رواية “الأسرة الباردة “تفضح العلاقات المختلطة في المجتمع العربي /السيد الزر قاني

الصدى – نقلا عن رأي اليوم

الكاتبة إيمان بدران مؤلفة رواية “الأسرة الباردة”

“يا سيدتي الجميلة في استراتيجيات الحروب لاقتحام قلعة أو حصن ما ، لابد من البحث عن نقطة الضعف أولا لا عن مركزا لقوة “
هكذا جاءت رواية ” الأسرة الباردة ” للكاتبة “إيمان بدران ” الصادرة عن دار تشكيل للنشر والتوزيع في طبعتها الثانية في حوالي 508 صفحة ، لتقتحم تلك الحصون المغلفة في حياة رجال الاعمال في المجتمعات العربية عانة والمصرية خاصة والتي ظنها السواد الأعظم من الشعب انها مسكونة بالدفيء والبهاء الأسري ، حيث نجحت الكاتبة في الغوص في تلك المفردات الاجتماعية الخاصة لترسم لنا لوحة ادبية بليغة من خلال دراما الحياة اليومية لمجموعة من الشخصيات المتشابكة في العلاقات والأنساب حيث اختارت تلك البطلة “مهرة ” لتكون نقطة الانطلاق الي عالم جديد في حياتها من خلال الواقع المرير الذي تحملته بعد وفاة ابيها حيث ساقها القدر الي تلك القصور الفخمة التي كانت بظنها ألجنه في رغدها وكانت تحسد سأكنها قبل ان تطيء قدميها تلك العتبات عن طريق احدي الصديقات التي رشحتها للعمل كمعلمة ل “شهد” تلك الطفلة التي فقدت الحنان منذ رحيل امها في حادث اليم أو حتي فقدان الأب وإلام إثناء وجودها للانشغال طوال النهار عنها ، وكانت العتبة الأولي للا نطلاق في عالم تلك الرواية الطويلة الا انها تأخذ القاريء في عالم متشابك لا يمكن الفرار منه أو الخروج منها الا بالانتهاء من تلك الرواية التي أخذتنا فيها الكاتبة علي ببراعة الي هذا الخيال الرائع في بناء درامي متماسك حيث كانت البداية مع “مهرة ” التي نشاءت وسط مجموعة من العلاقات الاجتماعية التي تمثل البساطة والفطرة المعبرة عن عادات وقيم متأصلة في نفوسهم اعتادت عليها وأصبحت جزءاً من كيانها الداخلي وعاكسة للواقع اليومي وخالية من التزييف أو المصالح الفريدة.‏في المقابل مجموعة من العلاقات الاخري الغير معتادة لها بين جدران تلك الفيلا التي فرضت عليها الظروف علي التعامل مع من بداخلها ،فهي
التي ترتبط بعلاقة حب كبيرة مع زميل لها من نفس الطبقة الاجتماعية لها حيث أعلن تمسكه بها رغم معارضة أمه علي تلك الزيجة التي تراها غير مناسبة له ،”طارق” الذي عصف بتلك الأحلام بقرار سفره المفاجيء ،منذ تلك اللحظة التي غادر فيها واختفي وسط غياهب البعاد ،أصابها البرود في مشاعرها نحوه ،وكانت الكاتبة تمتلك شجاعة التعبير عن تلك المشاعر في ص24 “صارت أعصاب مهرة علي شفير هاوية فاليوم هو الرابع والتسعون بعد سفر طارق ولم تتلق منه اتصالا واحدا بعد …..”،وتأخذنا الكاتبة الي شخصية محوارية اخري لها أبعاد اجتماعية اخري وهي “أميرة ” من خلال حوار أكثر من رائع نجحت فيه تقديم تلك الشخصية الي القاريء ليدرك تلك الصراعات السيكولوجية بينها وبين “مهرة ” وكانت البداية حول تلك الرؤية التي تريد “مهرة ” رسمها في ذهن ” شهد ” ابنه”فؤاد ” حول فقدان أمها وبين تلك الطريقة القاسية التي دخلت بها أميرة لتصدم “شهد” بوفاة انها وأنها لن تعود للابد ،اختلاف الرأي والثقافة كان بداية هذا الصراع الخفي بين هتان الشخصيتان حول” فؤاد” الي يعيش هو الأخر حياة بلا هدف بل صار مستسلما الي حالة الضياع وأسير للخمر والسقوط اختياريا الي الهاوية ، رغم محاولة شقيقه “نادر ” انتشاله من تلك الحالة التي وصل اليها بعد وفاة زوجته التي كان يحبها كثيرا رغم انها كانت تكبره بعدة سنوات ، حاولا “أميرة ” ان تلعن إمام شقيقها صراحة انها تريد ان توقع ” فؤاد ” في شباك حبها لتنعم بالعيس في هذا القصر الذي جاءت إليه مع أبيها ولا تريد العودة الي هذا المنزل العتيق المهجور ، ورغم ان أخيها “ادم ” كان أكثر تعقلا منها الا انه لم يستطع إرجاعها عما تخطط له ، استغلت الكاتبة طاقات هذا الحضور أفضل من استغلالها طاقات الحلم؛ فهو حضور يكشف للمتلقي من ناحية قوة الروابط بين الشخصيتين، ويؤكد من ناحية أخرى ما تسعى الكاتبة إلى إثباته، وهو حاجة المرآة للرجل خاصة في وقت الأزمات ،ولكن علينا ان تؤكد إن البنية السردية في الرواية بنية متميزة، فقد نجحت الكاتبة بوعي في صناعة بناء روائي يستحق الوقوف أمامه، بناء عَدَدَ مداخل الولوج إلى النص، لكنه يفتح بابا لتساؤلات، مثل هل التقنيات وليدة المحتوى؟ وهل تستطيع التقنيات إعطاء المحتوى البسيط عمقاً ما؟ هل الموضوع يفرض شكله؟ أم يمكن (تفصيل) شكل لأي موضوع بأي مواصفات مطلوبة؟ وكلها أسئلة تحتاج إلى إجابات؛ فالرواية بمحتواها البسيط وبنائها المتميز شككت في مقولات الشكل وليد المحتوى، والمحتوى الجيد يولد شكلاً جيداً، والفكرة الأصيلة تولد شكلاً مركباً تتعد فيه التقنيات.
لكنها رواية تستحق القراءة، يظهر فيها وعي الكاتبة بآليات السرد الروائي، ويبدو فيها جلياً ثقافة الكاتبة التي ساعدتها على تضفير ثلاثة محاور مختلفة بلا خلل لصناعة كيان روائي مقنع،وتنحصر تلك المحاور في :-
1- المحور الاجتماعي حيث نجحت في فرض حالة من التشابك الاجتماعي بين شخصيات الرواية من خلال علاقات مختلفة في مراحل مختلفة فالكاتبة تمتلك تلك الرؤية الاجتماعية وكيفية الربط الدرامي الجيد من خلال امتلاك ناصية الحكاية والموقف لتخلق حالة من التشابك بين طبقات اجتماعية مختلفة مثل حضور مهرة في البداية الي القصر من خلال عمل ” ” علاقة الزواج بين “مهرة ” ونادر ” في مرحلة اخري من الرواية
2- محور المكان حيث كانت الكاتبة بارعة في إعداد مسرح الحدث من خلال طريقة الوصف المكاني بالتفصيل لتخلق حالة من التالف الذهني والبصري لدي القاريء لاستيعاب الحوار بين أبطال الرواية ، ولذا إن مساحة الاسترجاع الخارجي في الرواية أكبر من مساحة الاسترجاع الداخلي، ومرد ذلك إلى بساطة الفكرة غير المحتاجة إلى ارتداد للخلف يكمل نواقص فروعها، التي عرضت مكتملة من البداية بسبب الحرص على مساحة السرد المحدودة.
3- محور السرد والحكاية فالكاتبة متأثرة بالأدب التركي ذو الحدث البطيء وكثرة تشابك الاحداث وتراكمها فهي تنتقل بنا من منطقة الي اخري في إطار زمني قصير ولكن حدث مطول وكانت حريصة علي تقسيم الرواية الي مقاطع حوارية سردية لواقع ربما هي لم تعيشه بذاتها ولكنها خلقت هذا الواقع بتلك الحكايات الخيالية المرتبة من واقع هذا العالم المتشابك والمختلط في معايير العلاقات بين الأقارب وبين الزوج والزوجة والأخ والأخت والمدير والسكرتيرة وربما خلقت مشاهد درامية مقتبسة من تلك المسلسلات التركية التي غيرت معظم المفاهيم خاصة في العلاقات الأسرية وكان المجتمع العربي أكثر تأثرا بها
4- الارتباط المكاني والزمني وهو من اهم المحاور التي تحركت فيها الكاتبة بعبقرية شديدة الإبداع حيث ربطت الاحداث بتلك الأماكن المتشعبة والمختلفة في تضاريسها الجغرافية وبالتالي التأثير المباشر والغير مباشر علي الاحداث حتى نصل في النهاية بتلك الأنشودة الرائعة التي رسمت فيها تلك الخاتمة لتلك الرواية التي تحتاج الي قاريء خاص وثقافة خاصة لنصل مع الكاتبة الي قولها “” ورغم ان فروعي لم تعد في السماء الا ان اصلي ثابت في حياته فسابقي وسابقي ودائما وأبدا ……انا الشجرة “
5- رسم الشخصيات حيث نجحت في تناسل الشخصيات في الفترات المختلفة وخلق حالة من التشابك المقبول فيما بينها من خلال تلك المواقف الحياتية المختلفة بالإضافة الي براعتها في إيجاد مساحة من التناقض بين سيكولوجية تلك الشخصيات مما خلق حالة من الصراع الاجتماعي أو النفسي بينها وقد استفادت من تلك المتناقضات النفسية والاجتماعية في البناء الدرامي بالرواية
6- الكاتبة تمتلك قدرة كبيرة علي تطويع مفردات اللغة لصياغة التعبيرات والجمل الجميلة أضافت الي الرواية رونقا رائعا في الصياغة اللغوية مما أعطي لها بعد شديد الجمال من حيث مفردات اللغة والصور الجمالية في رسم تلك الحوارات الرائعة عبر صفحات الرواية
7- الكاتبة تعاملت مع إحداث الرواية بعبقرية مخرجي المسلسلات الدرامية حيث وقفت علي تقسيم الرواية الي مشاهد حوارية لتنتقل بالقاريء من مكان الي اخر عبر مشاهد حوارية عابها فقط التطويل الغير مرغوب مما أدي الي ترهل الحدث الدرامي في بعض المواقف بالإضافة الي تكرار بعض المعاني الدالة علي شيء واحد ويعتبر هذا احد عيوب الكتابة الروائية الحديثة التي يعتمد أصحابها علي المط والتطويل في الحدث علي حساب البعد الزمني في الرواية ولكن يحسب لها براعة الربط بين تلك المشاهد الحوارية المختلفة ،وفي النهاية علينا ان نؤكد ان تلك الرواية عبرت عن كاتبة سيكون لها قيمة وقامة بين كتاب هذا الجنس الأدبي المتميز وأنها ستخطو خطوات واسعة في هذا الطريق الذي اعتبره شاقا علي من يسلكه ،لان كتابة الرواية أو القصة ليست بالشيء الهين واليسير كما يعتقد البعض .