عن تغافل المثقف وتعاليه: أدونيس مثالاً / معاذ حسن

الشاعر “السوري” (أحمد سعيد أسبر) الملقب بـ”أدونيس”

ربما لا نغالي إذا قلنا إن الشاعر “السوري” (أحمد سعيد أسبر) الملقب بـ”أدونيس” الذي صدر له حتى الآن حوالي 64 أثرا إبداعيا وفكريا بين شعر ودراسة وبحث ومختارات وترجمة، هو واحد من كبار أعلام الثقافة العربية في القرن العشرين بكل ما يمثل وبكل ما أبدع حيث كان دأبه في ذلك دائما الجرأة والجدية والابتكار، لذلك فلعل أهم صفة يتميز بها كمثقف أنه مثقف إشكالي بامتياز، له من الخصوم بقدر ما له من المعجبين والأنصار. طبعا في إطار السجال الثقافي والفكري.

 

 

نزعة ثقافوية نخبوية متعالية

 

لكن هذا لا يمنعنا من ملاحظة نزعة ثقافوية نخبوية متعالية جدا تستبد به كمثقف كبير لا يعبأ كثيرا بالشأن العام الوطني والإنساني، حيث لا أدلّ على ذلك أكثر من مواقفه العدائية الشاجبة، والمتعالية دوما، لثورات الربيع العربي التي بدأت عام 2011. التي لا يرى فيها إلا عودة قوية للوراء عبر صحوة جديدة للإسلام السياسي والجهادي المتطرف.

 

لذلك فها هو يطل علينا بمقال جديد تحت عنوان “مقدمة لفهرس سياسي آخر” نشرته صحيفة “الحياة” بتاريخ 27 تموز/يوليو 2017 يحاول فيه تقديم جردة حساب لمنجزات هذه الثورات منذ بدايتها من خلال التأمل في نتائجها ومآلاتها الحالية على الأرض، فقط. وكأن مضمر مقالته يقول: ألم أقل لكم منذ البداية بشأن ما تعتبرونه ثورات، فقد حصل ما توقعته تماما.

 

متغافلا وليس غافلا، لأنه يعرف بالتأكيد، فهو يتعالى عن الإشارة إلى ضحايا حراك الربيع العربي الذي تجاوز مئات الآلاف من القتلى والمفقودين، وملايين المهجرين والنازحين، وكأنه يضمر في نفسه القول المأثور: “على نفسها جنت براقش”.

 

بل يختصر كل ذلك بقوله مخاطبا الربيع العربي: “أسّسْتَ الحاضرَ العربيّ على أساسَين: قاطِعِ رأسٍ، ورأسٍ مقطوع”.

 

 

 

صيغة تهكمية

 

بداية هو يسميها بـ”ثورات الربيع العربي” هكذا بين هلالين صغيرين كصيغة استنكارية على هذه التسمية. ثم يبدأ بتعداد منجزات هذه الثورات التي تتلخص بالعودة إلى أزمنة التخلف والتبعية وغياب الحريات الفردية وهدر الطاقات العربية.. إلخ. ليخلص في النهاية إلى القول:

 

“وأنت أيّها «الربيع «العربيّ» الخاص»، من أين لك

 

هذا الظلّ الوحشيّ.

 

تَعانَقَ العالمُ تحت نوافذك،

 

قال: كلّ شيء سيكون مختلفاً. وها هو، إذاً، هذا «الاختلاف»:

 

نساء تُباع، بشرٌ يُذبَحون. أسواقٌ تُدَمَّر وتُنهَب. متاحفُ تُسرَق وتُباعُ. مدنٌ تُسَوّى بالأرض ـ مآثرَ وعمارات.

 

 

انهيارٌ يبتلع الفضاءَ العربيّ

 

ونتيجة لتعاليه هذا فهو في الجزء الثاني من مقالته يتأمل نتائج هذه الثورات من خلال “بضعة أوراق – بلغت 24 ورقة – تتدحرج في الشوارع مع الغبار” كما يكتب. يعددها بأسلوب شعري جد متواضع. لكن أكثر ما استوقفني منها ورقتان:

 

الورقة رقم 3 التي تقول: “الحرُّ هو وحده الذي يقدر أن يحرّر غيرَه.

 

تحرّرْ، إذاً، قبل أن تدّعي التّحرير”.

 

والورقة رقم 16 التي تقول: “كان «الرّبيع العربيّ» مِسباراً يكشف عن طبقات الوعي. السّلطةُ هي نواةُ هذا الوعي. السّلطة التي تحوِّلُ الوردةَ إلى قنبلة، والعصفورَ

 

إلى لغم، والعسلَ إلى سُمّ، والسّمَّ إلى عسل.

 

إنّها السّلطةُ ـ الهاوية: ضدَّ الإنسان، وضدّ الثّقافة، وضدَّ الحياة.

 

«الاستعمارُ من داخِل»: ظاهرةٌ تفسِّر آليّةَ هذه السّلطة، خصوصاً في

 

انقيادها الكامل للاستعمار الخارجيّ.

 

صار هَدمُ الإنسان مزدوجاً: مِن داخِلٍ، ومن خارجٍ في آنٍ معاً.

 

وهكذا لبِس الاستبدادُ، في مختلف أشكاله، لَبوسَ الثّقافة العربيّة”.

 

ففي الورقة رقم 3 يشير فيها إلى فكرة أثيرة لديه طالما رددها منذ بدايات الربيع العربي حيث يعتبر أن تحرر العقول عبر ثورة ثقافية فكرية جديدة هي المقدمة والشرط اللازم لقيام ثورات مجتمعية حقيقية. وهذا يشير كما أزعم هنا إلى نزعة ثقافوية نخبوية متعالية لديه تريد تفسير حركة المجتمعات، بل وربما التاريخ بالثورات الثقافية أولاً.. متغافلا.. وليس غافلا لأنه يعرف بالتأكيد، أن ثورات أوروبا السياسية والاقتصادية والمعرفية العلمية المستمرة حتى اليوم، سبقها مخاض مجتمعي عنيف عاصف دام قرونا عديدة، منذ القرن الخامس عشر، وحركة أسفار فردية وجماعية واكتشافات بحرية وبرية هامة تلتها حروب أهلية طويلة ومذابح طائفية، وهجرات كبيرة.

 

أما الورقة التالية رقم 16 فهي تفضح التناقض الداخلي في تفكير (أدونيس) المثقف المتعالي عندما يقول إن مسبار الربيع العربي كشف عن طبقات من الوعي في المجتمعات العربية وأن “السّلطة” هي نواةُ هذا الوعي. السّلطة التي تحوِّلُ الوردةَ إلى قنبلة، والعصفورَ

 

إلى لغم، والعسلَ إلى سُمّ، والسّمَّ إلى عسل. السّلطةُ ـ الهاوية: ضدَّ الإنسان، وضدّ الثّقافة، وضدَّ الحياة.

 

فإذا كانت السّلطة الحاكمة هي علّة كل هذا الخراب وضد الإنسان والثقافة والحياة، فكيف وبأية آلية يمكن للفرد أن يتحرر أولا قبل أن يحرر غيره ويطالب بالحرية للمجتمع، وهل هو فرد نخبوي منعزل ومستقل، أم هو فرد جمعي؟

 

 

 

أدونيس المتغافل

 

يرى العديد من الباحثين والدارسين المختصين في علم الاجتماع أن الطغيان السياسي هو مشروع انفجار مجتمعي مؤجل ينتظر لحظة انطلاقه، كالبركان بفعل عوامل داخلية تتراكم وهي تؤسس لشرخ مجتمعي كبير يضعف مع الوقت حالة المجتمع السياسي القائم على الاستبداد، ثم يأتي عامل خارجي مؤثر ليحدث تماسا معها وتحدث لحظة الانفجار التي تقذف معها كل العفن المترسب في القاع المجتمعي طيلة عقود، إضافة لعوامل القهر السياسي والإنساني ما يؤدي ولا شك إلى ظهور حالة من الفوضى والدمار والمآسي قد تستمر طويلا. وهل كانت ثورات الربيع العربي إلا تمثيلا واقعيا حقيقيا لهذا الانفجار المجتمعي الكبير؟

 

أزعم أن “أدونيس” ليس بغافل عن هذه الحقيقة لكنه يتغافل. فهو باحث ودارس ومثقف كبير ومقيم منذ عقود في أوروبا بل في فرنسا تحديدا، وأفترض أنه مطلع بشكل جيد على تاريخ الثورة الفرنسية التي لا يختلف اثنان على أنها ثورة، فهل حدث أو يحدث في ثورات الربيع العربي عموما ما هو خارج عن سياق الثورة الفرنسية، على سبيل المثال لا الحصر، التي أكلت أبناءها بعد انتصارها في فترة إرهاب دموي على المقصلة في عهد أحد رجالاتها (روبسبير)، ثم عمت الفوضى العارمة في كل المجتمع الفرنسي ما استدعى مزيدا من الحكم الديكتاتوري بعد إقصاء الملكية، ثم تحالفت كل قوى الرجعية في الداخل مع أنظمة أوروبا الملكية الخائفة على عروشها ونجحت في إحداث ثورة مضادة نتج عنها عودة الملكية من جديد. مما نتج عنه فيما بعد الظاهرة البونابرتية في التاريخ السياسي والعسكري الحديث، وهو إنجاز يسجل للثورة الفرنسية في تاريخها وتحولاتها العديدة، لكن رغم كل الانتكاسات الآنية التي كانت تدوم سنوات للثورة الفرنسية، إلا أنها نجحت في النهاية بمثلها وأهدافها البعيدة فأنهت بلا رجعة أسلوب النظام الحكم الملكي المطلق في فرنسا، ومن ثم في كل أوروبا، مؤذنة بذلك بنهاية النظام الإقطاعي الأوروبي أيضأ.

مشكلتنا مع (أدونيس) أنه يقرأ ويتأمل الحدث في الربيع العربي بعقل ثقافوي نخبوي لا يستطيع أن يرى في الظاهرة أو الحدث.. أو هو لا يريد أن يرى إلا وجهها الظاهر. أو كما تتجلى في نتائجها الآنية فقط، ليقف عند هذه النتائج دون البحث أو السؤال عن المؤدي إلى ذلك أو الأسباب البنيوية الدافعة لما حدث، الذي برغم كل مآلاته الحالية الكارثية حقاً، إلا أنه أنهى إلى الأبد عهود الاستبداد والطغيان السياسي العربي كما كانت قبل 2011، وصارت حتى الأنظمة الملكية القديمة تجدد نفسها بآليات دستورية جديدة تتيح هامش ديمقراطي أوسع، وعموما فإن المآل النهائي ما زال بعيدا جدا، فالجموع التي نزلت إلى الشارع لن تعود بسهولة وها نحن نراها اليوم رغم كل ما حدث، تعود لتتظاهر بقوة في بعض دول الخراب ضد المسلحين الذين كانوا نواة وأداة الثورة المضادة فيها.

 

وهذا ما لا يريد أن يراه (أدونيس) لأسباب عديدة أختصرهما هنا بسببين رئيسين كما أفترض:

 

أولا: لأن ذلك يتطلب شجاعة أخلاقية ووجدانية عالية، قد لا يتمتع بها عموما المثقف النخبوي المتعالي الذي يراقب الحدث ويتأمله عن بعد، كما يجسده مثال (أدونيس).

 

وثانيا: ربما لأنه كان في سنين عهده الثقافي والسياسي الأول ينتمي سياسيا وعقائديا لفكرة حزبية ضيقة لا تعترف ثقافيا وسياسيا بفكرة العروبة والأمة العربية أساسا، لذلك ربما ما زال تأثير هذه الفكرة قويا عليه رغم انفكاكه الحزبي عنها منذ سنوات بعيدة، فربما بتأثير هذه الفكرة التي تنكر الأساس المجتمعي التاريخي والجمهوري الحديث لثورات الربيع العربي هو ينكر وجود ثورات ربيع عربي حقا.

 

                                                                                        *كاتب من سورية

https://www.alaraby.co.uk/diffah/herenow