فيلسوف فرنسي: هيمنة المنطق القَبَلي على المجتمع الحداثي في زمن الإنترنت

الصدى – الصحراء اليوم

الصورة من المصدر :الصحراء اليوم

كتب جان – لوران كاسلي مقالة مطولة نسبيا حول عالم الاجتماع الفرنسي ميشال مافيزولي تم نشرها بالمجلة الالكترونية “Slate.fr” بتاريخ 09- 05- 2014. قبل الشروع في عرض مضامين هذه المقالة، أرى أنه من المناسب تقديم بعض التوضيحات بشأن أبرز المثقفين الداعمين المؤسسين للمجلة الناشرة للمقال، من أبرز هؤلاء جاك أتالي مؤلف كتاب “كارل ماركس أو روح العالم” الصادر بباريس عن دار النشر فايارد سنة 2007. كما نذكر منهم إريك لوبوشي أحد الصحافيين الفرنسيين المرموقين.

بالنسبة لعالم الاجتماع الفرنسي، مافيزولي، المتخصص في سوسيولوجيا “القبائل”، لا تدرك النخب جيدا حركية المجتمع ولا التطلعات الجماعاتية لأعضائه. فثرثرة الصحافيين والسياسيين والموظفين السامين و”الخبراء” لا تسترعي اهتمام عدد كبير من الناس. لكن ماذا عن ثرثرته هو؟

“لم يعد المجتمع هو الذي سوف يسود؛ بل القبائل. ليس المقصود هنا المجموعات الكبرى، بل بروز مجموعات صغرى تجمع بينها تفاهمات عميقة؛ موسيقية، جنسية، دينية، رياضية، الخ. فما بعد الحداثة هي القبائل زائد الإنترنت، إنها تركيب من تقليد القديم والتطور التكنولوجي .”

هذا على  كل حال ما شرحه لي ميشال مافيزولي. وبكل صراحة، هذا ما ظل يشرحه منذ ثلاثين سنة. عند عودتي من الضفة اليسرى التي يسكن بها، أخبرني زملائي المرتبطين بالأنترنت بأنه يوجد فوق رصيف افتراضي لتبادل الصور يدعى “انستاغرام” قنفد صغير يسمى “بيددي”، متبوعا ب 342 ألف و514 معجبا لأنه يظهر في أوضاع مضحكة .

يبدو كذلك أن بيددي نوع من الحيوان الطوطمي الذي يجمع فيما بين أعضاء جماعة افتراضي . عندئذ اعتقدت أن ميشال مافيزولي معه – ربما – الحق في ما قاله عن ما بعد الحداثة والقبائل الجديدة .

في كتابه “التقليدانيون الجدد”، الصادر خلال هذه السنة، والذي شاركت في تأليفه زوجته هيلين سترول بفصل أفردته لـ “قبيلة” الموظفين السامين، كتب عالم السوسيولوجيا ما يلي: “الفكر المناسب رسميا لعصره (…) تم اجتثاثه من الحياة اليومية. بهذا المعنى، عليه، أحيانا، أن يفكر ضد ذاته. بهذه الطريقة يستطيع اجتناب التجريد والحذلقة كما يستطيع أن يكون واقعيا.”

ونظرا لكونه ميالا لاستعمال التعابير اللاتينية بكثرة وعرضة للنقد بسبب أسلوب كتابته، تكون الفرصة مواتية جدا لنا لنطالب بأن نخوض معه  لعبة التحديد الواقعي، فنسأله عن معنى ما بعد الحداثة  .

التعريف الذي يعطيه اياها مافيزولي هو كالتالي؛ إذا كانت الحداثة عقلنة معممة للوجود حسب ماكس فيبر بناء على ثلاثية العقل والعمل والتقدم، مثلما يذكر ميشال مافيزولي، فقد أخذت هذه القيم في التلاشي لتحل محلها قيم أخرى .

لم يعد العمل بكل بساطة هو القيمة الكبرى السائدة، بل الإبداع الذي يعني أن تجعل من حياتك تحفة فنية. لهذا أصبحنا نرى كيف أن النوعي لدى الأجيال الشابة صار مهما. لسان حالهم يقول “لم تعد لي رغبة في فقدان حياتي بالعمل على كسب القوت”. ليس المهم التصرف على هدي العقل السيد، بل المهم هو العقل والحواس في وقت واحد، إلى جانب الانفعالات الجماعية (رياضية، موسيقية، استهلاكية، الخ).

ميشال مافيزولي، السوسيولوجي المتخصص في المخيال واليومي، صاغ نظريات أوحت لطلبة كثر بأعمال بحثية حول الموسيقى التكنو وأشباهها الاحتفالية، عشاق المعدن الخفيف، جماعة كاي، الثقافات الحضرية الصغرى الهامشية أو حول عشاق ألعاب الفيديو على الانترنيت .

ففي باريس الخامسة حيث كان يشير في محاضراته الى هذا الحب الغريب والهامشي، تعرض بسبب ذلك لنظرات مشبوهة .

لقد كان المافيزوليون مثار فضول وقلق في وقت واحد. لكن مافيزولي لم يكن يقبل أن تنعت مواضيعه وأبحاثه بالهامشية.

يقول مافيزولي؛ “لنأخذ التكنو؛ عشاقها يقولون كراشدين ما لا أستطيع (…) قوله لكنه يجذبني. يقولون كراشدين ما هو معيش من قبل القاصرين. هؤلاء اذن ليسوا مهمشين لكنهم (يمثلون) شكلا مهيجا (…) هذا ما لا يريد رؤيته الرأي المعمم.”

– قبائل في كل مكان، جمهورية لا أثر لها

“في الجامعة -يقول- كنت الى حد ما طلائعيا، وهذا كان يخيفهم… والآن يستعيدون أفكاري! بالعكس في عالم المقاولة والدعاية، عندئذ كل ما قلته عن القبائل كان صحيحا “.

منذ ظهور الTotoo ، نوع من التيلفون المنيوذ مسبقا، كان له كشعار “ابقوا مع قبيلتكم”. في سنة 2003، بث أرديسون في زمن الذروة على فرانس2 برنامجه “قبائل”، المخصص لهذه الجماعات المتقاربة التي حولها تعيد المجتمعات من الان تشكيل ذاتها. لكن ذلك سوف يكون مآله الفشل.

في مقال حول استعمال مفهوم القبيلة في الماركوتينغ نشر في 2002، كتب برنارد كوفا أن “القبيلة” كانت منذ ذاك مستعملة في الصحافة “لأجل الإشارة الى جماعة من الأصدقاء، نادي من المشجعين (…)، طائفة من عشاق الموضة (قبيلة “التكنو”)، un look أو اسلوب في الحياة. حتى الأسر تصبح قبائل عندما تلتئم بعد الطلاق”.

في المنعطف بين القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين، تساءل اختصاصيو الماركوتينغ عن كيفية التوجه الى رواد أسواقهم، الذين تبدو ثقاقتهم ومواقفهم أكثر فأكثر تخصصا؛ تم إذن ادراك الاتجاه الى “ماركوتينغ القبيلة” كمقاربة مجددة. منذ ذلك الحين، تحولت الإحالة الى موضة.

– الجمهورية الموحدة غير القابلة للتقسيم أصبحت وراءنا

ميشال مافيزولي مقتنع بأن تطورات المجتمع الفرنسي تحكم بصحة حدوسه التي طورها في “زمن القبائل” المنشور لأول مرة سنة 1988، مع هذه الاستعارة المأخوذة عن الاثنولوجيا؛ استعارة رغبة في تجاوز الفردانية.

“استعارتي -يقول مافيزولي- حول القبيلة هي أني وجدت نوعا من الانشراح في الجماعة، في الفريق. كان من الصعب التفكير في ذلك لأن في نظامنا الجمهوري القديم، كانت الكلمة التي يستعملها الساسة والصحافيون هي “الروح الجماعية”، ولقد وجدنا أن ذلك ليس طيبا، الروح الجماعية تجعلني فعلا سجين جماعة.”

وعوض الحديث عن روح جماعية، أقترح المثال الجماعتي، بمعنى انه يتعين علينا اليوم أن نسجل هذه الواقعة وهي أن هناك فسيفساء، وأن الجمهورية لم تعد موحدة وغير قابلة للتقسيم، كل جزء سيحتفظ بتشكيلته، بلونه، ببنيته، ومع ذلك سيتراص هذا البناء، وهذا ما نحن بصدد تعلمه الآن.

– بيدي القنفذ، ذكرته لكم.

راهنا، يبدو ان موضوعه المفضل هو الـ couchsurfing الذي يعكف مختره الـ(CEAQ)  على دراسته. إنه “شكل من الضيافة في القرون الوسطى، لكن مع الانترنيت. يعني العيش سويا. لدينا شبكة بعيون واسعة لا تسمح برؤية ذلك.”

تستهويه أداة التصدير co – التي تستعمل حاليا في كل أنواع المرق؛coworking, cocréation ، الخ…

“إنها الcum  التي تعني “مع” باللاتينية -يقول عملاقنا- وهذا يعني بالنسبة لي أن هناك طريقة أخرى للتفكير في الاشتراك، لم تعد أبدا الأجهزة المختصة الآتية من فوق هي التي سوف تنظم ذلك، بل بالحرى شيء يأتي من أسفل، هذا ما أقصده بالقبائل.

– النخب المتقاربة

لكن كتابه الأخير “صائبو الرأي الجدد” لا يتحدث عن القبائل بقدر ما يتناول الهوة المتنامية بين النخب وبين أولئك الذين يفترض فيها تمثيلهم.

بعد قضية Dieudonné ، التي كشفت للمرة الألف عن الهاوية الموجودة بين وسائل الاعلام المستنكرة عن آخرها وجزء كبير من الرأي (العام)، لا يمكن الا أن نسيخ السمع لهذا النقد الصارم للخطابات التي يفترض فيها صنع الرأي والتي غالبا ما تبدو على أنها تدور في الفراغ، أو أنها لا تلقى الا من أجل تبادل الطمأنة.

يقول مافيزولي؛ “لم نعد نعرف قول الكلمات المناسبة. بقينا نلوك الكلمات القديمة من القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ “جمهورية”، “عقد اجتماعي”، “مواطن”، “ديموقراطية”، انه لمن الممتع ان نرى كيف نستعمل في كل الخطابات هذه الكلمات دفعة واحدة، علماء الاثنولوجيا من جهة أخرى يشرحون ذلك؛ الرقية في القبائل البدائية، هي واقعة التغني بأشياء ليسوا مقتنعين بها. هذا لم يعد صالحا، لكننا نقوله، نقوله، نقوله؛ وهنا يصبح من المدهش سماع هذه الكلمات؛ “جمهورية”، “جمهورية”، “جمهورية”، “ديموقراطية”، “ديموقراطية”، “ديموقراطية”، لكن هذه رقى لم تعد حقا مناسبة لما هو معاش”.

“ثرثرة الصحافيين والسياسيين والموظفين السامين و”الخبراء” لا تهم عددا كبيرا من الناس”، يكتب مافيزولي فضلا عن ذلك وهو يسجل بدون أدنى شك نقطة نظام.

“هذا ما قاله ماكيافيل في “الأمير”؛ هناك فرق بين فكر الساحة العامة وبين فكر القصر.”

بين ” الشعب، أي في النهاية الناس الذين يعيشون، الانسان بدون مزية” والنخبة المفترض فيها بالضبط  “التحدث” و”التصرف” باسمه.

لماذا هذا الاختلال، هذه المفارقة التاريخية، هذا التباعد؟

“المدهش مع ذلك، اذا اردت التعبير عنه بطريقة عالمة، هو ان هناك زواجا لحميا (بضم اللام)endogamieفي الهواء.”

وبطريقة غير عالمة؟ طيب، انهات تقريبا (House of Cards) الواقعة على اليسرى حيث يقيم مافيزولي نفسه.

“هنا الرقاد جنبا الى جنب، هو ذا. وفي الدوائر الخامسة والسادسة والسابعة، لديكم السياسة، التي هي الصديقة الصغيرة للصحافي، الذي هو نفسه متورط في هذه الوضعية… عندما يتحدث علماء الاثنولوجيا عن الزواج اللحمي، فهم يبينون أن ذلك في العمق يفقر الدم وانه ينتج شريحة (اجتماعية) معزولة، إذن ها هو جوابي على سؤالكم؛ انهم لا يرون شيئا، لسبب وجيه وهو انهم يعيشون مجتمعين. يا لها من علاقة جنسية!”

ضرب لنا مثال فرانسوا هولاند، الذي لم نتصوره بالضرورة وجها رمزيا لهذا “الفيمابينهم” الجنسي.

“لدينا كاركاتير السياسي الموجود برفقة صحافي وممثلة كوميدية، نكون باختصار امام مقطع من العينة؛ عن طريق جزء صغير من الجلد يمكن قراءة سائر الجسد الاجتماعي… إنه ليس بطبيعة الحال الوحيد، ولا أقول هذا عنه خصيصا، لكن هذا يخلق نوعا الفيمابينهم.”

– الآن يمكن لي أن أتحرر

عندما التقينا، نهاية يناير، أكد ميشال مافيزولي ذلك؛ “سوف آخذ تقاعدي قبل شهرين ومن ثم سوف أتحرر”. بعض المقاطع المشحونة تعطي الانطباع بتصفية الحساب. أمام هذا الاتهام يدافع عن نفسه.

“كلا، تصفية الحساب تكون عندما يكون هناك نزاع مع الشخص؛ أردت تناول صور رمزية. أولئك الذين كان معهم نزاع نزعوا الى اعادة القراءة…”

الأكيد هو أن ترقياته المرفوضة، مثل ما صنع المعهد الجامعي لفرنسا مع دعمه لفاليري بيكريس، جنت على ميشال مافيزولي أن يحاط تدريجيا بقبيلة كبيرة من العداء من الحرم الجامعي. “أه… حالة مافيزولي!”، هو ذا ما يقوله مثلا أحدهم عندما يسأل عما يجول في خاطره عن الباحث.

لا ينبغي البحث مطولا من أجل العثور على أساتذة أو باحثين لا يخفون رفضهم، أحيانا بعبارات قاسية، هذه الشخصية. العريضة التي واجهت تعيينه بالمجلس الاداري للمركز الوطني للبحث السوسيولوجي والتي تقدمه باعتباره “معروفا باتخاذه لمواقف لاعقلانية ولاعلمية”، جمعت 3000 توقيعا.

– لماذا كا هذه الكراهية؟

في 2001 ،بعد أن كان عالم الاجتماع مهمشا في شعبته، عاش أطوار قضية إيزابيت تيسييه وهي منجمة إعلامية أعدت تحت اشرافه أطروحة حول العلاقة بين وسائل الإعلام وعلم التنجيم، وليست أطروحة حول علم التنجيم كما قال خصومه.

عند صدور كتاب مافيزولي ؟Sarkologies,pourquoi tant de haines، كتب الباحث السوسيولوجي لوران ميتشيللي قائلا: “”سوسيولوجياه” خطاب بسيط يمزج الأسلوب الأدبي بأسلوب المقالة السياسية”. في الساحة السوسيولوجية الفرنسية، تؤخذ فرصة الكتابة بـ “الأسلوب الأدبي” كنقد مدقع.