في لُعبةِ التطرفِ والغباء؟ / زكية حادوش

زكية حادوش / كاتبة مغربية

أرسل إلي أحد الأصدقاء خبرا عما يسمى بلغة “الفيسبوكيين” ب”ترول” (Troll). في تعبير أجداد الأنجلوساكسونيين، فهذا الكائن هو من الكائنات الخرافية التي تقطن الغابة ويقابلها عند أجدادنا “الغول”.

لكن في مصطلحات الإنترنت الجديدة، يطلق “ترول” على كل شيء يهدف إلى خلق جدل محتدم أو “بوليميك” في أوساط مرتادي شبكات الاتصال الاجتماعية، حول موضوع خلافي أو شخص مثير للجدل.

بعد هذا التعريف الذي لا بد منه بالنسبة لمن ليسوا من سكان العالم الافتراضي، لا مناص من الحديث عن ذلك “الترول” الذي انتشر بسرعة البرق وجعل اليمين النرويجي المتطرف محل سخرية على “فيسبوك”. إذ أثارت الأسبوع الفارط صورة منشورة من طرف “جوهان سلاتافيك” جدلا واسعا وسط مجموعة “الوطن أولاً” النرويجية. وتوالت التعليقات المعادية للهجرة وللمسلمين والإسلام، كل حسب هواه، على تلك الصورة التي صاحَبها سؤال: ما رأيكم في هذا؟

أصحاب نظرية الحفاظ على الهوية المتشددون اعتبروا الصورة “مقززة” و”مقلقة” و”خطيرة” لأنها تظهر، حسب زاوية نظرهم، نساء منقبات (وبالتالي مسلمات) “قمن بالاستيلاء” على حافلة. لذلك، بالنسبة لهؤلاء، وجب تدخل الدولة لمنع النقاب وربما الحجاب، ولم لا المسلمين جميعهم على التراب النرويجي؟!

من حق أي شخص التعبير عن وجهة نظره وموقفه من قضية بأهمية “نكون أو لا نكون”، لكن تبقى دائما وجهة نظر. وأحيانا قد يخطئ النظر، وقد يحتاج إلى نظارات مصحِّحة، خصوصاً عندما تدفع الأحكام المسبقة والاندفاع الأعمى إلى الخلط بين النساء وكراسي الحافلة!

أجل، القضية برمتها لم تكن حسب صاحبها سوى مقلب موجه إلى اليمين المتطرف، لفضحه والسخرية منه على الملأ، الذي يعني في هذا الزمان الكرة الأرضية بأسرها. إذاً لم تكن النساء المنقبات سوى كراسي حافلة، ومن صدق أنهن مسلمات جالسات في الحافلة هو حتما من “الأغبياء”. وكما يرى صاحب المقلب (أو الترول) ومعه أصحاب كل فكر حر، فالغباء والتطرف متلازمان.

أضيف أن غسيل الدماغ المرافق لأي إيديولوجية متطرفة يجعل الفرد والجماعة التي ينتمي إليها لا يميزون بين الإنسان والشيء، بين الصورة الحقيقية والصورة المزيفة، أو المصطنعة، بين الطريق السالك إلى الحقيقة والطريق المختصر الذي يؤدي إلى الكوارث، أقلها أن نعادي الآخر ونكرهه كرها أعمى بسبب جسده أو مظهره أو فكره أو معتقداته، وأكثرها إثارة للشفقة أن نكون مدعاة للسخرية من طرف العقلاء، ونثير زوبعة في فنجان قهوة فقط لأننا نحتاج إلى نظارات لتقويم رؤيتنا!

 

المصدر: