فشل حفتر عسكرياً يفتح الطريق لوقف نزيف الدم.. هل يأتي الفرج لليبيا على يد ميركل؟

الصدى -عربي بوست/

بعد أن بات واضحاً أن الحرب في ليبيا قد وصلت إلى طريق مسدود، وفشل الحل العسكري الذي تبنته الأطراف الداعمة للواء المنشق خليفة حفتر، عادت الأمور في الساحة الليبية إلى المربع صفر مرة أخرى، وكان لابد من أن يتولى طرف محايد إطلاق عملية سياسية جديدة، فلماذا ألمانيا؟ وما هي فرص نجاحها؟
ما هو الموقف الآن على الأرض؟

في الرابع من أبريل/نيسان الماضي، اكتسحت قوات حفتر أجزاء واسعة من مدن غرب ليبيا، وقبل أن ينقضي الأسبوع الأول من الهجوم، وصلت قوات حفتر إلى ضواحي طرابلس بالفعل، وتحولت العاصمة مقر حكومة الوفاق المعترف بها دولياً إلى ما يشبه الفريسة التي تستعد لتلفظ أنفاسها الأخيرة.
لكن مع بداية الأسبوع الثاني من هجوم حفتر، وصلت الإمدادات من مدن مصراتة (200 كلم شرق طرابلس)، والزاوية (45 كلم غرب طرابلس)، والزنتان (140 كلم جنوب غرب طرابلس)، والتقطت العاصمة أنفاسها، وتمكنت من وقف الزحف القادم من الشرق، وتم تثبيت قوات حفتر.
بعدها بدأت قوات الوفاق استرجاع المناطق التي ضيعتها في بداية الهجوم، فتم تحرير العزيزية وبلدات ورشفانة جميعها، واستعادة حي السواني الاستراتيجي المحاذي للمطار القديم من الجهة الغربية. كما عملت قوات الوفاق على تقطيع خطوط إمدادات قوات حفتر، الطويلة والممتدة على ألف كيلومتر، براً وجواً، بل واستهداف قاعدة الجفرة الجوية (600 كلم جنوب شرق طرابلس)، مركز تحشيد الجنود والإمدادات، ما ضاعف معاناة قوات حفتر في الجبهات الأمامية بسبب نقص الوقود والمؤن والذخائر، بحسب تقرير لوكالة أنباء الأناضول.
قوات خليفة حفتر/رويترز
واليوم بعد أكثر من خمسة أشهر من القتال، لا يوحي وضع قوات حفتر بأنها في طريقها نحو «النصر القريب» الذي بشّر به اللواء المتقاعد منذ أكثر من شهر ونصف، بل إن المشهد العسكري يوحي بالعكس، إضافة للضغط الأممي والدولي الذي يزداد عليه، وفرنسا تتراجع خطوات إلى الوراء في دعمه، ومصر لا تريد أن تتورط في حرب استنزاف بليبيا، أما الإمارات فالأضواء مسلطة عليها بكثافة، ولا أحد يدري كم ستصمد في استنزاف رصيد «الميراث الأخلاقي» الذي تركه المرحوم الشيخ زايد، مؤسس الدولة.
موقف حفتر من المفاوضات
بعد أن كان حفتر يرفض الجلوس على مائدة المفاوضات، تغير الموقف جذرياً ووصل إلى أن نشرت صحيفة ليبراسيون الفرنسية منذ أيام تصريحاً أثار الكثير من الجدل.

«حفتر يشترط ضمانات لانسحاب محتمل من محيط طرابلس، ويريد ضمانات من القوى الحاكمة في طرابلس، ويطلب تعيينات في مناصب مهمة بالدولة»، تصريح خطير للمبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، يعكس حالة اليأس، والرغبة في إيجاد مخرج مشرف للواء المتقاعد خليفة حفتر، بعد سلسلة نكسات وهزائم منيت بها قواته جنوب العاصمة طرابلس، جعلت روحها المعنوية في الحضيض.
ورغم أن البعثة الأممية حاولت التملص من هذا التصريح الذي أثار ضجة إعلامية في ليبيا، بالتزامن مع تأكيد المتحدث باسم قوات الشرق أحمد المسماري، أن «حفتر لم ولن يفاوض يوماً على منصب»، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن قوات حفتر تترنح.
تكرر إخفاق حفتر/ رويترز
وسواء كان الكلام الذي نقلته ليبيراسيون على لسان غسان سلامة صحيحاً أو غير دقيق، فإن التحركات الدولية تؤكد أن المفاوضات على وشك أن تبدأ بالفعل، وبالتالي لم يعد أمام حفتر سوى التفاوض لإنقاذ نفسه وقواته من السيناريو الأسوأ.
لماذا ألمانيا؟
في ظل انخراط فرنسا وإيطاليا في الحرب الليبية بشكل مباشر والفوضى السياسية في بريطانيا بسبب بريكست، تقدمت ألمانيا لقيادة دفة الأمور في ليبيا.
وأمس الأربعاء 11 سبتمبر/أيلول، قالت المستشارة أنجيلا ميركل إن بلادها ستقوم بدورها لتجنب نشوب حرب بالوكالة في ليبيا، محذرة من أن الوضع هناك ينذر بزعزعة استقرار أفريقيا بأسرها.
وقالت ميركل في كلمة أمام البرلمان الألماني: «هناك وضع يتطور في ليبيا وقد يتخذ أبعاداً مثل التي شهدناها في سوريا.. ومن الضروري أن نبذل كل ما بوسعنا لضمان عدم تصعيد الوضع إلى حرب بالوكالة وستقوم ألمانيا بدورها»، مضيفة: ”إذا لم تستقر الأوضاع في ليبيا فإن استقرار المنطقة الأفريقية بأسرها سيتزعزع“.
وأعلن سفير ألمانيا لدى ليبيا أوليفر أوفكزا أن بلاده تهدف إلى استضافة مؤتمر حول ليبيا هذا العام بالتعاون مع الأمم المتحدة لمحاولة إرساء الاستقرار، وقال دبلوماسيون لوكالة رويترز إن هذه الخطط التي لا تزال في مراحلها الأولى هي أول مسعى دبلوماسي كبير منذ أن شن حفتر هجومه على طرابلس في أبريل/نيسان.
وقال أوفكزا على تويتر؛ ”بدأت ألمانيا من أجل ذلك عملية تشاور مع أطراف دولية رئيسية. ومع وجود أعمال تحضيرية كافية، قد تقود هذه الجهود إلى حدث دولي مهم هذا الخريف“. وذكرت مصادر دبلوماسية أن المؤتمر سيعقد في برلين في أكتوبر/تشرين الأول أو نوفمبر/تشرين الثاني.
مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة كان قد أعلن في الشهر الماضي عن خطط لعقد مؤتمر دولي بشأن ليبيا يضم القوى الأجنبية التي تدعم الجماعات المتناحرة على الأرض دون أن يحدد مكان الانعقاد.
ويقول دبلوماسيون نقلاً عن سلامة إن بمقدور ألمانيا القيام بجهود وساطة حيث ينظر إليها على أنها طرف محايد في الصراع على عكس فرنسا وإيطاليا اللتين تتنافسان على النفوذ ولهما مصالح في قطاعي النفط والغاز في ليبيا.
وقال المحلل الليبي عماد بادي لرويترز: ”ألمانيا فكرة جيدة نظراً لأنها لم تشارك فعلياً في دعم أي طرف في الصراع، وكذلك لما تحظى به من نفوذ في الاتحاد الأوروبي وما وراءه“.
المبعوث الأممي غسان سلامة في لقاء سابق مع خليفة حفتر/ رويترز
ويقول دبلوماسيون إن هدف المؤتمر سيتمثل في دفع الأطراف الخارجية لتنفيذ حظر قائم على السلاح، وكذلك تطبيق وقف لإطلاق النار كي يتمكن الليبيون من إجراء محادثات بشأن المشاركة في السلطة وتنظيم انتخابات في نهاية المطاف.
ويأتي تمديد مجلس الأمن الدولي لمهمة سلامة وفريقه في ليبيا حتى سبتمبر/أيلول 2020 وإعطاؤه المزيد من الصلاحيات كإشارة أخرى على جدية المسعى الذي تقوده ألمانيا من أجل وقف نزيف الدم في ليبيا.