الموظف والخوف من الإقالة/أحمد عبد الرحيم الدوه/كاتب ومحرر صحفي

 

المنصب والجاه والسلطة ، نعمة، ونقمة ،وتكليف ،لا تشريف ،مسؤولية وامتحان، وأمانة ، وخزي ايضا لمن لم من يؤديها حق أدائها ،بصدق ووفاء .

قليل هم من يدركون سنن الله في خلقه ،وان السلطة ( لو دامت  لغيرك ما وصلت  إليك).

وقليل هم من يؤمن أن البقاء في الوظيفة ،ليس قدرا محتوما ،ومغادرتها  ليست مصيبة وحسرة،  فالكثير من المسئولين يتمنون الخلود في مناصبهم ،حتى يأتيهم اليقين. لا يقبلون الاستقالة ،ويأسفون على الإقالة، ليس حبا في وظائفهم وكراسيهم، التي تدر عليهم المنافع فحسب ،بل إنهم يخافون العاقبة وما أدراك ما العاقبة؟ الموظف والمسئول الحكومي  عندنا، لو أقيل من منصبه  وعاد إلى سيرته الأولي،أصبح نسيا منسيا، لا حراس ولا خدم،ولاالبروتوكولات، يجد نفسه بدون مطبلين ،ومزمرين، وانتهازيين كانوا يزينون له سوء عمله،بل تبرئوا منه وهم الذين أتبعوه ، وناصروه في أيام كانت الدنيا (تقف له علي أربع)، لذلك لا يفكر في الاستقالة من ( جنة الوظيفة  ) ـ إلا من رحم ربك ـ ولا يقبل التقاعد من ذاق طعم التوظيف.

إذا أقيل الموظف من منصبه الحكومي، انتهي عهده وانتهت الحياة  بالنسبة له ،لأن من كانوا معه أمس لا يحفظون له  عهدا ولا ذمة، فعندما يقال بمرسوم رئاسي، أو يجرد من منصبه، يأتوه من كل حدب وصوب، جماعات وأفرادا يعزونه في ( مصابه الجلل)، وبعد حين يتكالبون عليه يلصقون به كل التهم، من سوء التسيير والتدبير، والجرائم والأوزار، ما لاعبن رأت ولاخطر، علي قلب بشر ، يخفون فشلهم الوظيفي بتحميل المسؤولية  لمن سبقوهم ، الذين كانوا بالأمس ،يمجدونهم ويمدحونهم، بما لم يفعلوا ،طمعا في ما أوتوا من بسطة في المال والجاه ، وبعد أن  تواطئوا معهم حينا من الدهر ، وأفشلوهم مهنيا ووظيفيا ونهبوا وسرقوا  ودمروا وعاثوا في الأرض فسادا.

لم يسلم من ظاهرة التجريح ،والشتم ،والاتهامات، صغار المسئولين العموميين، بل تعداهم إلى رؤساء الدولة ومسئولين عاشوا لا يسألون الناس لحافا أغنياء من التعفف، لم يسلموا جميعا من ممارسات هذه (المافيا) لا أخلاقية لتي تسود الكثير، من الأوساط الرسمية ،والمؤسساتية والحزبية ،في بلادنا ومعروفون ، مع كل نظام يسيرون وفي كل إدارة يهيمون.

وبقى الكثير من المسئولين (نظيفي اليد) بقية أعمارهم متألمين من ظلم ( ذوي القربى)، ومزوري التاريخ والحقائق الوطنية ،إن من الرجال المسئولين الصادقين المخلصين الوطنيين  من صادقوا الله والوطن, من أصحاب الضمائر المهنية في موريتانيا، صاروا يرفضون الوظائف الحكومية المعروضة عليهم، ليس لأنهم لا يملكون الكفاءة العلمية، والخبرة المهنية والإدارية، وإنما خوفا من عاقبة الإقالة والاستقالة ،وخوفا من ـ (المرجفين في  المدينة) ـ أعداء النجاح والوطنية والإخلاص ، بممارساتهم الدنيئة ،من أجل المناصب والمنافع  العاجلة وبدون أدني اعتبار للوطن والمبادئ والأخلاق ،

إن هؤلاء وأولئك لم يساهموا في الإفلاس الأخلاقي والسياسي والاجتماعي، والاقتصادي لموريتانيا فحسب، وإنما اغتالوا الولاء والحب  للوطن، مما جعل الكثير من الكفاءات  العلمية الفكرية والأدبية الوطنية، يفكرون في الهروب انتحارا أو احتراقا أو هجرة عبر البحار، أو خارج الأوطان.

ولن يسترجع المواطنين كرامتهم ما دام هؤلاء مستمرين في تفاصيل الدولة الموريتانية (العميقة)، ولن يفكر المواطن بغير بطنه، طالما أنه جائع وخائف في بلد غني ،لم يطعمه من جوع ولم يؤمنه من خوف،ومارس عليه سياسة التجهيل والتضليل، وجعل من حب الوطن سببا لتجويع وتشريد عامة الشعب، ومحاربة الفساد مبررا السرقة ما له ونهب ثرواته، ومن الاستقلال والديمقراطية، تزويرا لتاريخه ومصادرة لإرادته، واستمرارا للقطاء السياسيين في الحكم .
ونختتم بهذه  الحكمة من التاريخ لمن يعتبر: يحكي أن  الملك النعمان بن امرئ القيس الأكبر، الذي بنى قصر (الخورنق) ركب فرساً فلمّا أشرف على ( قصر الخورنق) نظر إلى ما حوله، فقال لمن حضره من الملأ: «هل علمتم أحداً أُوتي مثل ما أوتيت؟»، فقالوا: لا. لا لا… إلاّ أن رجلاً منهم  بقي ساكتا ،لا يتكلّم وكان من حكمائهم، فقالوا له الملك النعمان: «مالك لا تتكلم؟»، فقال: «أيّها الملك إنْ أَذنت لي تكلّمت». فأذن له، فقال: «أرأيت ما جمعت؟ أشيء هو لك لم يزل ولا يزول أم هو شيء كان لمن قبلك زال عنه فصار إليك، وكذلك يزول عنك؟»، فقال النعمان: «لا، بل كان لمن قبلي فزال عنه وصار إليّ، وكذلك يزول عني»ولله الأمر من قبل ومن بعد…