حتى الاستقلال ما عاد جامعا ..!! ماذا دهانا ؟ / محمد عبد الرحمن المجتبى

محمد عبد الرحمن المجتبى / المدير الناشر رئيس التحرير

غريب ومريب أمر النخب الوطنية الممارسة للفعل السياسي، في هذا الحيز البرزخي من أرض الله الواسعة ،  فبالكاد تضيع فرصة للتأزيم إلا واستدعتها واستثمرت فيها هذه النخب أيما استثمار، لدرجة أصبحنا لا نستبعد معها أن تكون هناك مساجد ومقابر، خاصة بكل طيف سياسي محرمة على غير المتطهرين بطهوره السياسي الخالص.

ما ذا دهانا ياترى ؟ هل حقا نرى العالم من حولنا ؟، ما ذا يشغل بال كبار المنظرين في الدول المتطورة، ذات التاريخ والانجاز الديمقراطي والتنموي الطويل ، أكثر من تحديات الاستمرار والبقاء في عالم تكستحه مفزعات التغير الحراري، وإكراهات التنمية، ومصائب الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية ، وشواغل الهم الغذائي ، واستفزازات الإرهاب ومخاطره المؤرقة؟

هل تعتبر موريتانيا الدولة النشاز من بين دول العالم التي لا تعني لها هذه التحديات أي شيئ ؟ ،أي أنها غير معنية بها إطلاقا رغم ما تزعجنا بها المؤشرات التنموية والاقتصادية والسياسية والثقافية ؟

هل فعلا بلادنا فاقت العالم كله بعد إعتماد”تطبيق”المقاربة الأمنية التي قهرت تنظيم القاعدة ومسحت به الأرض ، في لحظة لا يزال ذلك التنظيم الهلامي الخطير ،يمرغ دولا عظمى في باحات الوغى التي يحددها بأساليبه الدموية الخاصة

لا شك أن العالم كله إستفاد من تجربتنا  التي عرضناها في كل المنتديات الدولية ، وقدمناها مجانا لكل دول العالم، بما فيها روسيا القيصرية مؤخرا ، لكن يبدو أن عشبتها لا تنب إلا في أرضنا لأنها لم تثمر حتى الآن خارج موريتانيا ، فالعالم لا يزال يعاني من الإرهاب ويعترف بذلك بدوله الصغيرة والكبيرة.

وبغض النظر عن المقاربة الأمنية نحن أيضا لدينا مقارباتنا السياسية والاقتصادية التي بفضلها انتقلنا من الجمهورية الأولى للجمهورية الثالثة ، كل ذلك بغض النظر عن سلبياته وايجابياته يتم برؤية سياسية تقصي وتخون وتقزم وتجرم كل مخالف لنواميسها.

فالنظام يسابق الريح لتنفيذ خططه وأجنداته المختلفة ، بأساليب تفتقر لروح الوطنية أحيانا ، وتتسم في أحيان كثيرة بالشخصنة وتصفية الحسابات مع الافراد والجماعات المناوئة هنا وهناك ، وهذا في الواقع مؤسف وخطير ، لأن النظام هنا لا يتحلى بالمسؤولية الوطنية والاخلاقية ،  التي هي من الأسس الجوهرية للدولة ، فالدولة كما أنها فوق الجميع هي للجميع وتسع الجميع ، وإختلاف الرؤى والمشارب السياسية مهما كانت تلك الرؤى جيدة او سلبية ، يبقى النظام هو أول مستفيد منه ، لانه تسليط للضوء على العمل الحكومي ، لكي يراه رجل الدولة من زاوية أخرى مختلفة ، تسمح له بمعرفة مدى نجاعة وأهمية المنجز الحكومي ، هذا بشرط أن يبتعد رجل الدولة عن كل هفواته ونزواته وسيتشعر حقا ما ذا تعني كلمة رجل دولة.

في مقابل شطب النظام “الرسمي” على كل الأصوات المغايرة والمغردة خارج سرب “المخزن” ، نجد معارضة مترهلة بإكراهاتها الموضوعية التي ورثت الكثير منها من نفسها ، وورثت بعضها من الاعتلالات المضوعية للمشهد السياسي ، فبعض أحزاب المعارضة التقليدية لا تريد الاعتراف مطلقا بأي حسنة للنظام مهما فعل ، وذا قررت في “لحظة ما” أن تعترف ، تعترف بمحظور دستوري أو أخلاقي ، وبعض مكونات المعارضة يمارس المعارضة بشراسة لمغازلة النظام ومقايضته وبعضها يمارس المعارضة بالوكالة وبعضها يمارسها بالانتداب ،وطبعا هناك ما يمكن أن نطلق عليه المعارضة الموازية أي معارضة رجال الاعمال  (بوعماتو ولد اعزيزي ولد الشافعي) وهي معارضة خطيرة على المعارضة أكثر من النظام لكونها تقوض المفهوم السياسي للمعارضة الحزبية ، خاصة أنها معارضة مهما بلغت شراستها تبقى أي صفقة تجارية دسمة كفيلة باسكاتها الى الأبد ،فرجال الاعمال في البلدان الافريقية – وهذا حقهم الطبيعي- يستثمرون في الحقل السياسي لتطوير مقاولاتهم التجارية فقط ليس إلا.

 لكن المؤسف أن هذه المعارضات  بأصنافها المتعددة ، رغم أنها مارست الكثير من العمل السياسي السلمي والمسؤول ، فقدت فاعلية التأثير السياسي على النظام ، خاصة بعد استفتاء الخامس من أغسطس الماضي الذي بموجبه شطب النظام على غرفة مجلس الشيوخ وغير ما تسنى له من الرموز الوطنية كالعلم الوطني والنشيد (الفاقد للحماس) ، وذلك في إطار تطبيق النظام لمخرجات حواره مع نفسه.

وهذا الوضع غير المسبوق يجعل موريتانيا أمام تحديات جديدة ومخاطر ليس من الحكمة والتعقل التمادي في جهلها أوتجاهلها ، في ظرف وطني وقليمي ودولي كهذا مفعم بالازمات والصراعات والتحديات الامنية والاقتصادية والاجتماعية

إن أخطر ما أفرزته الوضعية السياسية الناجمة عن عراك النظام والمعارضة أو عراك نخب السياسة في البلاد هي وضعية تمسك كل طرف سياسي بمقدسات دستورية يرفضها الآخر ، فتمسك مجلس الشيوخ (المنحل بقوة الاستفتاء ، والشرعي بقوة الدستور) أو بعض أعضاءه بالشرعية الدستورية ، أمر في غاية الخطورة ، لان هؤلاء الشيوخ لديهم مستندهم الدستوري لهذا التمسك ، وهذا وضع يجعلنا مع الوقت لا قدر الله أمام دولتين رسميتين كلاهما موريتانيا إحدهما موريتانيا المعارضة والأخرى موريتانيا النظام ، خاصة أن القيم الجامعة لنا بدأت تتلاشى ، بعد أن أصبحت ذكرى الاستقلال الوطني غير جامعة لشعب طالما غنى وتغنى بأمجاده وبطولات رجالاته الخالدة في هذا اليوم المجيد

للأسف المريب لم يعد حدث الاستقلال جامعا بعد رفع النظام لعلمه ورفع المعارضة لعلمها وبعض طعن كل منهما في علم الآخر.

بربكم هل سمعتم بحدث كهذا في دولة تحترم نفسها وشعبها ؟

لنا أن نتساءل حقا ما ذا دهانا ؟

ألا يحق لنا أن ننعم بدولة ذات سيادة تمارس فيها المعارضة فعلها السياسي، وتنجز فيها الحكومة فعلها التنموي ، في أجواء من التراشق السياسي الايجابي يطبعه الاحترام المتبادل ومصلحة موريتانيا قبل كل شيئ