عضو المجلس الاسلامي الأعلى د.الشيخ ولد الزين: خطبة «حجة الوداع» بيان عالمي لحقوق الإنسان

الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الامام(جريدة الرياض السعودية)

في إطار انفتاحها على المشهد الفكري والثقافي في موريتانيا، أجرت جريدة “الرياض” السعودية ، حوارا فكريا هاما مع أحد المنشغلين بالعلم والثقافة والفكر في موريتانيا، الدكتور الشيخ ولد الزين ولد الامام، الذي اشتهر باطروحاته الفكرية الجريئة النابعة من ثقافته التقليدية الممزوجة بدراساته العصرية، فالرجل رغم دراسته التقليدية في “المحاظر” الموريتانية، ولج المدرجات الجامعية ليحصل على الدكتوراه وفق المناهج العلمية الحديثة، فجاءت افكاره واعماله العلمية المنشورة مفعمة بروح الاصالة والمعاصرة.

 

في حديثه لـ”الرياض” يستعرض ولد الزين أفكاره حول حقوق الانسان والارهاب والاسلامفومبيا، والتغلغل الايراني في العالم العربي مستنكرا بشدة استهداف الحوثيين لبلاد الحرمين الشريفين. كما يتوقع ولد الزين حضورا مميزا عربيا وعالميا للرؤية السعودية الجديدة .. وهذا نص الحوار:

نواكشوط – حوار/ محمد عبد الرحمن

 

*لك انشغالات بالفكر والثقافة في موريتانيا كيف تقدم نفسك لقراء “الرياض”؟ وماذا عن أبرز اهتماماتك الفكرية؟

 

_ في البدء أود أن أوجه تشكراتي لجريدة “الرياض” ذائعة الصيت، لإتاحة هذه السانحة للحديث مع قرائكم المتميزين، وبالخصوص إخوتنا في المملكة العربية السعودية، الذين يحتلون مكانا سامقا في قلب كل الموريتانيين، فوشائج القربى، والحنين لبلاد الحرمين الشريفين، يجعل كل واحد من هذه البلاد يشرفه لقيا كل سعودي او مقيم بتلك البلاد. أما أنا فلست إلا واحدا من أهل “شنقيط” وتلك نسبة يقدرها أهلنا في السعودية، فلا يعرف حق السعوديين مثل الموريتانيين ولا يعرف حق الموريتانيين مثل السعوديين، ولا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل.

أنا بإيجاز خريج “محظرة” ومتحصل على دكتوراه في أصول الفقه ومقاصد الشريعة، خريج محظرة لها دلالاتها المعرفية ومتحصل على شهادة عليا لها بعدها المنهجي البستمولوجي. أعمل أستاذا محاضرا في الجامعة، ولدي حلقة تدريس دائمة في البيت لتدريس علوم ومناهج “المحظرة” الموريتانية، كما أشغل عدة وظائف بعضها رسمي وبعضها جمعوي في هيئات العلماء والمجتمع المدني، نذكر منها عضوية المجلس الاسلامي الأعلى، وعضوية رابطة العلماء الموريتانيين. أما عن أبرز انشغالاتى فإنها بلا شك اهتمامات المنشغلين بالفكر الإسلامي في هذه الفترة من الزمان. يقول أحد شيوخ العلماء في هذه البلاد وهو شيخنا العلامة حمدا ولد التاه “إننا نقرأ ما لا نعيش ونعيش ما لا نقرأ” بمعنى أنه توجد فجوة حقيقية بين الفقه الإسلامي وواقع المسلمين، وهذه الفجوة تحتاج جهدا علميا، واجتهادا جريئا، من أجل ردمها ومن ثم ملء الفراغ الواقع بين الفقه والواقع، وهذا المشغل أعده أكبر اهتماماتي لأن أثر هذه الفجوة تتجلى في كل مفاصل الحياة اليومية للمسلمين، سياسة واقتصادا واجتماعا وحياة عامة.

 

لك مساهمات في المراجعات الفقهية المعاصرة ظهر بعضها في مؤلفات منشورة، ماذا عنها؟

 

صحيح لدي بعض الاسهامات المتواضعة في مجال المراجعات الفقهية، على أضواء مقتضيات العصر الذي نعيشه، وقد صدرت لي حتى الآن مجموعة من المؤلفات أبرزها، كتاب “الاستدلال بالمقاصد الشرعية في الفتوى الشنقيطية”، وهو كتاب يعنى بأهمية الأخذ بالمقاصد الشرعية، كمتكأ للفتيا واستنباط الحلول لوقائع الناس، وكيف أن ذلك ليس أمرا جديدا بل إنه أمر قد فطن له علماء بعضهم شناقطة، ومن مؤلفاتي أيضا كتاب بعنوان اختصار “فروق القرافي” وهو كتاب حاولت فيه تقريب كتاب القرافي في زمن السرعة لما لهذا الكتاب من أهمية يعرفها المشتغلون بعلم الأصول والقواعد، ثم كتاب “تذييل مختصر الزنجاني” في تخريج الفروع على الأصول، وهو في علم الأصول، وأخيرا في مجال الانشغالات الفكرية المعاصرة لدي كتاب في مجال حقوق الانسان بعنوان “حقوق الإنسان في الإسلام”.

 

على ذكر كتابكم “حقوق الإنسان في الإسلام”، ماذا حمل من جديد بهذا الخصوص؟

 

أنتم تدركون أن قضايا حقوق الإنسان تعتبر مشغلا علميا وفكريا معاصرا ذلك لأننا لا نجد ضمن مصنفات القدماء تأليفا في هذا المجال، مع أنه ينبغي الإقرار أن الإسلام هو أول من أقر تلك الحقوق ولعل وثيقة المدينة المنورة، أول وثيقة وضعت ضوابط التعامل مع الآخر المخالف في الدين. كما أن خطبة حجة الوداع كانت بيانا عالميا لحقوق الإنسان، حث على احترام المرأة، والمستضعفين، وأكد على حرمة الدماء والأموال والأعراض.

 

وأذكر أنني تلقيت دعوة من الأمم المتحدة قبل سنوات لتقديم محاضرة بمقرها بــ”نيويورك” حول حقوق المرأة في الاسلام، ناقشت مع الحضور حقوق المرأة من المنظور الاسلامي، بينت فيها كيف يتم تشويه الاسلام في هذا المجال، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو أول رجل عبر تاريخ البشرية العريض يعلن في بيان أمام جماهير مستفيضة أن النساء شقائق الرجال، وأن لهن من الحقوق ما للرجال.

 

وما أردت تأكيده من خلال كتابي هو أن حقوق الإنسان وإن تأخر تأليف العلماء والمفكرين الاسلاميين فيها فإنها موجودة بالقوة في تعاليم ديننا الاسلامي ونحن أولى بها من كل العالمين.

 

ماذا عن رؤيتكم لظاهرة الإرهاب والتطرف التي تسود العالم العربي والاسلامي؟

 

ظاهرة الإرهاب والتطرف وليدة في نظري لحال الأمة المربك كما أنها وليدة فهم مجتزأ لنصوص الوحي وإخراج لها من سياقاتها الدلالية والتنزيلية. وهذا الفهم الخاطئ ليس وليد اليوم غير أنه وجد في عصرنا من يروج له بل ويعتبره مخلصا للأمة في وقت لا يظهر فيه المخلص. إن أفكار التطرف تبدو في أول الوهلة براقة جذابة لكن لا تلبث أن تخبو جذوتها كالعطشى “أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا”. إن المتطرفين كالغرقى في بحر لجي يتشبثون بأعواد حطب بالية؟ إنهم بذلك التشبث يقعون في ظلمات البحر ويهلكون يقينا. ظاهرة التطرف مصيبة كبرى، أرجعت الأمة نصف قرن الى الوراء، وتركت الجراح غائرة بين أفراد الأمة الواحدة، وأصابت الأمة في خاصرتها، ومزقت بلدانها وشعوبها شيعا.

 

حديثكم عن الإرهاب في عالمنا العربي والاسلامي يجرنا للحديث عن ظاهرة “الإسلامفومبيا”، كيف تنظر لهذه الظاهرة؟ وهل تعتقد أنها من تجليات انتشار الإرهاب في العالم الاسلامي؟ أم أن هناك دوائر خارجية تسعى لتشويه الإسلام والمسلمين؟

 

ظاهرة “الاسلامفوبيا” يمكن فهمها في سياقين اثنين، أحدهما ذاتي والآخر خارجي، فبالنسبة للسياق الداخلي يمكن أن نعتبر ما يقع للإسلام شبيه الى حد بعيد بمن يسرق ثم يدعى أن أباه هو من أمره بالسرقة، فالجرم مضاعف على هؤلاء الإرهابيين فلو أنهم فعلوا صنيعهم من أنفسهم لكان الأمر هينا، لكن المصيبة هي دعواهم أن دينهم أمرهم بهذا.

 

ذاك هو السياق الذاتي أو الداخلي الذى لا يمكن إنكاره ، فالناس إنما تعرف الإسلام عن طريق سلوك المسلمين، ولقد أحسن أحد المفكرين الغربيين عندما قال بعد إسلامه “الحمد لله أنني عرفت الاسلام قبل أن أعرف المسلمين”.

 

أما السياق الخارجي وهو سياق المؤامرة فلا يمكن استبعاده بأي حال من الأحوال ولكن يبقى السياق الذاتي أكثر وجاهة وبروزا.

 

ولقد قال تعالى للمسلمين يوم أحد “أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير”.

 

لا شك أنكم تتابعون التطورات السياسية التي تشهدها المنطقة كيف تنظرون لاستهداف ميليشيا الحوثي للمملكة؟

 

بالنسبة لنا نعتبر أن استهداف المملكة هو استهداف للحرمين الشريفين، وبلا شك فتلك خطيئة كبرى، شبيهة بأهداف وغايات المعرضين عن الحق من الكفرة الخارجين عن الملة، وقد قال تعالى “إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذى جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم”.

 

والواقع أن استهداف الحوثيين للمملكة ولأي نقطة بقاع العالم العربي لا يعني سوى التوغل الايراني في المنطقة ومحاولاتها المتواصلة لإرباك المجتمعات السنية، وهذا في الحقيقة أمر مقلق، لم يقتصر على اليمن بل وصلت مخاطره الينا في منطقة شمال وغرب إفريقيا، وهذا يعني بلا شك بداية زرع فتن طائفية تضعف مناعة المسلمين في وجه الحملات التبشيرية التي تفعل فعلها في أفريقيا مستغلة حالة الفقر والجهل التي تسود مجتمعات أفريقية كثيرة.

 

ما تقييمكم للعلاقات السعودية الموريتانية؟ ونظرتكم لحضور المملكة ودورها في العالم الاسلامي؟

 

بالنسبة للعلاقات الموريتانية السعودية فهي جيدة لله الحمد والعلاقات موصولة بين القائدين فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبدالعزيز وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز. فهذه العلاقات يمليها التاريخ الضارب في القدم والتأثر والتأثير المتبادل. فبعض السعوديين شيوخ علم للموريتانيين كما أن بعض الموريتانيين شيوخ علم للسعوديين. ولا يسعني في هذا المقام سوى الإشادة بالدفعة القوية للعلاقات الثنائية في هذا العهد وما تمخض عنها من تعاون وتطور للعلاقات على شتى المستويات. أما حضور المملكة العربية السعودية، في العالم فهو بارز ومشرف ويمليه موقعها ومكانتها في العالم الإسلامي، كما أن الأفكار والرؤى الجديدة سيكون لها بلا شك أثرها في مزيد من الحضور على المستوى الإسلامي والعالمي.