تصويب حول مقال ولد الكتاب / إبراهيم ولد بلال

قرأت مقالا مطولا للدكتور محمد الأمين ولد الكتاب، يدافع فيه عن ترحيل السلطات الموريتانية لوفد الحقوقيين الأمريكيين مؤخراً .. و على الرغم  مما أكن  للرجل من احترام و ما يتمتع به من حصافة و لباقة و خلق  رفيع و ثقافة واسعة، فانه  هذه المرة – على الأقل-، لم ينجح في دفاعه،  حسب رايي المتواضع.

و لذلك استسمح الاخ في تقديم بعض الملاحظات حول ما كتب في هذه المسالة و حول موقفه” الذاتي الثابت ” من قضية العبودية و اثارها .

بدا الدكتور بالقول ان الوفد الحقوقي الامريكي جاء على “غير موعد مسبق و لا إذن من السلطات الموريتانية ” و انه لم يحصل مسبقا على تأشيرات لدخول الاراضي الموريتانية ! و هذه المعلومة غير دقيقة !

الحقيقة ان سفارةً الولايات المتحدة الاموريكية اتفقت ، مع السلطات الموريتانية   عدة ايام قبل قدوم الوفد،   على مقدمه و على برنامجه الذي تحفظت الدولة على بعض محطاته  قبل ان ترفع تحفظها  يومين قبل  موعد قدوم الوفد، نتيجة الرتوش التي اجريت على البرنامج . و كان يمكن اجراء تعديلات اخرى لو ان الدبلوماسية  كانت ناجعة  ! ثم ان الدكتور يعرف ان التاشرة الموريتانية تمنح في مطار انواكشوط ، فكيف  لم يطّلع على هذه المعلومات  التي يعرفها الجميع ؟

 ان قرار رفض دخول الوفد – حسب التسريبات –  اتخذ في اللحظة الاخيرة و على شكل استعجالي  بعد اتصال السيد الوزير الاول برئيس الجمهورية  الذي كان عندها خارج الوطن ! فما الذي قال الوزير  لرئيسه  ؟ كان على الدكتور قبل المرافعة  ان يأخذ المبررات من مصادرها و هو قادر على ذلك !  و اغلب الظن ان إدارة الأمن هي من نصب الفخ لاصحاب القرار مع عجزها البين عن مراقبة الحدود  و معرفة من يخرج و من يدخل، و لماذا ؟

حاول الدكتور  ان يبرهن على اننا هنا – في هذه  الجزيرة – لا نحتاج الى الآخرين و لا توجد عندنا مشاكل و لا قلاقيل و لا هزات و اننا نعيش بسلام و راحة بال و عفة ووقار، و ان الأمريكيين عليهم ان يتدخلوا في بلدهم فهو احوج اليهم لانه يقتل فيهم السود في بلتيمور و باتون روج  و ميسيسيبي و غيرها  و قدم أرقاما – غير دقيقة  هي ايضا – عن السود في أمريكا و نسبة تواجدهم في الجيش و في الاقتصاد و عن الآخرة التي تنتظرهم مع إلغاء اترامب” لاوباما كير! ” و هنا ملاحظاتي ستكون سريعة : فعلا نحن لا نعيش قلاقيل و لا حروب أهلية.

 و لكن القليل من الموضوعية و بعد النظر يظهران ان كل مسببات القلاقيل موجودة عندنا ! فهل يجب ان ننتظر حتى نتشابك في الشوارع حتى نبدأ العلاج؟

ثم اذاكان السود أقلية – و هم كذلك فعلا – في أمريكا الا ترى انهم حاضرون في كل مفاصل الدولة  و بنِسَب تتجاوز نسبتهم العامة  و لماذا لم تذكر ، ان أسرة منهم انتخبت لماموريتين في البيت الأبيض ؟  و ان “اوباما كير ” كان تمييزا إيجابيا  لصالح السود و الأسيويين  و غيرهم من المغبونين ! و انه لم يرفع بعد .

 ثم ، ألا يعرف الدكتور ان نسبة لحراطين  و السود عموما في موريتانيا ،  تقارب نسبة البيض في أمريكا  و نسبهم في الجيش و أهل المال و السلطة تقترب من  الصفر في بلدنا   بل ان نصيب لحراطين في الحكومة اقل من نصيب أسرته هو وحدها !  تركيز الدكتور  في مرافعته  على معاناة السود في أمريكا  مزايدة لا تليق بمكانته الرفيعة،  فهل نسي  الأحداث العنصرية الدامية في سنوات الجمر و التي مازالت وصمة عار اخرى في جبين من يدافع عنهم ! ام نسي ان الجنوب الموريتاني يعيش ابشع من الاحتلال  ( سلطة كلها من البيظان  و المواطنين اجانب في بلدهم ! ) ام يعتقد الدكتور اننا بوصفنا ” الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس”   قد نسينا    كوننا – معشر لحراطين  – نعيش ألما عميقا يزداد و  ” ينعقر” كلما سمعنا او قرانا ما يسطره الدكتور و امثاله من منظري دولة الغبن و العنصرية الصامتة !   

بالعودة الى فضيحة تسفير  الوفد الامريكي ، فلا احد يحسد الدكتور   على دفاعه – الغير موفق- عن هذه الكبوة ! فمن المستفيد مما حدث ؟ انه قطعا ليس الدولة و لا المنظمات الحقوقية المعتدلة ،؟بتعبير البعض و المنبطحة بتعبير اخرين ؟

 

 كان تواجد الحقوقيين معنا فرصة لنا و لكم لتبرير مواقفنا و مواقفكم حول حالة العبودية اليوم ! فلم يأتي هذا الوفد للالتقاء بِنَا لأننا التقينا مرات و مرات هنالك ، في شيكاغو ، و سمع منا ! لكنه جاء ليسمع منكم ما يؤكد او ينفي ما وصلهم من معلومات  عن الظاهرة و تعامل السلطة معها و مع المدافعين عنها.

و كان يمكن ان تنجح الدولة في إقناعهم بحسن نيتها و استعدادها للاستفادة من تجارب الآخرين و اموالهم لرفع التحدي الكبير !   قلتم اننا لا نحتاج الى هؤلاء ! اوكي!  و ماذا عن صورة البلد التي ارتبطت و الى الأبد بهذا العار و تأكد اليوم  للعالم كله – بعد تصريح  الناطق باسم الحكومة-  ان مجتمعنا اجزاء متعددة، و ان الجزء الحاكم يحمي ملاك العبيد و يدافع عنهم ! و ان رسلنا في الخارج ينشرون الكذب والاراجيف؟  و الدولة تخفي رسميا حقيقة الممارسة التي تحولت الى شان قومي يمثل الاطلاع عليه و نقاشه تهديدا للوحدة الوطنية التي يبدو ان صِمَام أمانها هو الاستعباد و الغبن و التهميش و الاقصاء و تمكين أسر محددة من البيظان من وظائف  عليا  في البلد لكسب ودها و دفاعها عن الأخطاء الشنيعة مثل هذا !

انا على عكس ما جاء في مرافعة الدكتور محمد الأمين ولد الكتاب اعتبر ترحيل الوفد الإنعتاقي الامريكي خطا فادحا لا يقل شانا عن ذبح الجنود السود سنة ١٩٩١ و سجن  الانعتاقيين على اثر تنظيمهم لقافلة ضد العبودية العقارية سنة ٢٠١٤ الى غير ذلك من الأخطاء التي تهدد فعلا كيان البلد بعيدا عن هاجس المؤامرة الذي هو هروب الى الامام فشلت فيه النعامة!!

لقد زرت بنفسي هذه المنظمة ” المعهد الانعتاقي ” مرتين  كانت اخرها بداية السنة الجارية ولم تكن لهم مواقف سلبية من موريتانيا ، بل كان هدفهم هو الاستماع إلينا و تشجيعها على السلم و التحمل و الاستفادة من تجارب لوثر كينغ و هارييت توبمان و غيرهم من الشخصيات التي صارعت الاستعباد في هذه الدولة – القارة…

كنت أوصيت بضرورة زيارة بلدي حتى يتمكن هؤلاء من تصحيح بعض من المعلومات المبالغ فيها – احيانا-  التي يقدمها لهم البعض!  لكن تسفير البعثة قد  أعطى نفسا و حياة للغلاة  الذين وجدوا الفرصة سانحة للتفرد بالوفد و اعادة تاكيد مواقف كان يمكن تمحيصها و غربلتها معنا جميعا لو سمح لهم بزيارة موريتانيا! فهل في الدولة من يتامر مع خصومها للوقيعة بها …. و الا فلماذا ترتكب الأخطاء القاتلة و لا تسقط رؤوس …

انصح الدولة الموريتانية بتحكيم العقل و تغليب المصلحة العامة و التوقف عن سياسة النعامة و توجيه دعوة رسمية لوفد ابولسيون اينستوتيوت بزيارة بلدنا و التعاون معنا على غسل هذا العار ….!

إبراهيم ولد بلال / رئيس هيئة الساحل للدفاع عن حقوق الإنسان