تجارة “العبيد” في ليبيا.. من المسؤول عن هذه الجريمة / عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان / رئيس تحرير رأي اليوم

لم يخطر في بالنا مطلقا كعرب، ان نعيش يوما، وفي القرن الواحد والعشرين، نرى فيه تجسيدا حيا لتجارة الرقيق في بلداننا، وعلى اراضينا، ومن قبل الذين يدعون انهم ينتمون الى هذه الامة العريقة، والعقيدة الاسلامية السمحاء، التي كانت اول من حارب هذه الظاهرة المخجلة.
طاردتنا تهمة العبودية، واعمال السمسرة بالبشر، قرونا عدة، وكنا نحاول انكار هذه التهمة، ونتحدث عن مؤامرة استعمارية تريد الصاقها بنا، وتكريسها من خلال افلام درامية، انفقت هوليود عاصمة السينما الملايين لانتاجها وتوزيعها.
اليوم تأتينا الصفعة من ليبيا التي شهدت “ثورة” من المفترض ان تكون قد حررتها، واسست نظاما ديمقراطيا عادلا يتساوى فيه المواطنون ويعم الرخاء، وتسود العدالة الاجتماعية، بعد الاطاحة بنظام ديكتاتوري متسلط، ولكن بعد سبع سنوات من “الثورة” ها هي ليبيا الجديدة تفاجئنا، ليس بالفوضى الدموية، وسطوة الميليشيات، وهروب نصف سكانها بحثا عن الامان في دول الجوار، والمنافي، وانما بتحول العاصمة طرابلس، او احد مزارعها، الى سوق للنخاسة يباع فيه، وفي المزاد العلني، “العبيد” الافارقة، وبأسعار متدنية لا تزيد عن 400 دولار للرأس.


المفارقة ان النظام الديكتاتوري السابق “بيّض” صفحة العرب في افريقيا، ولعب دورا اساسيا في نسيان الاشقاء الافارقة لماضي العرب في تجارة الرقيق المخجلة، عندما استثمر عشرات المليارات من الدولارات لتنمية الاقتصاد في القارة السوداء، وخلق فرص العمل الشريفة لابنائها، وتأسيس الاتحاد الافريقي على قواعد حديثة، وفق نظام اساسي متقدم جدا.
لا يمكن ان نقبل بالتبريرات التي يطلقها اهل الحكم الحالي في ليبيا والتي تقول بأنها “حالة فردية” ومعزولة، لاننا ندرك جيدا حجم “العنصرية” المتأصلة في نفوس معظمهم تجاه الاشقاء الافارقة من ذوي البشرة السمراء، حتى لكأنهم من نسل الجنس الآري، وبشرتهم في بياض بشرة اهل السويد ومواطني ألاسكا، فهؤلاء، او بعضهم، دمروا بلدة كاملة اسمها “تاجوراء” في بداية “الثورة” الليبية، واعتقلوا الآلاف من ابنائها ذوي البشرة السوداء والسمراء في معتقلات اقرب الى معتقلات النازية، وعذبوا وقتلوا المئات منهم، تحت ذريعة دعمهم لنظام العقيد القذافي، ونعتقد ان هذه البلدة ما زالت على حالها من الدمار، وما زال ممنوعا على ابنائها، او من بقي منهم على قيد الحياة، العودة اليها.
التقرير المصور الذي بثته قناة “سي ان ان” الامريكية واظهرت فيه جانبا من سوق للرقيق في احدى مزارع طرابلس العاصمة لا يكذب، واي محاولة للدفاع عنه تدين اصحابها اكثر مما تدين السماسرة والبائعين والشارين ايضا.
اللوم لا يقع على هؤلاء السماسرة والتجار فقط، وانما على الذين اوصلوا ليبيا الى هذا الوضع اللانساني المؤسف، وعلى رأسهم جامعة الدول العربية التي وفرت الغطاء الشرعي لغزو حلف الناتو، واعطائه الضوء الاخضر لتدمير البلاد وقتل ثلاثين الفا من ابنائها، دون اي ذنب ارتكبوه.
لا يمكن ان ننسى ما حيينا الدور الذي لعبته الدول الغربية “الحضارية”، وفرنسا وبريطانيا الى جانب امريكا، زعيمة العالم الحر، في هذه المأساة الليبية التي “فبركت” الثورة، مثلما اثبتت الوثائق لاحقا، من اجل الاطاحة بالزعيم الليبي الراحل، ليس لانه ديكتاتوريا متسلطا، وانما لانه كان يعمل لاطلاق “الدينار” الافريقي، ليكون عملة تعامل لكل القارة الافريقية، وبديلا عن “الدولار” و”اليورو”، وهي الحقيقة التي اعترف بها الرئيس الامريكي السابق باراك اوباما، وعبر عن ندمه الشديد لتأييد “المؤامرة” الفرنسية البريطانية” في التدخل العسكري في ليبيا.


اعرف الشعب الليبي شخصيا، وقد عايشته، وعشت بينه، وهو من اكثر الشعوب العربية طيبة ونقاء وكرما، وشهامة وتواضعا، وكل ما تعيشه بلاده من مآسي وجرائم وانحرافات في الوقت الراهن، دخيل عليه وعلى قيمه واخلاقه، بما في ذلك ما يتردد عن تجارة الرقيق.
الحديث عن تحقيق حكومة الوفاق الليبية في جريمة الرقيق هذه مجرد ذر للرماد في العيون، فهذه الحكومة ليس لها من اسمها نصيب، اي انها ليس لها اي علاقة بالوفاق، وهناك ثلاث حكومات تنافسها على الاقل، في ظل الفوضى الدموية التي تجتاح البلاد حاليا.
من يستحق المحاكمة فعلا هم المحسوبون على الشعب الليبي، ونفذوا المؤامرة كأدوات للغرب، واوصلوه الى هذا الوضع المؤسف والمتردي.
كان الله في عون الشعب الليبي الطيب، فكم من الجرائم ترتكب بإسمه هذه الايام، ونكتفي بالقول “حسبنا الله ونعم الوكيل”.

 

المصدر: رأي اليوم