في “فضيحة إبدال الهروين بالجبس” / محمدٌ ولد إشدو

محمدٌ ولد إشدو/ محامي

من المسلمات البديهية أن “العدل أساس الملك” وبه تقوم السماوات والأرض، وتستقر وتنمو وتزدهر الدول والشعوب. وبدونه تنتشر الفوضى وتندلع القلاقل والحروب، فتفسد الأرض، وتقلع السماء. والعدل هو الحكم بين الناس بالقسط في دولة قانون.

ورغم إيماننا الراسخ في موريتانيا بهذه المسلمات، فإن حقائق ثابتة ومتأصلة، ما تزال ماثلة للعيان وشامخة كالجبال؛ وهي:

  • أن جميع محاولات إصلاح العدالة قد باءت بالفشل؛ وبالتالي فإن الإصلاح الذي نتوق إليه، والازدهار والنماء والتقدم الذي نحلم به ونعمل من أجله، سيظل في كف عفريت ما لم توجد سلطة قضائية صالحة.
  • أن الإنسان الموريتاني الفاعل الذي أنجبته عقود ما بعد حرب الصحراء وانقلاب يوليو لا يؤمن بالعدل ولا يطمح إليه ولا يحتاجه؛ بل يؤمن فقط بالقوة والحيلة والواسطة لبلوغ هواه وانتزاع حق غيره.
  • أن دوائر في الأمن والقضاء والإعلام لا تكتفي بعدم القيام بواجبها الذي هو إقامة العدل؛ وإنما تعمل جاهدة – بوعي وبغير وعي- على طمس الحق وإحقاق الباطل؛ وبذلك فإنها تعمل على وأد بصيص أمل العدل والإنصاف الذي يلوح من حين لحين.

من هنا أستطيع كشاهد عيان أن أعرض حقيقة ما نددت به بعض المواقع “الإعلامية” واعتبرته منكرا و”فضيحة تبديل الهيروين بالجبس”!

  وإليكم القصة كاملة: منذ عهد غير بعيد نصب ضباط في الجيش “كمينا” لرجال أعمال من لاجئي عرب أزواد وابتزوهم بدعوى أنهم مطلوبون من طرف الشرطة الدولية بتهمة تهريب المخدرات. وقد حصلوا منهم على فدية ما.  وبعد ذلك بأشهر نشأت صداقة عابرة بين شاب من تلك الجهة وُرّط في تلك العملية مع شاب من أحد أسلاك الجيش. وفي أحاديثهما حول الشاي في بيت العسكري الموريتاني حدثه الأزوادي عن محنته الرهيبة التي تعرض خلالها للخطف والتعذيب والابتزاز.

وتحت ضغط الحاجة والراتب الزهيد وثقافة الاستهلاك المنتشرة وانعدام الوازع أيا كان.. حاول الموريتاني تقليد كبرائه فاشترى  كمية من الجبس خلطها ووضعها في أكياس بلاستيك واقتنى مكتبا خشبيا من سوق التبتابة بمبلغ زهيد و”اكتتب” عناصر يعرفهم من ذوي السوابق ألبسهم زيا رسميا وأخذ يتحين الفرصة لاقتناص رجل أعمال أزوادي معين كي يحصل منه على فدية مماثلة. ولكن صديقه الأزوادي الذي علم بما يدبره صاحبه من أمر عارض الفكرة بشدة وثناه عن الاستمرار فيها. وعندها رمى العسكري الغافل كيس الجبس في “الحوش” وباع المكتب وسرح عناصره، فظنوا أنه نفذ العملية من دونهم وانفرد بالفدية دون أن يعطيهم نصيبا منها، فبلغوا عنه. وقد اعتقل هو وعناصره وزوجته الأجنبية وصاحبه الأزوادي الذي ادعى هو تحت التعذيب الشديد أنه شريكه. وانتزعت منهم اعترافات كاذبة تحت التعذيب والتهديد وتمت إحالتهم إلى النيابة التي أحالتهم يوم 23 /5/ 017 إلى التحقيق بتهمة “حيازة المخدرات ذات الخطر البالغ، والتجمع والتمالؤ من أجل تهريبها…” وطلبت إيداعهم، فأودعوا السجن نفس اليوم.

وبدأ التحقيق في القضية. كان من المألوف أن تضل الضبطية القضائية والنيابة أيضا. ولكن قضاء التحقيق هو المعول عليه أن يراقب ويمحص ويصلح ما اختل حتى يتم ظهور الحقيقة فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بينة. ولذلك أدواته القانونية الإجرائية المحددة.. وله فيه واسع النظر. غير أن أمرا غريبا حدث فجأة حين طلبت النيابة من قاضي التحقيق في طلب غير مؤرخ وصل إلى ديوانه في اليوم الموالي (24 /5/ 017) إصدار أمر عاجل بإتلاف المحجوز. فأمر لها بذلك في نفس اليوم بواسطة أمره رقم 481/ 2017.

حينها استشعر دفاع بعض المتهمين الخطر فبادر – حماية لحقوق موكله- إلى استئناف ذلك الأمر والمطالبة بوقف تنفيذه من جهة، وبمطالبة ديوان التحقيق باتخاذ إجراءين قانونيين هما: إجراء خبرة قضائية على المادة التي يؤكد المتهمون بحيازتها  أنها مجرد جبس ولا علاقة لها بالهيروين الذي لم تعرفه بلادنا قط، وإجراء فحص طبي لمعاينة آثار التعذيب الذي تعرض له المتهم من جهة أخرى. وكلا الإجراءين ينص عليه ويكفله القانون في الفقرة الأولى من المادة 159 والفقرة الأخيرة من المادة 60 من ق.إ.ج والمواد 33، 34، 35 من القانون 37/93 المتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية.

وقد رفضت غرفة الاتهام بمحكمة الاستئناف طلب الدفاع “مع التأكيد على تطبيق كل ما جاء في المادة 34 من قانون المخدرات، وخاصة أخذ العينات من كل وعاء من الكمية بحضور المتهم أو شاهد” وهو أضعف الإيمان. لكنه لا يَعقِل يد النيابة عن إتلاف المحجوز. ولم تعبأ به النيابة أصلا.

بينما رفض قاضي التحقيق على فضله واستقامته طلبي الدفاع المذكورين بحجتين غريبتين هما:

  • أن الضبطية القضائية مؤتمنة وقد قامت في مخبرها بفحص المحجوز وأكدت أنه هيروين. وهذا القول مخالف لمبدئي “لا يصدق أحد على دعواه” و”أن الدليل متى تطرق إليه الاحتمال سقط منه الاستدلال”. وكذلك لنصوص المواد 159 وما بعدها آنفة الذكر، وما تكرسه الفقرتان الأولى والثانية من المادة التمهيدية من ق.إ.ج من وجوب “أن تكون الإجراءات الجنائية عادلة وحضورية وتحفظ توازن حقوق الأطراف” ومن “الفصل بين السلطات المكلفة بالدعوى العمومية والسلطات المكلفة بالحكم” والمواد 33، 34، 35 من القانون 37/93 المتعلق بالمخدرات.
  • وأن آثار التعذيب حتى وإن وجدت (وكانت موجودة فعلا) فإنه لا يوجد ما يثبت مصدرها. وهو قول مخالف لمبدئي “الشك يفسر لصالح المتهم” و”لا يعتد بالاعتراف المنتزع تحت التعذيب أو العنف أو الإكراه” اللذين تكرسهما المادة التمهيدية من قانون إ. ج. وكذلك لنص الفقرة الأخيرة من المادة 60 من نفس القانون آنفة الذكر التي تمنح هذا الحق لكل متهم قبض عليه.

وقد استأنف الدفاع أمر قاضي التحقيق فأكدته غرفة الاتهام استجابة لطلبات النيابة رغم ما فيه من عيوب وخرق سافر للقانون. لقد عجزت المؤسسة القضائية إذن عن إظهار الحقيقة وإنصاف المتهمين رغم وضوح وصراحة الآليات القانونية التي تضمن ذلك. وأصبحوا معرضين للإدانة بالسجن ثلاثين سنة على فعل لم يتأكد بالبينة القاطعة أنهم ارتكبوه. وهذا عين الظلم ونكران العدالة. وعقب الدفاع قرار غرفة الاتهام وهو في قمة اليأس والإحباط من عدالة لا تطبق القانون ولا تحترم الدفاع ولا حقوق الدفاع؛ وبالتالي لا تحترم نفسها.

وفي تلك الأثناء قيض الله من أمر النيابة بعدم إتلاف المحجوز وتشديد الحراسة عليه حتى تستنفذ الإجراءات القضائية.

وعلى مستوى غرفة مشورة المحكمة العليا برئاسة القاضي محمد الغيث بن عمار كانت المعجزة حين صدر قرارها رقم 303/ 017 بتاريخ 19 /7/ 017 القاضي بـ”الأمر بعدم إتلاف المادة المحجوزة وإجراء خبرة عليها”. وهذه حيثيات تسبيب القرار:

“أن القرار المعقب جاء خارقا للنصوص منتهكا لحقوق المتهم في التحقق من شرعية العقوبة التي ستسلط عليه في حالة ثبوت التهمة ضده لقَصْرِه البحث عن أدلة الإثبات دون أدلة النفي المكلف بالبحث عنها في المادة 73 من ق.إ.ج

وحيث إنه من شروط الدليل أن لا يتطرق إليه الاحتمال، لأن تطرق الاحتمال إليه يسقط منه الاستدلال.

وحيث إن الشك في شرعية الدليل لا ينتفي إلا بالتأكد من حقيقته ونوعيته إن كان لذلك محل؛ وهو ما نصت عليه المواد 33، 34، 35 من القانون 37/ 93 المتعلق بالمخدرات والمؤثرات العقلية، كما أفرد له المشرع قسما تحت عنوان “الخبرة” من المواد (159 إلى 168) من ق.إ.ج

وحيث إن التهم المسندة للمتهمين يصل حدها الأعلى إلى 30 سنة، ومن نافلة القول أن المبادئ القانونية والقواعد الشرعية متفقة على أنه “كلما عظمت العقوبة أخذت الحيطة في الدليل”.

ترى كيف غاب هذا التسبيب القانوني البسيط الواضح الذي ظل يرتله الدفاع على مسامع الجميع عن أذهان قضاة النيابة وقضاة الحكم المحترمين؟ وأنى يكون لهم أن ينفصل بعضهم عن بعض حسب ما نص عليه القانون حتى يتمكنوا من أداء المهمة التي خلقوا من أجلها؟ ومتى تكف النيابة الموقرة عن تسيير قضاء الحكم، ويكف قضاء الحكم الذي لا يخضع لغير القانون عن قابليته للتسيير؟ ولمصلحة من يكرس الظلم ويحمى التعذيب ويصنف الجبس هروينا؟

وتنفيذا لهذا القرار العادل تم إجراء خبرتين؛ إحداهما وطنية بواسطة المخبر الوطني لمراقبة جودة الأدوية وأخرى دولية في فرنسا خلصتا إلى ما يلي: “تفيد نتائج فحوص العينات التي تم أخذها لغرض التحليل عدم الكشف عن وجود أي مخدرات من نوع الهيروين أو الكوكايين أو القنب أو الأمفيتامين أو الميثامفيتامين في المساحيق الثمانية موضوع البحث”.

وعلى أساس هذه الخبرة أصدر قاضي التحقيق أمره رقم 759/ 2017 بتاريخ 19 /9/ 2017 “بأن لا وجه للمتابعة في حق المتهمين… فيما يتعلق بتهمة حيازة المخدرات ذات الخطر البالغ، والتجمع والتمالؤ من أجل تهريبها”!

خمسة مواطنين اعتقلوا وعذبوا وقضوا نحو أربعة أشهر في السجن، وكادوا يقضون نصف أعمارهم فيه بسبب خطأ قضائي ألصق بهم تهمة باطلة كان من السهل اكتشاف بطلانها. ولما ظهرت الحقيقة وبرئوا ظلت بعض المواقع مصرة على إدانتهم بغيا وعدوانا دون أدنى بينة أو تبين في الأمر.. فأي إعلام هذا، وأي داع لوجوده؟