باب الحلّ واحد: وقف دعم الإرهاب / د.علي بن تميم

د.علي بن تميم / مفكر إماراتي – مدير عام شركة أبوظبي للاعلام

حين وقف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بجانب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وعدد كبير من المسؤولين الإماراتيين والخليجيين والعرب، لاسيما منهم ولي عهد البحرين وأمير مكة ووزير الدفاع الكويتي وقائد الجيش الليبي، وذلك خلال افتتاح ما يعتبر أكبر قاعدة عسكرية في أفريقيا والشرق الأوسط، فقد كانت رسالة واضحة إلى القاصي والداني، وخصوصاً “الداني” الذي قرر أن يقف الموقف الدنيء بمواصلة دعم الإرهاب، والانقلاب على الإخوة والأشقاء، وعلى التاريخ والجغرافيا، والذي اعتبر أن مصلحة جماعة إرهابية، هي الإخوان المسلمين، أهم عنده من مصلحة إخوانه الخليجيين والعرب، ثم باع ولاؤه لأجنبي يعلم علم اليقين أنه لا يريد لا به ولا بالمنطقة خيراً.

الرسالة كانت واضحة إذن، لا مكان بعد اليوم للإرهاب وداعميه في المنطقة، ولا تهاون بعد اليوم مع من يغامر سياسياً ويهرّج أخلاقياً ويتلاعب دولياً، على حساب المنطقة وشعوبها وأمنهم واستقرارهم ومستقبل أبنائهم وأحفادهم، والرسالة التي تمضي بالتوازي مع هذه الرسالة، وتمنحها عمقها ومغزاها الحقيقيين، مفادها، أن دول مواجهة الإرهاب واحدة متحدة متضامنة في وجه المشاريع الفتنوية والتقسيمية والحزبية والإرهابية، ولعلّ ذلك كان الردّ الأبلغ على أمير قطر الذي خرج إلى العالم بعد عزلة وانكفاء، ليكرر خطاب الإفلاس السياسي والمزاعم الباطلة التي نشكّ في أنه يصدقها هو نفسها. فقد قال الأمير، ويا ليته ظل صامتاً ولم يقل شيئاً، إن دول المقاطعة معزولة لا تعرف ماذا يجري في العالم من حولها، فهل رأى تلك الدول العربية والخليجية الوازنة، وقد اجتمعت واصطفت بوضوح جنباً إلى جنب بعضها بعضاً، لتعيد على مسامعه، وعلى مسامع جميع الوسطاء، ما قيل منذ اليوم الأول للمقاطعة، بأنه قد طفح الكيل، والسكوت على ممارسات قطر ومؤامراتها ولعبها بمصير الناس لم يعد مقبولاً على الإطلاق، ولا تراجع إطلاقاً عن هذا القرار، مهما ضغط نظام الحمدين ومهما أسرف في استخدام، بل هدر أموال الشعب القطري، لتلميع صورته في العالم ونشر المزيد من الأكاذيب والأضاليل عن دول مكافحة الإرهاب.

 

الردّ الثاني البليغ أيضاً جاء بالأمس فقط حين أعلنت هذه الدول مجموعة جديدة من الأفراد والكيانات على قوائم الإرهاب، لتؤكد في ذلك أنها لم تتراجع قيد أنملة عن بياناتها ومواقفها السابق، ولتقول إنها ما زالت تقف موقف المراقب الحصيف والدقيق لكل الممارسات القطرية، وإن المواقف التي سبق وأطلقتها ليست سياسية أو انتقامية أو عقابية فحسب تجاه الجار الضال، بل هي إجراءات مصيرية ومواقف حاسمة تجاه الإرهاب وداعميه أولاً وأخيراً.

ومن المفيد في هذا السياق التساؤل، أيضاً في معرض الردّ على خطاب أمير قطر المرتعش، ما الخطوات التي قامت بها قطر تجاه مواجهة مخاطر الإرهاب وسدّ الثغرات التي يدخل ويتسرب منها، خصوصاً وأن الشيخ تميم أكد دون أيّ دليل أو سند أن بلاده لطالما وقفت في مواجهة الإرهاب، ولكن ما هي الخطوات التي اتخذتها، وما الكيانات أو الأفراد الذين حظرتهم أو وضعتهم على قوائم الإرهاب. تؤكد القوائم الجديدة لدول المقاطعة، كما القوائم السابقة لها، كما جميع الإجراءات التي اتخذتها هذه الدول على مرّ السنوات الماضية، مدى جديتها في مكافحة الإرهاب الذي تصيب شروره أول ما تصيب شعوبها وشبابها، فمن يذكر أيّ خطوة قامت بها قطر في هذا الإطار.

 

ما قامت به قطر وما أعلنته سواء عبر التسريبات أو المواقف المباشرة، أنها ذهبت مرغمة “بضابطين” إلى البحرين ضمن قوة درع الخليج، وأنها ذهبت مجبرة إلى اليمن، حيث نكتشف اليوم حجم الخيانة التي ارتكبتها هناك بحقّ من يفترض أن يكونوا شركائها في المعركة وإخوتها في الدم، وأنها تآمرت وراهنت على انهيار نظام الحكم في السعودية والإمارات، وأنها وقفت موقفاً شرساً ودفعت المليارات ومولت جماعات إرهابية على رأسها الإخوان، فقط بسبب ولائها للجماعة وحقدها على الرئيس السيسي الذي جاء بثورة شعبية عارمة على الإخوان. هذا ما نعرفه من وقائع باتت مثبتة عن قطر، أما توقيعها أخيراً على اتفاقية مواجهة الإرهاب مع الولايات المتحدة الأمريكية، أو ما أدخلته من تعديلات على قوانينها بهذا الشأن، فليس إلا من ثمار المقاطعة والضغط العربي، ولم ينطلق من قناعة راسخة وسياسة حكيمة ينتهجها حكامها الأبعد ما يكونون (حتى اللحظة) عن درب الحكمة والتبصر العاقل الواعي.

 

وفي هذا السياق نقول أين كانت قطر حين كان الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، يقف مبكراً جداً في مواجهة مشروع الإخوان التآمري الانقلابي؟ كانت وما زالت تحتضن رموز الإخوان وقادته وتوفر لهم كل الدعم المالي والتنظيمي واللوجيستي، بل إنها ذهبت أبعد من ذلك ومنحت جنسيتها (كي لا نقول لطخت جنسيتها) إلى من عادوا أهلهم ودولهم في السعودية والبحرين وغيرهما. وأين كانت قطر حين كانت الدماء الإماراتية السعودية تتمازج على أرض اليمن حماية له وللمنطقة بأسرها من المطامع الفارسية؟ كانت إما تتآمر بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع مشاريع التمدد الإيراني وممثليه في المنطقة، وإما تقف موقف المتفرج غير المستعد لإعلان موقف واضح وحاسم من هذه المشاريع التمددية؟

 

وحين وقف الشيخ عبدالله بن زايد في الأمم المتحدة مندداً بالمشاريع التوسعية الإيرانية في المنطقة، وبموقفها العدواني من السعودية، وذلك في كلام موثق بالصوت والصورة، ألم يقف الشيخ تميم ويصور إيران بصفتها الصديق والحليف الذي تجمعه فيه المصلحة والجغرافيا على حدّ قوله؟ كل هذا كان قبل “الاختراق المزعوم” لوكالة الأنباء، والذي حاول النظام القطري التنصل منه وإلقاء اللائمة على الإمارات في مناورة مكشوفة للجميع، وفي حقيقة الأمر وكما أوضحت السعودية عبر عدد من المسؤولين فإن “الاختراق المزعوم” لم يكن هو سبب المقاطعة، بل كان السبب الممارسات القطرية الممتدة والمستمرة والمتواصلة على امتداد عقدين من الزمن على الأقل.

 

قال تميم كلمته الباهتة المرتعشة المرتجفة التي لم تقنع سوى جماعته وحزبه، وفي الوقت نفسه قالت الإمارات والسعودية والبحرين ومصر كلمتها، هناك من قاعدة محمد نجيب العسكرية، ثم قالتها بتوسيع قائمة المنظمات والكيانات الإرهابية المدعومة من قطر، لكنّ الجار الصغير ما زال غارقاً في أوهامه، وفي عزلته عن المنطقة والعالم، بل حتى عن محيطه الشعبي المباشر في قطر، وما زال يراهن على حلّ يأتيه من تركيا، أو عون يصله من إيران، غير مدرك أن وجهة الحلّ واحدة لا ثاني لها، وهي السعودية التي تقف الإمارات والبحرين ومصر خلفها موقف الشقيق والحليف المؤمن بسياساتها والمتبني لرؤيتها الاستراتيجية حول المنطقة ومستقبلها ومصيرها الواحد.