خواطر حول الإسلاميين وأثمان دفع الاستبداد / السالك ولد سيدي محمود

السالك سيدي محمود كاتب ونائب سابق في البرلمان الموريتاني

دفعني لكتابة هذه السطور ما أراه اليوم وأقرؤه من أقوال وأفعال وممارسات في بعض ميادين العمل الإسلامي، على اختلاف فيها وفي الملابسات التي دعت إليها؛ فكلما تعالت صيحات الاستغراب من المنافسين أو الخصوم وتناجت همسات المحبين والمشفقين، جاءت دفاعات جهورة من هنا وهناك ترتكز على سند من الواقعية (لم أرد أن أجعل اللفظة بين ظفرين تجنبا للحكم على أصحابها).

 

ويحتج أصحاب هذه الواقعية بظروف الزمان والمكان وواقع الحركات الإسلامية اليوم، وبمآلات ثورات الربيع العربي وتجارب الحركات الإسلامية في مقارعة الأنظمة، وبضرورة التميّز عن تيارات الغلو. ولا أنكر -عند نقاش هذه الإشكالات- أن فيها بُعدا فلسفيا يتعلق بالثابت والمتحول في سياستنا الشرعية، ولا أريد أن أخوض في هذا البعد لسببين:

 

أولا: حتى لا ينزلق بنا الحديث إلى فضاءات الفكر الإسلامي ونبتعد عن النقاش المباشر للإشكالات الميدانية المثارة.

 

ثانيا: لأنني لا أزال أجزم بأنني على أرضية فكرية واحدة مع أصحاب هذه الآراء، فتباين وجهات النظر ليس ناتجا عن مراجعات فكرية قام بها هذا الطرف أو ذاك.

 

يبرر أصحاب الواقعية تغييرهم لخطهم النضالي في بعض البلدان -خاصة بعد الربيع العربي- بضرورة التميّز عن الحركات الجهادية التي أصبحت عنوانا للفتنة، وبحاجة الحركات الإسلامية إلى تجربة تراكمية في الحكم تعدّ فيها بدائلها للدولة العميقة، وبضرورة الانحناء عن عاصفة المؤامرة الدولية، محتجين بما يعتبرونه نجاحا لبعض الحركات الإسلامية التي انتهجت هذا النهج.

 

“إن الجزم بفشل ثورات الربيع العربي لا يقول به إلا حماة الدكتاتورية الذين يحلو لهم أن يقتلوا الأمل ويزرعوا اليأس في نفوس الشعوب، ويجعلوها بين مطرقة الدكتاتورية وسندان الفتنة، والحقيقة أن مارد الشعوب قد استيقظ وأنها شبّت عن الطوق. والتاريخ شاهد على أن كل تحول سياسي يتطلب ثمنا باهظا، لأن من أساء استخدام السلطة سيسيء تسليمها ومن أحسن استخدامها سيحسن تسليمها”.

ولا يخفى ما في هذا الطرح من بعض الوجاهة لولا أنه ترِدُ عليه الاستدراكات التالية:

 

1- أن وضع الديمقراطية والفرص المتاحة فيها ومواقف الدول الكبرى منها يختلف باختلاف الأقطار والأمصار، وإذا جاز لنا التبويب والتصنيف أمكننا أن ندرجه في ثلاث خانات بالنسبة لعالمنا العربي والأفريقي والإسلامي:

 

أ- المنطقة الأفريقية: حيث شهدت هذه المنطقة (الفرانكفونية والأنكلوساكسونية) ربيعاً أفريقياً منذ تحطّم جدار برلين في التسعينيات، وكان من الطبيعي  أن ترافق ذلك التحولَ هزاتٌ عنيفة أحيانا؛ فالتحولات السياسية المستحقة لها ثمن، لكنها انتهت في دول عديدة إلى حالة من التحسن الديمقراطي.

 

وقد عاشت هذه القارةُ أروعَ تجربة في الصمود النضالي (جنوب أفريقيا)، ومن أحدث أمثلة التحسن الديمقراطي فيها: قرار المحكمة الدستورية الكينية إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية، وقرار الرئيس المالي التخلي عن التعديلات الدستورية بعد احتجاجات معارضة لها.

 

ب- المنطقة الآسيوية: فبالتوازي مع المنطقة الأفريقية شهدت مناطق آسيوية مسلمة انتخابات أفضت إلى تحولات سياسية هامة.

 

ج- المنطقة العربية: ولئن كانت المنطقة العربية محكومة بمعطيات التاريخ والجغرافيا المتمثلة في محورية الصراع مع الكيان الصهيوني، ومبتلاة -في  بعض مناطقها- بواقع التشرذم الطائفي والمذهبي؛ فإن شعوبها قد نهضت من عقالها وقدمت تضحيات جساما، وهزمت الدكتاتورية إلى غير رجعة.

 

ويردد سياسيون -ربما عن غير وعي- خطاب الأنظمة الشمولية عند ما يحمّلون أصحاب الثورات مسؤولية الواقع الدامي والدولة الفاشلة، بدل أن يحملوه للدكتاتوريات التي حكمت البلاد عشرات السنين، ولم تقبل أن تقرأ دينامية شعوبها قراءة صحيحة.

 

ومهما يكن من أمر؛ فإن إسقاط واقع المشرق العربي على المغرب العربي ليس دقيقا، كما أن واقع المغرب  العربي يختلف من دولة إلى أخرى.

 

وحتى لا يكون كلامي مجرد تفاؤل نظريّ أضرب مثالا حيا من المنطقة العربية بل الشرق أوسطية؛ ففي الثمانينيات تناحر اللبنانيون في بلدهم الصغير المقسّم دينيا وطائفيا.

 

لكنهم بعد أن عرفوا كيف يتقاتلون عرفوا كيف يصطلحون ويتعايشون في وطن واحد، في ظل نظام ديمقراطي وفي ظرف تشهد فيه دولُ جوارهم موجاتٍ متلاطمة من عدم الاستقرار، في حين يقضون هم سنوات تسيّر شؤونهم حكومةُ تصريف أعمال بعد شغور منصب رئيس الجمهورية.

 

2- إن التميّز عن جماعات الغلو ضروري، إلا أن ذلك لا يتم بالتخفّف من المبدئية والتخلي عن الثوابت؛ فذلك ما يعطى للغلاة مبرر الدعاية ضد أصحاب الفكر الوسطي، فالغلو في الاعتدال يدفع إلى الغلو في الأفعال المتطرفة.

 

ولو أن حمَلَة المشروع الوسطي اختطّوا طريقا من النضال المدني السلمي بعيدا عن مداهنة الأنظمة الفاسدة لملؤوا الفراغ وأشبعوا نَهَمَ الشباب في التضحية، فلو كان في برامج الحركات الإسلامية مثلا ما يكفي من الإضرابات والمظاهرات والعصيان المدني ومقاطعة الواقع لكان في ذلك مندوحة عن التطرف.

 

3- إن تسفيه النهج المقاوم للطغيان والحكم عليه بأنه عمل عاطفي لا يدرك أصحابه تعقيدات الواقع ولا يقيمون حسابا لميزان القوة، أقرب إلى تبرير الاستسلام وقراءة خاطئة لمفهوم القوة، إذ إن لميزان القوة مكونات أقلها أهمية المكون المادي، والمكون الأخلاقي والمعنوي له اعتبار كبير حتى عند أكثر الشعوب مادية.

 

ففي نهاية السبعينيات وبداية التسعينيات رأى الواقعيون -بناء على تجارب من اختلال ميزان القوة- ضرورة تقديم تنازلات جوهرية للكيان الصهيوني عبر معاهدة كامب ديفد واتفاق أوسلو، ويومها رفض من لا يملك ميزان قوة مادي الاتفاقيتين، واليوم لنا أن نقارن مكانة السلطة الفلسطينية وحركة حماس المجاهدة في الفعل والتأثير.

 

ومن أغرب ما نسمعه في هذه الآونة جرأة البعض على انتقاد حركة الإخوان المسلمين في مصر، ولومها على أنها قدمت نفسها للجماهير لينتخبوها ثم رفضت الانقلاب على الديمقراطية وقدمت مئات الشهداء في سبيل حماية المكاسب الديمقراطية، ويذكرني هؤلاء بمقولة إن علي بن أبي طالب “رجل شجاع لكن لا علم له بالحرب”!

 

وينصب اللوم على مواقف الإخوان النضالية أكثر من مواقفهم التفاهمية مع العسكر، تلك المواقف التي لم تُجدِ نفعا وشكّلت مأخذا في تعاطيهم المبدئي مع شركائهم، وبل أعطت لشركائهم ذريعة للتحالف مع العسكر ضدهم. فإن كان ثمة مأخذ على الإخوان فهو في تعاطيهم مع العسكر الذين تعوّدوا منهم الغدر منذ الخمسينيات، وتلك نتيجة سيجنيها كل من ائتمن العسكر أو أمّل فيهم خيرا. فرغم اعتدال الإخوان -منهجا وفكرا وممارسة- فإنه حصل لهم ما حصل على أيدي العسكر:

أُسِرْتُ وما صَحْبِي بِعُزْلٍ لَدَى الوَغَى ** ولا فَرَسِيِ مُهْرٌ ولا رَبُّهُ غُمْرُ

“ينصب اللوم على مواقف الإخوان النضالية أكثر من مواقفهم التفاهمية مع العسكر، تلك المواقف التي لم تُجدِ نفعا وشكّلت مأخذا في تعاطيهم المبدئي مع شركائهم، وبل أعطت لشركائهم ذريعة للتحالف مع العسكر ضدهم. فإن كان ثمة مأخذ على الإخوان فهو في تعاطيهم مع العسكر الذين تعوّدوا منهم الغدر منذ الخمسينيات، وتلك نتيجة سيجنيها كل من ائتمن العسكر أو أمّل فيهم خيرا”

4- يسوق دعاة الواقعية مبررات منها ضعف الحركات الإسلامية اليوم خاصة بعد تداعيات الربيع العربي، وهذا القول مردود على أصحابه إذا نظرنا إلى الوراء لنعرف أين كانت الحركات الإسلامية وأين هي الآن.

 

فلقد كانت هذه الحركات مشردة في ليبيا وتونس، وضعيفة في المغرب، ومنقلبا عليها في تركيا، وفاقدة للاعتراف في مصر وموريتانيا، ومحتواة في الخليج.. إلخ، وكانت معركتها الأساسية تدور حول الاعتراف بها شريكا سياسيا وإعطائها هامشا تتحرك فيه.

 

أما صراعها اليوم فيدور حول إدارة شؤون الحكم ولم يعد الاعتراف مطلبا لأي حركة في أي مكان، فتلك مرحلة تم تجاوزها لأنها اليوم طرف لا يمكن تجاوزه سِلْماً أو حرباً في أي مكان من بلادنا العربية والإسلامية.

 

إن الاحتجاج بالضعف والتخويف مبالغ فيه، لكن هذا لا يعني أن المعركة قد حُسمت؛ فالحرب سجال ولا تزال فيها جولات تستكمل فيها الشعوب يقظتها، وتسقط العروش المهتزة ويراجع المتآمرون حساباتهم.

 

5- هناك مِشْجَبٌ يعلّق عليه الواقعيون تبريراتهم مفاده أن الموقع المعارض لا يُكسِب دُربةً ولا يُعطي تجربة، فلماذا يكون قدر الحركات الإسلامية الابتلاء وقدر خصومها السيارة الفارهة والظل الوارف والمقعد الأنيق والمكتب الرحب؟.

 

وهنا أقول إن نماذج الحكم القائمة اليوم ليست نموذجا ولا قدوة تستفاد منها التجارب، فهي تجارب بكل المقاييس فاشلة والابتعاد عن الواقع الفاسد أولى من التلطخ به، ودليل فشلها صدود الشعوب عن النظام الرسمي في أي بلد من بلداننا

 

فإذا أرادت الحركات الإسلامية أن تكون أملا وبديلا عن الواقع المتهالك لم يسعها إلا الابتعاد عنه، وإن السبب في كون الحركات الإسلامية تفوق قريناتها من الحركات السياسية الأخرى عند كل استحقاق انتخابي مرده إلى أمرين: كونها أكثر الأطراف منابذة للأنظمة القائمة وتميّزاً عنها، وكونها لم تجرَّب في الحكم بعدُ.

 

وأخوف شيء أخافه على الإسلاميين أن ينخرطوا في تجربة ليسوا الفاعلين الأساسيين فيها فيدفعوا من رصيدهم، فالرصيد يتآكل بشكل طبيعي عند ممارسة الحكم فعليك أن تدّخره لوقته، أما أن يقوم حزب أو أية قوة باستخدام رصيدها قبل أوانه فذلك مدعاة للدهشة والاستغراب.

 

وإذا توانى الإسلاميون عن تولي رأس الحرب في مواجهة الأنظمة الفاسدة فسيتولى المهمة غيرهم من حركات وليدة -كما حصل في بعض الدول الأوروبية (فرنسا)- أو حركات بائدة، فيكونوا بذلك قد ارتكبوا خطأ إستراتيجياً؛ فالطبيعة لا تعرف الفراغ والبقاء للأحسن.

 

وإذا أردنا أن نُسقط الحديث على واقع بلد عربي محدد مثل موريتانيا فلا بد من أن نقف عند الملاحظات التالية:

 

– في موريتانيا لا توجد دولة عميقة يخافها السياسيون كخيفة غيرهم في بلدان أخرى للدولة العميقة، التي أنشئت إما على أساس طائفي أو أيديولوجي أو موقع جيوستراتيجي، أو على أساس من الثروات الاقتصادية الضخمة، لكن في موريتانيا مجتمع عميق برواسبه القبلية والجهوية والثقافية.

 

إن المجتمع العميق في موريتانيا ظل يوظف في التغيير ويدفع إليه من خلال دينامية ذاتية تهيئ في كل مرة مجيء نظام جديد بالطريقة الموريتانية، وهذا يعني أن العقبة دون الفعل الجماهيري ليست الخوف بل هي الطمع؛ فأصحاب الانحناء يتذرعون بالخوف، لكن الحقيقة أن دوافعهم هي الطمع الذي يسري عبر حبال الود التي لا تنقطع.

 

“إذا أرادت الحركات الإسلامية أن تكون أملا وبديلا عن الواقع المتهالك لم يسعها إلا الابتعاد عنه، وإن السبب في كون الحركات الإسلامية تفوق قريناتها من الحركات السياسية الأخرى عند كل استحقاق انتخابي مرده إلى أمرين: كونها أكثر الأطراف منابذة للأنظمة القائمة وتميّزاً عنها، وكونها لم تجرَّب في الحكم بعدُ”.

– أن الاختلاف السياسي في موريتانيا ذا البعد الأيديولوجي يتميز عن غيره في البلاد العربية والإسلامية الأخرى، إذ إنه ليس حديا وليس له تاريخ من الدموية والانتقام، وتغلب فيه المصالح ومفردات الواقع السياسي الميداني على مفردات الفكر والإيديولوجيا.

 

– أن موريتانيا أقرب من الناحية السياسية إلى الواقع الأفريقي منها إلى الواقع العربي، وعلى الفاعلين السياسيين أن يكفوا عن تخويفنا بالواقع السوري والعراقي والمصري؛ فالسنغال ومالي وغامبيا وغينيا بيساو وبوركينا فاسو وساحل العاج وكينيا أقرب إلينا وألصق بواقعنا من دول المشرق العربي.

– أن موريتانيا مجتمع متدين فيه منقطعون للعبادة من الصوفية، وفيه متفرغون لتعليم الناس الخير، وفيه فقهاء رسميون، وفيه أحزاب إسلامية دائرة في فلك السلطة. وقد حاز الإسلاميون قصب السبق على الجميع بفهمهم الشمولي وتضحياتهم في سبيل الثوابت يوم ترخّص البعض وتأوّل البعض الآخر، وإن أي تردد في النهج الذي عُرف به الإسلاميون سيُفقدهم قيمتهم المضافة.

– أن تعزيز مكانة المشروع الإسلامي تكمن في المحافظة على صدقيته ومصداقيته لدى المجتمع، وتميّزه عن غيره من مظاهر التدين الأخرى، وفي وجوده ضمن حلف وطني واسع ينشد الديمقراطية أولا لإقامة مقتضيات خصوصياته ثانيا.

 

ونذكر بأنه إبّان صراع الإسلاميين مع نظام معاوية ولد الطايع -قبل الربيع العربي- نادى البعض بالتهدئة واعتبر ما سواها عنتريات وتهوراً، ولا شك أن تلك “العنتريات المتهورة” ساهمت في إسقاط ذلك النظام، وفي ما حصل من تحسن في مجال الحريات بعد سقوطه.

 

– أن موريتانيا اليوم تقف على أعتاب بركان اجتماعي والحلول الأمنية وصلت حد نهايتها، فالحاجة إلى الديمقراطية اليوم هي حاجة أمنية أكثر منها سياسية.

وعند ما نقِيم قواعد للتنافس الديمقراطي نسلّم بها جميعا ستخف الفوارق ويعدّل كل خطابه طمعا في صوت الآخر، وتتاح الفرص للتدافع السلمي، وعندها يُفتح الباب لصاحب كل أطروحة يرى صلاحيتها للتطبيق لكن بالتي هي أحسن، وأي طريق آخر لم يعد آمنا.

 

– إن العسكر أدركوا أنه لم يعد من السهل بالنسبة لهم الحصول على مأمورية ثالثة للرئيس الحالي أو لغيره في ظل الواقع الراهن؛ فقرروا -على ما يبدو- وأد حلم التغيير بالرجوع إلى أساليب التزوير المكشوفة التي جربوها في الاستفتاء الأخير على تعديل الدستور، وشفعوها بالاعتقالات.

 

وهي رسائل غير مشفَّرة لمن تعسر عليه القراءة، وهذا ينبغي أن يدفع كل القوى الغيورة على الوطن وأمنه واستقراره وحرية أبنائه وكرامتهم، إلى أن تقف صفاًّ مرصوصاً نابذة خلافاتها المدرسية ومصالحها المتوهمة حتى ترد صولة العسكر الجديدة.

 المصدر: