حتى لا يورِّث حكام الجزائر «الحُقْرَة» لأولادهم / توفيق رباحي

توفيق رباحي / كاتب صحافي جزائري

أتوقع أن قطاعا واسعا من الجزائريين، المهتمين بالشأن العام على الأقل، تحت هول الصدمة مما لحق بالناشط السياسي المعارض، رشيد نكاز.

في صباح الجمعة الماضية، تعرّض نكاز إلى اعتداء جسدي سيحفظه التاريخ. «بطل» الاعتداء صهر رئيس البرلمان الجزائري السابق، عمار سعداني (هناك حديث عن أن المعتدي هو نجل سعداني، في انتظار ما سيكشفه التحقيق). وارتكب «بطولته» خارج شقة اشتراها سعداني لعائلته بأحد أحياء باريس الراقية.

نكاز رجل أعمال في منتصف الأربعينيات من العمر، ينحدر من مدينة الشلف بالغرب الجزائري. نشأ في فرنسا وامتلك جنسيتها وثقافتها. عصامي نجح في تكوين ثروة هائلة وهو في الثلاثين.

تولى منذ نحو 5 سنوات الدفاع عن المنقبات في أوروبا وحقهن في وضع النقاب في الأماكن العامة. وتولى دفع الغرامات التي تفرضها عليهن الحكومات (دفع نحو 960 مخالفة في فرنسا وبلجيكا، وقبيل الاعتداء عليه كان يستعد للتوجه إلى النمسا التي بدأت العمل بقانون حظر النقاب في الأماكن العامة). في مايو (أيار) الماضي دعا نساء مسلمات إلى «حفلة» سباحة بـ«االبوركيني» في مدينة «كان» تزامنا مع مهرجانها السينمائي العريق، لكن الشرطة منعت الفعالية.

بعد ذلك قرر خوض السياسة في الجزائر، فملكَ قلوب الشباب بسرعة لأنه تميّز بالبساطة والصدق. يتكلم اللغة التي يحبها ويفهمها عامة الجزائريين. أيقن مَن في الحكم أنهم أمام ظاهرة مزعجة. صحيح أنه قد لا يتغلب عليهم، لكنه في أقل تقدير سيفضحهم. وذلك ما كان.

عندما بدا له أن هناك من سيُعيّره بالجنسية الفرنسية (التي يحملها عدد كبير من أهل الحكم في الجزائر)، تنازل عنها في لحظة كمن يخلع قميصا ليلبس آخر. ترشح لانتخابات الرئاسة في 2014، فـ«اختفى» ملف ترشحه، بما فيه من وثائق وتوقيعات ضرورية، أثناء الطريق إلى المجلس الدستوري في آخر يوم من الأجل الزمني المحدد.

بدل ان تكون تلك النهاية، كما هو الحال مع السياسيين التقليديين، جعل نكاز من ذلك الاختفاء الغامض والغريب نقطة انطلاق رحلة من النضال السلمي وصلت ذروتها يوم الجمعة في باريس.

من طرق الاحتجاج التي استعملها نكاز منذئذ، التظاهرات السلمية. أبرزها كانت بالسير على الأقدام، وحيدا أو مرفوقا بعدد محدود من الشبان، من عدد من المدن الجزائرية نحو العاصمة للاحتجاج على السلطة وسياساتها. أطلقت عليه السلطة الشرطة والقضاء لمضايقته والتنكيد عليه. وأطلقت عليه «صحافييها» ليشنوا عليه حملة قذف وتقريع. لم يثنه ذلك، بل دفعه إلى التصعيد. في السنتين الأخيرتين، مستفيداً من معرفته بفرنسا ولغتها وقوانينها وبيروقراطيتها، وجد طريقة في الحصول على مستندات وعناوين عقارات اشتراها مسؤولون جزائريون في فرنسا، بطرق مثيرة للشك ومطعون فيها، أخلاقيا على الأقل. ثم راح يدعو إلى تنظيم مظاهرات ووقفات احتجاج أمام تلك الممتلكات للمطالبة بكشف مصادر تمويلها وامتلاكها.. مرة عند شقة رئيس الوزراء السابق عبد المالك سلال بباريس، وأخرى عند شقة الوزير السابق عبد السلام بوشوارب وثالثة قرب شقة مدير «سونطراك» عبد المؤمن ولد قدور، وهكذا.

أصبح الرجل ظاهرة ملفتة للانتباه. انقسمت حوله الآراء، لكنه بقي مثيراً للإعجاب بصبره وعناده وثقته في نفسه. كثيرا ما وقف وحيداً، يبدو كالمخبول، يحمل هاتفا ذكيا موصولا ببث مباشر على «فيسبوك»، ويردد شعارات بالدارجة الجزائرية والفرنسية، فيمر جزائريون يسلمون عليه ويثنون على شجاعته، ثم يواصلون سيرهم. بعضهم يعتذر حتى عن الظهور في الصورة.

هذه المرة كان الموعد مظاهرة تبدأ من شقة آل سعداني (قالت مجلة «جون أفريك» الفرنسية انه اشتراها بـ665 ألف يورو) في «نويي» باتجاه شقة ولد قدور في منطقة قريبة.

توجه نكاز إلى نقطة الانطلاق بعد مقابلة مع راديو هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). هناك تعرّض لضرب مبرح ما من شك أن صاحبه أراد من ورائه أكثر من الردع والتخويف. أُصيب نكاز بتهشم في الوجه سيغيّر حياته إلى الأبد، لكنه بلا أدنى شك لن يوقف نضاله السياسي ولن يقلل من عناده. الدليل أنه يوم السبت، مثخنا بجراحه وألامه، كان في الموعد مشاركا بالمظاهرة التي انطلقت من مكان تعرضه للهجوم.

جزء من شخصية نكاز تكشفها الواقعة: بوجه مهشم ينزف دما في اللحظات التي أعقبت الاعتداء، كان الرجل في بث مباشر على «فيسبوك» ينقل للعالم ما لحق به. ومن سخرية القدر أن الضحية كان هو الأقوى في ذلك البث، بينما بدا المعتدي صغيراً ـ بكل معاني الكلمة ـ يهرب من كاميرا الضحية ويغطي وجهه بقطعة قماش كمن أُمسك متلبسا بفعل فاضح.

ما تعرض له نكاز جرس إنذار للجزائريين. هؤلاء الناس سرقوا أموالهم، والآن يمنعونهم حتى عن الاحتجاج. الهجوم يكشف حقيقة أن هؤلاء الناس يجهلون ثقافة الاختلاف، ولا يمتلكون الأدوات الذهنية للمشاركة في نقاش حضاري. أداتهم الوحيدة هي العنف، بكل أشكاله، والإقصاء.

على الجزائريين، اتفقوا مع نكاز أم اختلفوا، أن يحتجوا على ما لحق به وعلى الطريقة. لِينسوا نكاز، فالمسألة ليست في شخصه، بل في المبدأ وفي استمرار «الحُقْرة» وتوريثها من الحكام إلى أولادهم وأصهارهم.

 

نقلا عن القدس العربي