرامي بنا الفدفدُ الفدفدا

ومبدأ أهدافنا ودكم

فنبدي المودة بادي بدا

ونسعى ليرأب ذاك الثآى

فلا تتركوا ما سعينا سدى

فإن نُكد في الصلح ما بينكم

فذاك الصراخ برأس الكدى

ثناء ننادي به منكمُ

ونستعطف العلم المفردا

وكلكمُ علم مفرد

على الرفع يبنى أوان الندا

ألا فليك الصلح توثيقه

وتوكيده خبر المبتدا

وإنا وهبنا شفعنا هنا

لنرجو الشفاعة منكم غدا)).

فتشاور كنتة في ما بينهم واتفقوا على قبول شفاعة الوفد والاستجابة للصلح والتعبير عن ذلك في قصيدة جوابية للمختار ولد حامدن في نفس البحر والروي، تولى إنشاءها وإنشادها مساء نفس اليوم محمد بن الجيل بن أحمد البوسيفي مطلعها:

((أوفد فخار وعز بدا

يسامي السماكين والفرقدا…)).

فقال له المختار بن حامدن: “أنت أشعر مني لأن قصيدتي قيلت عن نظر وقصيدتك قيلت

عن بديهة”..

وأعجب أهل الحوض بالمقدمة النثرية التي قدم بها المختار بن حامدن لقصيدته، وخاضوا في معانيها وإشاراتها، واستعذبوها فوعدهم بمقامة نثرية عامة على أهل الحوض فكانت هذه المقامة التي ضمن فيها مع تغيير طفيف مقدمته النثرية لقصيدة كنتة:

تبدأ هذه المقامة بعبارة: ((الحوض روض باسم لرواده، وحوض واسع لوراده، حواضره قصور غمدانية، وقباب نجرانية، وإيوانات أنوشروانية…))، إلى أن يتخلص بعد ذلك إلى مواضع الحوض الأساسية، كأجامر، وباسكنو، والباطن، وباغنه، وتامشكط، وترمسه، وتمبدغه، والرگ، والخط، وكوش، والعگله، والعيون، وولاته، والنعمة، واصفا كل موضع بما يناسبه مستطردا بعد ذلك إلى قبائل الحوض التي رتبها ترتيبا ألفبائيا فرارا من تفضيل بعضها على بعض.. بادئا حديثه عن أهل الحوض وقبائله بإيجمان، فأحمد الأسود، فإيدوبلال، فبارتيل، فأولاد موحمد، فآل بودبوس، فإيديبسات، فأولاد بله، فالتناگيد، فتنواجيو، فتجكانت، فأولاد داود، فالسواكر وأهل اسويد، ومطلق إيدوعيش، فالسماليل، فالشرفاء، فآل الطالب عثمان، فآل الطالب مختار، فالطلابة، فالأقلال، فالقوانين، فكنتة، فلادم، فلمتونه، فأولاد امبارك، فالمحاجيب، فمسومه، فمشظوف، فأولاد الناصر، فالنمادي، قائلا:

((وبعد فأهل الحـوض* زهـر ذلك الروض* وورد جـوره * ومسك تبتـه * وعرار نجده * وحوذان روضة ضاحــكه * وأتـرنج تـوزره * وزعفـران طليــطلتـه * وتفـاح دامانــه * وسفرجل تاهــرته * ورمان حلــوانه * وفاكهة تونســه * وصيحان بسكــرته * وطن عمانيته * وعنــب سجلــماسته * وتمر قفصــته * وسكــر واديـــه * وفانيذ ماسكانـه * وعســل جلولائـــه * وحنــطة بلــقائه * وحــلي تاجته * وعقد جــيده * وشنــف أذنه * وغــرة جبينه * وإنسان عينه * وخال وجنته * وروح بــدنه* وأسـد عرينـــه* ونجـوم سمــائه* وأوتاد أرضه* وأعيان مـروه * فيهم عدل غرشستان * وألوية

أصـــبهان * وعلم خـــراسان * وعقــول العراق * وأخلاق طرابلس * وطباع دينـور وهمذان * وأحساب إصـطخر * وجود تنغة * وأدب شلب * وخزانة ساوة ومرو *

إقدام عمرو في سماحة حاتم

​​في حلم أحنف في ذكــاء إياس

الخيل والليل والبيداء تعرفهم

​​والسيف والرمح والقرطاس والقلم

 

أما إجمان * فحلي البلدان* وعقود جمان* في جيد الزمان *

وأما أهل أحمد الأسود * فقد أعطاهم المجد المقود* فهو لهم جنيب أقود * لهم السهم الأسود * والعقل الأعود * والشرف الموطد* والرأي الأسد* والعز عند الأحمر والأسود*

وأما إيدوبلال * فزهو العين والبال* وشفاء الداء العضال* والهم والبلبال* أولوا فضل وإفضال* وبذل للمال* حتى في ساعة الإقلال*

وأما بارتيل * فرهبان ليل* من طراز الجنيد * والفضيل * وأسود غيل * ضد أهل الميل* إلى سيب كالسيل * وعلم طويل الذيل*

وأما أولاد موحمد * فقد جعل لهم ود* وذكاء لا يبلغ فيه لهم مد * إلى سؤدد عد * وكرم محتد* وعدد وعدد * وثروة ومدد*…

يتواصل

 

من صفحة الكاتب الصحفي والاديب الحسين ولد محنض