دولة قطر ودورها التـخريـبـي في الوطن العربي وفي منطقة الصحراء الكبرى / محمد سالم ولد محمد اليعقوبي

محمد سالم ولد محمد اليعقوبي / كاتب، باحث في قضايا الصحراء الكبرى، ناشط في المجتمع المدني

بدأ المسلسل التخريبي والتدميري لدولة قطر في الوطن العربي وفي منطقة الصحراء الكبرى، مع تولي أميرها السابق حمد بن خليفة آل ثاني للحكم بعد إطاحته المشينة بوالده سنة 1995 في سابقة لم يعرف التاريخ لها مثيلا.

 ولقد كان في إطاحة حمد بأبيه ما ينذر العاقل لو انتبه له، وكانت تلك الإطاحة كافية لتصد جيران الأمير العاق عنه حتى لا يصادقه من بعدها أي حد؛ ولله در العلامة الشنقيطي الإمام المجدد محمد مولود الموسوي اليعقوبي (ت 1323هـ/ 1903م)، الذي يقول في مؤلفه الفريد “الظفر بالمراد في البر بالآباء والأجداد”:

  لا تثقن بــــــصداقة عـــــــــقــــــق      **   لقطعه من وصله منك أحق

فمن سمحت له نفسه الأمارة بالسوء بعقوق والده عبر الانقلاب عليه في رابعة النهار فهو بعقوق وخيانة غيره أولى.

  فمن يومه الأول في السلطة بدأ الدعي العميل حمد يتحين الفرص لحوك المؤامرات ضد الوطن العربي عموما وضد جيرانه الأقربين خصوصا.

حمد والتصهين

لا يشك المتتبع للنهج الذي سلكه هذا العاق وابنه تميم الذي خلفه سنة 2013 (الشهاب لا يلد إلا الجمرة)، لحظة في أن ذلك النهج الشاذ، كان بمخططاته ومدلولاته وتبعاته، تجسيدا وتطبيقا لما تخطط له الحركة الصهيونية وحلفاؤها؛ كما لن يتشكك المتبع في أن ذلك النهج كان تنفيذا فنيا من الدرجة العليا للخطط القديمة – الجديدة التي وضعها دهاقنة الحركة الماسونية العالمية للتغلغل في البلاد العربية والإسلامية وتفتيتها من الداخل.

لقد أسست تلك الخطط على تخريب بلاد العرب والمسلمين بواسطة الفتن والمؤامرات التخريبية المتعددة الأوجه والأطوار، فتراها تستخدم الدين تارة والطائفية تارة والتمازج العرقي والفئوي تارات أخرى، كما تجدها تنشر الفوضى والرعب في كل مكان وتستبيح دماء الأبرياء والمسالمين في هذه البقعة أو تلك من الوطن العربي.

التميز بالشر

منذ أزيد من عشرين سنة ودولـة قطر تحاول أن تصنع لنفسها طريقا مختلفا عن الآخرين وربما لمشاكل خاصة بحاكمها حمد السابق وجاسمه وتميمه أو عقد نفسية وسياسية ترسخت في عقول هؤلاء الشذاذ لأسباب غير مفهومة، إلا أن الوقائع يشهد أنها بدأت منذ تسعينات القرن الماضي تستخدم عائداتها من النفط والغاز للتدخل في شؤون الدول العربية بشكل سلبي عبر دعمها أحزابا وحركات إرهابية مهمتها الأولى وضع بصمة قطر المؤذية في كل صراع، كل ذلك من أجل أن تجد لنفسها دورا تذكر به حتى من باب “خالف تعرف”.

 لم تقتصر خطط قطر ومؤامراتها الخبيثة على منطقة معينة ولا على بلد معين بل أنها طالت جميع المناطق وجميع البلدان فلم تزل تزرع هنا وهناك خلايا تابعة لها في محاولات غريبة للاستيلاء على السلطة في هذا البلد أو ذاك، كما أنها دأبت على الاعتماد في الكثير من مؤامراتها على التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بالإضافة إلى تمويل المنشقين في دول الخليج العربي وغيرها للتأثير عليهم واستغلالهم مستخدمة مختلف التكتيكات التخريبية للمنطقة بواسطة التعامل بينها مع شريكيها المخربين تركيا وإسرائيل.

المكر بالجيران

 ظلت قطر تسعى على مدى عشرين سنة لزعزعة الأمن في منطقة الخليج عموما والمملكة العربية السعودية خصوصا، فلم تزل تحيك مؤامراتها الدنيئة ضد هذا البلد الشقيق كما يشهد به الاعتراف الصريح بذلك لأميرها السابق في مكالمة مع الزعيم الليبي الراحل القذافي رحمه الله تعالى.

وكان أبرز دور إرهابي لقطر ضد المملكة هو تورطها في محاولة اغتيال الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله تعالى بالإضافة إلى مؤامراتها المتكررة ومحاولتها نسف الصف الداخلي السعودي، ناهيك عن تهربها الدائم عن الوفاء بالتزاماتها وانتهاكها ونكثها بما تعهدت به من اتفاقات كاتفاق الرياض 2013 والاتفاق التكميلي لعام 2014 ولا ننسى الدور الخبيث والأشنع الذي مثله تآمر قطر مع الحوثيين في اليمن ضد قوات التحالف ومساعدتها على استهداف حدود المملكة العربية السعودية والأخطر من ذلك إعطاؤها إحداثيات قوات التحالف في اليمن مما أدى لاستشهاد 45 جنديا إماراتيا في مأرب، إضافة لاستشهاد عدد من الجنود السعوديين والبحرانيين في الرابع من سبتمبر 2015 بفعل صواريخ مليشيات الحوثيين وحليفهم الماكر علي عبد الله صالح.

انقلاب السحر على الساحر

كل هذه الدسائس وهذه المؤامرات تراكمت لتدفع بالمملكة العربية السعودية لاتخاذ قرار قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر الذي فرضته الانتهاكات الجسيمة التي مارسها ومارستها السلطات في الدوحة سرا وعلنا طوال السنوات الماضية بهدف شق الصف الداخلي السعودي وتحريض الخروج على الدولة والمساس بسيادتها واحتضان جماعات طائفية إرهابية تستهدف ضرب الاستقرار في المنطقة ومنها جماعة الإخوان وداعش والقاعدة والترويج لأدبيات ومخططات هذه الجماعات عبر وسائل إعلامها بشكل دائم ودعم نشاطات الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في محافظة القطيف شرق المملكة العربية السعودية.

السم المتطاير

 دأبت قطر أيضا على انتهاج سياسية خبيثة مبينة على خلط الأوراق بما يتعلق باليمن الجريح حيث شاركت في دعم الشرعية اليمنية – قبل طردها من التحالف – ودعمت المتمردين الحوثيين في صنعاء وحليفهم الإخواني حزب الإصلاح في مسعى واضح لدعم مشروع الحوثيين الهادف لاختطاف اليمن لصالح إيران…

ولم تسلم دولة الإمارات العربية المتحدة من تآمر قطر التي استضافت إماراتيين من تنظيم الإخوان المسلمين ودأبت على مواصلة دعم واحتضان المطلوبين أمنيا من قبل الإمارات إضافة إلى تدخلها في الشؤون الداخلية.

كما أن مملكة البحرين هي الأخرى عانت من التآمر القطري من خلال التشويه الإعلامي ودعم المخربين وتجنيد الإرهابيين لإثارة الفوضى ودعم “سرايا الأشتر” التي نفذت تفجيرات واغتيالات استهدفت قوات بحرانية وقامت أيضا بتجنيد عسكريين بحرانيين لأغراض لا تخفى والتوسل لقلب النظام فيها.

… حتى مصر

لم يسلم أي بلد إذن حتى مصر  نجد أن قطر قد استماتت طيلة اثني عشر عاما أي منذ انتخابات برلمان 2005 لكي يسيطر الإخوان على الحكم، وبذل سفهاء الدوحة الأموال الطائلة في ذلك السبيل، كما دأبت قطر على التحريض ضد مصر ودعم المنظمات الإرهابية والتخريبية ضدها خصوصا الحركة المسلحة “حسم” التي تبنت عددا من العمليات الإرهابية المروعة.

 واستهدافا منها للمؤسسة العسكرية المصرية أي للجيش المصري الذي صنفته دراسة حديثة لإحد المراكز الدراسات الجيوستراتيجية الغربية بأنه الأول عربيا والعاشر عالميا، قامت دويلة قطر بمحاولة يائسة لتفصيل جيش آخر على هواها عام 2014 سمته الجيش المصري الحر، وأنصار بيت المقدس في مصر، وتعاونت مع مخابرات أجنبية على زعزعة أمن واستقرار مصر بضرب حزامها الأمني المباشر: فلسطين والسودان ولبيبا، وبعدها الاستراتيجي المتمثل في الساحل الإفريقي الممتد من موريتانيا غربا وحتى إريتريا شرقا.

التآمر ثم التآمر

سعت دولة قطر بكل الوسائل لتفتيت الجيش المصري بالتعاون مع النظام التركي وأجهزة دول أمن أخرى من بينها المخابرات الأمريكية والحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني وبذلت المستحيل للتشويش والتأثير على الحكومة المصرية؛ ولعل أبرز دليل على تآمر قطر ضد مصر قضية التخابر الكبرى وغيرها من القضايا المعروضة حاليا أمام القضاء المصري.

 وهكذا ظل الحكم القطري مصرا على اتخاذ مسلك معاد لمصر وفشلت كافة المحاولات بثنيه عن دعم التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم الإخوان وإيواء قيادييه المتورطين في عمليات إرهابية استهدفت أمن وسلامة مصر وترويج فكر تنظيم القاعدة وداعش ودعم العمليات الإرهابية في سيناء والتدخل في الشؤون الداخلية في مصر ودول المنطقة بصورة تهدد الأمن القومي العربي وتعزز بذور الفتنة والانقسام داخل المجتمعات العربية وفق مخطط مدروس يستهدف وحدة ومصالح الأمة العربية.

ولم تكتف قطر بذلك فقد دأبت على التدخل في النزاعات الإقليمية خصوصا تلك التي تمثل عمقا إستراتيجيا لمصر فسعت لتأجيج الوقيعة بين مصر والسودان وبين السودان واريتريا وبين اريتريا وجبوتي وغيرها من مناطق التأثير على الأمن المصري خصوصا والعربي عموما بالإضافة لما يمثله تشجيعها لإثيوبيا على بناء سد النهضة مع ما يمثله على الأمن الغذائي لمصر والوطن العربي.

الجريمة الكبرى في ليبيا

أما في ليبيا فإن دولة قطر قد ظلت منذ سنة 2009 تخطط لإسقاط نظام القائد معمر القذافي وبدأت تنفيذ مؤامراتها لتدمير هذا البلد سنة 2011 وتحالفت في هذا السبيل سياسيا وعسكريا مع فرنسا وايطاليا وبريطانيا منذ نوفمبر 2010 “عملية اجتياح الجنوب”.

للتذكير فقد تقاطعت المصالح بين فرنسا والنظام القطري حول مسألة إسقاط النظام الحاكم في ليبيا؛ فقد أدركت فرنسا/ساركوزي أن معمر القذافي بات يهدد مصالحها وهو ما تأكد خلال قمة مالابو عام 2010 التي أعلن فيها القذافي عن  رصد  تسعين مليار دولار لحكومة الاتحاد الافريقي ورصد جميع ما يلزم لإصدار الدينار الذهبي الافريقي العملة الموحدة لقارة إفريقيا وذلك ضمن الطموحات المعروفة للزعيم الليبي الراحل؛ بينما  اقتنعت العصابة الحاكمة في قطر بأن القذافي بات يشكل حجر عثرة أمام تمددها السياسي في إفريقيا حيث سن القذافي نهج الديبلوماسية الشعبية القائمة على استقطاب الزعامات التقليدية والمرجعيات الدينية في القارة وفعاليات المجتمع  المدني وهي السياسة التي آتت أكلها ذلك التاريخ …

 وكان دور قطر بارزا في أحداث 17 فبراير من نفس السنة حيث بدأت تغذي الثورة بالسلاح وتدعمها بالوجود العسكري المكثف إلى جانب الثوار كما صرح به رئيس أركانها اللواء الركن محمد بن عطية في 2014 واعترف أن عددهم كان بالمئات.

فيما تولى  قائد القوات القطرية الخاصة الحالي العميد حمد بن عبد الله الفطيس المري قيادة عملية سرت لإعدام الزعيم الليبي معمر القذافي في صبيحة 20 أكتوبر 2014 ووزير دفاعه أبوبكر يونس جابر وابنه المعتصم بأمر مباشر من وزير الخارجية القطري حينئذ حمد بن جاسم آل ثاني القاضي بأن يقتل القذافي ولا يسلم حيا في حين قام أربعة ضباط قطريين برفع العلم القطري على مقر باب العزيزية في رمضان أواخر أغسطس 2011 ومعهم عبد الحكيم بلحاج قائد المجلس العسكري في طرابلس وزعيم الجماعة الليبية المقاتلة المرتبطة بتنظيم القاعدة. وكانت قطر قد دعمت بلحاج أيام الانتفاضة في ليبيا وفرضته على أنه صانع التحرير وجعلته رئيس المجلس العسكري لمدينة طرابلس لكي يتسنى لها الاستيلاء على أموال البنك المركزي الليبي بعد سقوط النظام التي تقدرها مراكز الدراسات المتخصصة ب 160 مليار دولار و400 مليار دينار إضافة إلى ما قامت به العصابات التي يقف وراءها هذا الرجل وأسياده القطريون من إهلاك للحرث والنسل وهتك للأعراض ونهب لمقرات المصارف، والشركات والمتاجر الكبرى ومنازل كبار المسؤولين ورجال الأعمال مما تسبب في تشريد و تهجير أكثر من ثلث السكان .

قمة التآمر…

عملت حكومة حمد بنشاط من أجل استصدار القرار 1973/2011 القاضي بالضربات الجوية ضد ليبيا وهي بهذا تتحمل المسؤولية الكاملة عن ما آلت إليه الأمور في هذا البلد وقطر وأزلامها في ليبيا هم من قاموا بذبح 700 ضابط وجندي ليبي بطريقة وحشية وأعدمت رئيس الأركان الأسبق عبد الفتاح يونس الجامح  لإجاد حل سياسي للأزمة، وعذبت محتجزين وسفكت دمائهم بأبشع أنواع التشفي بسجن الهضبة ومولت عملية “فجر ليبيا” ضد عملية الكرامة التي قادها المشير الخليفة أبو القاسم حفتر مع كوكبة من ضباط الجيش الوطني الليبي الذين استجابوا لنداء الوطن برورا منهم بقسمهم المقدس، احتجاجا على اغتيال عناصر الجيش الليبي كما قامت بتقسيم الجيش الليبي من خلال فصل القوات المسلحة في الجنوب عرقيا، وهي المسؤولة عن فصل شرق ليبيا عن غربها والسيطرة على بنغازي والانقسام المجتمعي، وقدمت الرشاوى المغرية لكل نائب مستقل للمؤتمر الوطني العام يوافق على الانضمام إلى كتلة الإخوان لتمرير أجندة الدوحة للسيطرة على ليبيا كما عملت على منع البرلمان الشرعي المنتخب بقيادة المستشار عقيلة صالح من عقد اجتماعاته في طرابلس وطرد الحكومة الشرعية برئاسة عبد الله الثني لكي يخلو الجو لرجلها عبد الحكيم بلحاج، ناهيك عن دعمها المتواصل وتأسيسها لمختلف المنظمات الإرهابية، فعندما فشل الرهان القطري على صعود الإخوان المسلمين ما بعد القذافي قامت بتشكيل مليشيات أبرزها “فجر ليبيا” و “مجلس شورى بن غازي”، وهي مليشيات شكلت من الجماعة الليبية المقاتلة وجماعة أنصار الشريعة المرتبطة بالقاعدة و”جيش الإسلام” و”قوة التنظيم في بنغازي2013″ وغيرها من المسميات والتنظيمات الإرهابية والمخططات التي يزخر بها سجل قطر على كرامة وأمن وسلامة ليبيا وشعبها.

الموقفان: السعودي المشرف والإماراتي المتعقل

لا بد من الإشارة هنا للموقف المشرف للمملكة العربية السعودية التي نأت بنفسها عن المستنقع الليبي بالرغم من المحاولات الحثيثة التي قام بها أمير قطر السابق ـ الحالي من استغلال للخلاف بين النظامين السعودي والليبي في عهد القذافي ودق إسفين الخلافات بينهما.

وكان للعربية السعودية قبل ذلك دور مشهود حفظه لها التاريخ في حلحلة أزمة ليبيا مع الغرب في قضية لوكوربي، ونفس الموقف المشرف اتخذته دولة الإمارات العربية المتحدة حيث آثرت التعقل والتبصر والتروي بعد سقوط النظام الليبي وساندت الحل السياسي ومساعي المصالحة الوطنية ودعمت القوى الوطنية لليبية الساعية للمصالحة وإعادة الإعمار وطي صفحات الماضي، يقول الشاعر عبيد بن الأبرص :

ولست بمداح لقوم وإن علوا ** ولكن فضل الأرض للأرض يذكر

آفاق الكرامة تنفتح

دعمت كل من مصر والإمارات العربية المتحدة معركة الكرامة وكانت حاسمة في القضاء على تلك المجموعات الإرهابية وهكذا ومع مرور الزمن بدأت تلوح في الأفق ملامح وضع سياسي جديد خاصة بعد إطلاق سراح نجل الزعيم القذافي سيف الإسلام معززا ومكرما من طرف قبيلة الزنتان التي كان محتجزا لديها ولقي ما لقي من الاحترام والرعاية وهو موقف يذكر فيشكر عكسا لما فعلت العصابات الإجرامية في مصراته بإيعاز من القطريين من تنكيل وإهانة بوالده حيا وميتا وهو انتهاك صارخ تولت قناة “الجزيرة كبره، ذلك الانتهاك الذي يقشعر منه الضمير الإنساني والمناقض لأبسط الأخلاق والقيم الإسلامية والإنسانية الخاصة بعاملة الأسير، كل ذلك تم تنفيذا لأوامر القطريين ومفتيهم ومفتي الإخوان ومفتي الفتنة والتحريض يوسف القرضاوي الذي قال عبر الأثير (اقتلوا القذافي ودمه في رقبتي)؛ يقول المتنبي:

وما قتل الأحرار كالعفو عنهم** ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا

ونحن لا نمتلك أمام ما قامت به قبيلة الزنتان النبيلة، من إشادة معبرة عن هذا الفعل التاريخي إلا ما قاله العلامة الكبير شاعر الصحراء الكبرى محمد بن الطلبه اليعقوبي (ت 1272هـ 1856م):

قوم أبى الله إلا أن يكون لهم** على جميع الورى فضل ورجحان

فلا غرو فمن له اطلاع على الخلال التليدة لهذه القبيلة العريقة في الغرب الليبي وفي الصحراء الكبرى لا يفاجئه مثل هذا التصرف.

وللتذكير بمكانة هذا القبيلة العريقة فهي ترتبط بحلف تاريخي مع قبيلة افوغاس التارقية المعروفة في صحراء الملثمين في بداية القرن العشرين بمواجهة الاستعمارين الفرنسي والإيطالي.

ينضاف إلى ذلك سيطرة القائد العسكري البارز الفريق علي كنه الذي كان  يتولى قيادة الجيش الليبي في منطقة  الجنوب، والذي التفت حوله قبائل التوارق في الجنوب الممتدة من منطقة أوباري إلى الكفره على الحدود مع السودان، والذي تمكن من تحرير القواعد العسكرية والآبار النفطية من الجماعات الإرهابية التي كانت تسيطر على الجنوب، كل هذا في ظل الحديث عن دور سياسي مرتقب لسيف الإسلام الذي يحظى بتعاطف واسع من الشعب الليبي الذي يطمح إلى عودة الأوضاع الطبيعية وتحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا بعد أن جرب ما آلت إليه الأوضاع في ظل سيطرة الجماعات الإرهابية المسلحة المدعومة من الخارج…

الشر القطري يطال الساحل والصحراء

اشتهرت السياسية القطرية في إفريقيا وخاصة منطقة الساحل والصحراء منذ وصول الأمير حمد لسدة الحكم، برحلات مكوكية وزيارات التي كان بعض الأفارقة يطلق عليها “جولات الشنط” إشارة إلى المليارات التي تضخها قطر في بعض النخب والجهات الحكومية والسياسية في أي بلد يزوره الأمير وساعده الأيمن وزير الخارجية السابق حمد بن جاسم غير أن تلك الهبات السخية تخفي وراءها إرادة واضحة للتغلغل في إفريقيا وخاصة منطقة القرن الإفريقي والساحل من أجل تحقيق أهداف تخريبية تخدم الأجندة القطرية المتمثلة – من بين أمور أخرى- في محاولتها للسيطرة على نفط الساحل والذهب واليورانيوم والغاز بالمشاريع والاستثمارات القطرية الكبيرة في إفريقيا تحمل في باطنها السعي لزرع بذور الفوضى والفتنة عدم الاستقرار خصوصا منها تلك الموجهة للسودان وإثيوبيا وكينيا وجنوب إفريقيا وموريتانيا وليبيا ومالي وهذه الأخيرة تحاول أن تجعل منها قاعدة لتحركها في المنطقة الإفريقية بالإضافة إلى مشروع سكة حديد تربط السودان باتشاد ومالي والكامرون ونجيريا وحتى المحيط الأطلسي.

خدمة لهذه المشاريع أطلقت دويلة قطر قناة باللغة السواحلية تستهدف قرابة مليون نسمة في جنوب وشرق إفريقيا،

 قطر تجهض حلم أزواد

لم تبخل دولة قطر بجهد مالي ولا سياسي من أجل التآمر على القضية الأزوادية ومن أجل أجل إجهاض حلم الأزواديين المضطهدين.

ومن أبرز الأدوار التخريبية لقطر منح أمير قطر لمساعدات مالية للجماعات التي احتلت إقليم أزواد المعروف بشمال مالي خصوصا “حركة أنصار الدين” و”حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا” و”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” و “الموقعون بالدماء” وغيرها.

فقد تدخل القطريون عندما انسحب المقاتلون الأزواديون الذين كانوا يقاتلون مع النظام الليبي بعدتهم وعتادهم وأعلنوا عن تنظيمهم “الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA)”، وسيطروا على كامل الإقليم الغني بموارده من الذهب والنفط واليورانيوم والذي يشكل مركز الثقل في الصحراء الكبرى عموما ويشكل امتدادا جغرافيا وبشريا طبيعيا لموريتانيا والصحراء الغربية والجنوب الجزائري والشمال النيجري والجنوب الليبي والشمال التشادي، وأعلنوا استقلال دولتهم في تاريخ 6 /أبريل / 2012 م من جانب واحد وهو قرار رمزي استجابة لتطلعات شعبهم المطحون منذ بداية ستينيات القرن الماضي…

وقد حظي هذا الإعلان بمباركة واسعة من  القيادات  الدينية والاجتماعية من  علماء وسلاطين وشيوخ طرق صوفية حسبما ما ورد  في الرسالة التي وجهها للعالم سلطان سلاطين منطقة كيدال السلطان انتاله بن الطاهر سيدي محمد  الفوغاسي المتوفي عام 2014، والتي دعا فيها إلى الاعتراف بدولة أزواد، وطالب بدعمها والوقوف إلى جانبها منددا في ذات الوقت بالأعمال الإرهابية التي تسعى من خلالها بعض الجماعات المسلحة المدعومة من جهات خارجية، التشويه على النضال الازوادي المشروع وقد طالب بلغة لا لبس فيها ولاشية برحيل هذه الجماعات الغريبة فورا عن أراضي أزواد.

وهكذا سلحوا الجماعات الإرهابية المذكورة لإجهاض ذلك الحلم والقضاء عليه من خلال محاولة تصفية الأمين العام لحركة تحرير أزواد ورئيس المجلس الانتقالي الزعيم ـ الرمز: بلال آغ شريف ـ بتاريخ 20يونيو2012  حيث تعرض لمحاول إغتيال خطط لها ونفذها قادة الاعات الإرهابية المتواجدين حينئذ في الإقليم وذلك لما يمثل من رمزية ضاربة الأطناب حيث أنه سليل بيوتات السلطنة في قبيلة إفوغاس إحدى أقوى وأبرز قبائل التوارق المنتشرة في صحراء الملثمين والذين قيل فيهم قدما:

قوم لهم شرف العلى من حمير** وإذا انتمى لمتونة فهم هم

لما حووا علياء كل فضيلة** غلب الحياء عليهم فتلثموا

وقد كانت قطر تهدف من وراء ذلك إلى “إقامة سلطة إسلامية” تدين لها بالولاء واهمة أن ذلك سيتيح لها استغلال موارد الذهب واليورانيوم في الإقليم وهو امتداد لما فعلته في مصر وليبيا وتونس.

سطو على التراث

ولم تكتفي تلك الجماعات بذلك بل عاثوا في الأرض فساد وسطوا على التراث العلمي الزاخر لمدينة تنبكتو المعروفة بإشعاعها العلمي والتي مثلت أيضا في إحدى الحقب التاريخية، منارة علمية شامخة أضاءت الغرب الإسلامي والمنطقة عموما بما أنجبت من فطاحلة العلماء المشهود لهم بالتفوق في العلوم العربية الإسلامية والإنسانية، وهكذا أتلفوا وأحرقوا آلاف المخطوطات النادرة في شتى المعارف الإسلامية والعربية وهكذا نبشوا القبور وهدموا أضرحة كبار العلماء والصالحين كالعالم العلامة الحجة الشيخ سيدي أحمد بابا بن الحاج أحمد الصنهاجي التنبكتي (ت 1036هـ-1627م) مؤلف كتاب نيل الابتهاج في تطريز الديباج وكتاب كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج في تراجم أعلام المالكية والنكت الزكية في شرح الألفية لمحمد بن مالك  والذي هو أول شرح لهذه الألفية، وغيرها من المؤلفات النادرة التي لم يسبق لها.

وعم والده العلامة القاضي سيدي محمود الذي أجازه الإمام جلال الدين السيوطي وشيخ شيوخ الصحراء الكبرى الشيخ سيدي علي بن النجيب والشريف سيدي يحي القلقمي الجد الجامع الذي تنتسب له جل القبائل المنتسبة إلى الشرف في موريتانيا والمنطقة، والشيخ والعلامة الجليل الشيخ سيد المختار الجد والشيخ سيد المختار الحفيد.

وقد سلط الزعيم الأزوادي بلال آغ الشريف الأمين العام للحركة الوطنية لتحرير أزواد الضوء على هذه الأدوار في مقابلة أجرتها معها صحيفة “الرياض” السعودية مؤخرا قال فيها “وقد نقلنا توجسنا من الدور الخطير لهذه الجماعات إلى مسؤولين قطريين لكن لم نلاحظ تفاعلا منهم”.

علما بأن هذا الجماعات تعتمد أساسا في مصادر تمويلها على تجارة المخدرات والسلاح والاختطاف.

قطر والإرهاب

والمتتبع لسياسة قطر في منطقة الساحل والصحراء وغيرها سيتبين بسهولة ذلك المسلك التدميري الذي دأبت هذه الدولة على انتهاجه منذ فترة غير قصيرة والمتمثل في تدعيم الإرهاب وتمويل وتسليح المنظمات الإرهابية وتوفير الإيواء والملاذات الآمنة واستضافة الهاربين ودعمهم بالمال والسلاح وتنظيم العصابات الإجرامية وميليشيات السجناء والمطلوبين والتورط في جرائم الحرب بمفردها وبالشراكة مع إيران وتركيا وبتنسيق أمريكي في عهد أوباما في لبيبا وغيرها.

وفي المغرب العربي نجد دولة قطر تسعى بكل الوسائل للتأثير على أقطاره من خلال تمويل الإخوان المسلمين ودعم أحزابهم وجمعياتهم في الأقطار المغاربية وتمويل منابرهم الإعلامية كتلك المحسوبة على حزب العدالة في المغرب كما دأبت قناة الجزيرة القطرية على بث تقارير مشوهة للوضع المغاربي في الدول المكونة للمغرب العربي (المغرب وتونس والجزائر وموريتانيا) وقد حاولت في بعض المرات تحويل تونس إلى معسكر لتدريب المرتزقة ومنفذ لتوريد الأسلحة والذخيرة ثم تهريبها إلى ليبيا في صناديق تحميل شعارات الإغاثة، كما أشرفت على أنصار الشريعة في ليبيا ولم تأل جهدا في وصول حركة النهضة الإسلامية في تونس للحكم عقب ثورة 2011، ودعمت ومولت حراك تونس بزعامة منصف المرزوقي وتورطت في عدة عمليات اغتيال لسياسيين ونقابيين ومولت تسفير شباب إلى بؤر التوتر في سوريا والعراق وتورطت في عملية أم الناس الإرهابية التي نفذها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في الجزائر وراح ضحيتها عدة ضحايا بينهم غربيون ويابانيون، كما مولت حركات تهدد أمن موريتانيا ودعمت حدوث ثورة فيها على غرار ما حدث في تونس ومصر وليبيا حسب ما صرح به الدكتور إسلكو ولد أحمد أزيد بيه وزير الخارجية الموريتانية في محاضرة سياسية له مؤخرا.

قطر مؤججة فتنة الربيع العربي

لقد كان الهدف الأول لتأجيج نيران الربيع العربي سنة 2011 ـ 2012 هو تمكن الأحزاب الإخوانية في تونس ومصر وليبيا وسوريا والعراق واليمن وفلسطين من الوصول إلى الحكم في هذه الأقطار ومن أجل بناء الكيان الموحد تحت حكم الإخوان من تونس إلى قطاع غزة مرورا بليبيا ومصر.

وكان الهدف الثاني ـ وهو الدافع الأول ـ أن لا تنافسها ليبيا في سوق الغاز العالمي من جهة وثالثا أن تجد منفذا عبر سوريا للإحداث أنبوب غاز يمر عبر أراضيها نحو تركيا وأوروبا وقد عملت المستحيل من أجل إحداث ذلك الأنبوب، وعندما يئست منه لجأت إلى تشكيل ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وأغرقت عليها الأموال، ولم تكتف بذلك فقد كلفت المهدي الحاراتي نائب رئيس المجلس العسكري بعد مقتل القذافي بالانتقال إلى سوريا لتشكيل لواء الأمة في ادلب وهو نسخة طبق الأصل للمجلس العسكري ومدته بالأسلحة وفي نفس المنطقة ظهرت لاحقا جبهة النصرة ذارع القاعدة في سوريا كما دعمت تأسيس جماعة أحرار الشام بالإضافة إلى سعيها المتواصل لتشتيت الجهود الدولية للوصول إلى حل للأزمة الأسوإ في القرن الواحد والعشرين، وتقويض جهود الاستقرار في المنطقة العربية والإفريقية.

تحالفها مع أعداء الأمة

لقد شقت دولة قطر الصف العربي وارتمت في أحضان الأعداء الذين يستغلون كل فرصة كي ينهشوا جسد الأمة العربية والإسلامية وأصبحت بين عشية وضحاها بين الحضن التركي والفخ الإيراني وتحالفت مع الدولتين المعروفتين بأطماعهما في الخليج والوطن العربي حيث أن إيران هي موقدة الحرب في سوريا واليمن والعراق، وهي التي تسعى لفرسنة الأرض العربية ولزرع الفتنة في أرض البحرين وفي لبنان، وتلوح بوضع يدها لتدنيس الحرمين الشريفين ضمن طموح صفوي قديم،أسوة بما فعل أسلافهم القرامطة في غابر الأيام ويأبى الله عن ذلك، كما أن إيران هي القوة الناشرة للمعتقدات الصفوية الضالة في كل مكان ولا هدف لديها إلا استهداف العرب السنة متى احتاج النهار إلى دليل .

 وتهدد أمن الخليج وتتمادى في احتلال الجزر الثلاث طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى، وتحلم تركيا من جهتها باستعادة السلطة التركية في المشرق والمغرب العربيين بعد مرور حوالي مائة سنة على مغادرة قوات الحامية العثمانية للخليج إبان دخول بريطانيا، فقد وفرت لها قطر قاعدة عسكرية على أراضيها ولا يخفى ما تمثله هذه القاعدة من خطر على أمن الخليج والمنطقة، وبخاصة إذا ما علمنا أن تركيا تحاول تصدير أزمتها الداخلية الناجمة عن الاحتقان المترتب على المحاولة الانقلابية المزعومة والتي تتهم تركيا فيها مصر والإمارات وهو ما صرح به أردوغان غير ما مرة.

ورغم خلافات الدولتين ـ في بعض الجوانب ـ فإنهما متفقتان على انتهاز الفرصة على طريق قطر لتحصد كل منهما بعض المكاسب على حساب الأمة العربية ويتمكنا من خلق كتلة سياسية وأمنية واقتصادية في الشرق الأوسط تدور في فلكهما ولا يخفى ما تمثله الشراكة القطرية مع إيران وتركيا من دعم للجهود المعادية من أجل تفتت الوطن العربي ودعم الكيان الصيهوني متناسية قول المتنبي: ومن الصداقة ما يضر ويؤلم.

وكما يقول الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتية للشؤون الخارجية فإن الحل ليس في اللجوء إلى الحليف الإيراني والتركي.

استخلاصات

نستطيع من خلال ما تقدم أن نتبين ملامح وشواهد ذلك الدور التخريبي وغير المبرر الذي نذر حكام دولة قطر على أنفسهم القيام به لأسباب ودوافع هم أدرى بها؛ واليوم وبعد أن اتضحت الحقائق وبرزت على المكشوف محاولاتهم ومؤامراتهم الخبيثة ولم تعد تنطلي على أحد فإنه لم يبق أمامهم إلا أحد خيارين اثنين لا ثالث لهما:

 إما الجنوح إلى العقل والمنطق والمبادرة بالكف على السير في هذا الاتجاه الخاطئ والرجوع إلى الحق أحق:

ليس من أخطأ الصواب بمخط ** إن يؤب لا ولا عليه ملامه

حسنات الرجوع تذهب عنه ** سيئات الخطا وتنفي الملامه

وإما أن تستمر في نهجها الخاطئ والمرفوض والذي لا تحمد عواقبه ولن يسلم من النتائج الوخيمة المترتبة عليه أحد، لا قطر ولا غيرها:

ومن البلية عذل من لا يرعوي** عن غيه وخطاب من لا يفهم

قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.

                                               <<والله المستعان>>

 

Email: yacoubym@gmail.com