كيف يتم التلاعب بالديمقراطية في موريتانيا؟ / بون ولد باهي

بون ولد باهي / كاتب موريتاني

تاريخيا كان هناك افتراض سائد مفاده أن أنظمة الحكم العسكرية والشمولية لا تجازف بإجراء الانتخابات، كما أنها لا تلجأ إلى استفتاء الشعب في أمر من أمور الحكم والسياسة، وذلك لسببين على الأقل، السبب الأول ويتمثل في التعارض الحاصل بين المجال المدني الذي هو السياسة والمجال العسكري الذي هو الدفاع والأمن. والسبب الثاني ويتمثل في اختلاف التقاليد الديمقراطية عن التقاليد العسكرية.

فالديمقراطية تقوم على المشاركة والتوافق والحوار والتفاعل، بينما العسكرتارية تقوم على الأبوية والتراتبية الهراركية وثقافة الأوامر الصارمة.

الملاحظ الآن هو اختفاء التعارض ما بين الديمقراطية والعسكرتارية على الأقل في بعض البلدان التي لا تزال محكومة من العسكر بقبضة من حديد مثل موريتانيا التي تعرف أزمة سياسية خانقة بين أحزاب المعارضة والمجتمع المدني وانقلابيي 2008 من عسكريين وأشباه المدنيين. حيث يحرص النظام العسكري على تنظيم الانتخابات وبشكل دوري أكثر من أي شيء مضى (2009 رئاسية، 2013 تشرعية، 2014 رئاسية)، وكذلك الاستفتاء الشعبي (2012 مؤتمر برلماني، 2016 محاولة فاشلة، 2017 استفتاء 5 أغسطس) ..إلخ باختصار كل ما تتيحه الديمقراطية من وسائل وأدوات. هناك العديد من التفاسير، البعض يرجع هذا الأمر إلى الضغط الدولي والإقليمي من أجل الديمقراطية، ذلك أنه لم يعد مسموح في زمن أضحت الديمقراطية ظاهرة عالمية بوجود أقلية شاذة من أنظمة حكم الديكتاتوريات العسكرية. هناك تفسير ثان يربط بين الديمقراطية والاقتصاد فالأنظمة غير الديمقراطية تعاني العزلة وعدم الاستقرار ويستحيل أن تحقق تنمية من أي نوع. التفسير الثالث ويتعلق بانعدام الشرعية، ومن المعروف أن هذا النوع من الأنظمة يعاني من معضلتين، الأولى وهي عدم تعاون الشعب وبالتالي يكون جهاز النظام يعمل حول نفسه دون جدوى. والثانية وهي خوف النظام من شعبه فتكون كل الجهود موجه للمقاربة الأمنية والدفاعية. أما التفسير الرابع والذي أقدمه هنا، هو أن يتجاهل النظام العسكري كل هذه المخاوف والكوابيس ويتظاهر بالديمقراطية، وهذا ما أطلق عليه التلاعب بالديمقراطية.

منذ الإعلان عن التعددية السياسية في تسعينيات القرن الماضي بدا واضحا هذا الاتجاه في التلاعب بالديمقراطية، فمن جاؤوا بالديمقراطية من المؤكد أن يجعلوها على مقاسهم، أي ديمقراطيتهم هم أصحاب البزات العسكرية. تخلى أب الديمقراطية الموريتانية العقيد معاوية ولد الطايع عن بزته العسكرية 1991، ليعلن نبأ التداول السلمي على السلطة، لكنه غادرها بانقلاب عسكري عام 2005، وبعده مباشرة جاء فقيد الأمة العقيد اعلي ولد محمد فال الذي ترأس مرحلة انتقالية قدم استقالته في نهايتها وسلم السلطة للمدنيين في حادثة أوضحت للموريتانيين وللعالم الفرق بين زعماء الانقلابات والزعماء الوطنيون. انتهى حكم المدنيين الذي لم يتجاوز 16 شهرا بانقلاب 2008 الذي قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز رئيس الدولة الحالي. انقلاب 2008 المثير للجدل لم يكن له أي مبرر وحتى أن زعيمه على الأرجح لم يكن مقتنعا به مثل عدم قناعته بأن رئيس الدولة قد يرتكب حماقة الإقدام على إقالته. لقد تميز هذا الانقلاب بالكثير من التهور وقلب جميع الموازين وهو يمر بعامه التاسع. استبشر الكثير من الشعب الموريتاني خيرا في الشعبوية التي بني النظام خطابه عليها، وسواء زورت انتخابات 2009 أو لم يتم تزويرها فسيكون لها ما بعدها، لأن الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي قاد انقلاب 2008 المعروف بانقلاب ردة فعل، هذه المرة سيسير على خطى أب الديمقراطية وينزع بزته العسكرية وفي فترة وجيزة يصبح رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الذي لم يكن موجودا ثم يستقيل من رئاسة الحزب ويرشح نفسه رئيسا للدولة ويقسم على اليمين الدستوري رئيسا للموريتانيين في زيه المدني.

قد يتساءل البعض بعد انقلاب 2008، وبعد تسع سنين من قيادة البلد، وبعد الحملة الدستورية الآن، هل كان الرئيس محمد ولد عبد العزيز يقود حركة إصلاحية أم حركة من أجل السلطة؟

فعلا أسوأ التلاعب بالديمقراطية هو العبث بالنخب السياسية. يتهم النظام المعارضة بأنها في العام 2010 كادت أن تقود البلاد إلى حرب أهلية؛ أما انقلاب 2008 فقد كان تحولا ديمقراطيا سلسا!؛ ينظم النظام حملته للاستفتاء الأحادي على الدستور، ويرفض حملة المعارضة الرامية للمقاطعة!، لأن ديمقراطية النظام التي يؤمن بها، هي فرض المشاركة على المعارضة وليس لها حق الاختيار في أن تقاطع أو تشارك، بكل بساطة عليها أن تصبح مثل المعارضة المسؤولة التي هي جزء لا يتجزأ من النظام، ويكفي أن رؤساء أحزاب سياسية سجلوا أسمائهم ضمن مناضلي حزب آخر من أجل التعبئة للاستفتاء، يشبه هذا الأمر التداخل الحاصل بين الحزب والنظام والدولة فلا أحد تعرف من المسؤول عن حملة الاستفتاء هل النظام أم الدولة أم حزب الاتحاد من أجل الجمهورية؟.

بخصوص الانجازات التي لا شك أن الجانب السياسي فيها أهم من الاقتصادي والاجتماعي، هل يدفع النظام من جيبه أم من جيوب دافعي الضرائب؟

مساوئ الأنظمة العسكرية تتجلى في العقلية العسكرية المدمرة للمؤسسات. فقد تجرأ ذات مرة أحد الجنرالات على أن يقول بتعبير واحد “أنا الدولة”، يقصد بذلك القانون والمؤسسات، أحد السياسيين الموريتانيين يقول بأن الرئيس محمد ولد عبد العزيز “آمن من خوف وأطعم من جوع”. مثل هذه العقلية حولت المؤسسات إلى ثكنات عسكرية، فالقاضي ترتعش فرائسه لمجرد وجود أحد أفراد السلطة التنفيذية، والنائب إذا أفصح عن رأيه يكون خائنا، والإداري عليه الالتزام بالعقلية، والعالم فجأة يجد نفسه محرجا يتلعثم في السياسة. وتعمد الرئيس في جميع خطاباته الثناء على الجيش أمر مفهوم لا يقابله إلا احتقاره للمعارضة. كما أن توفير الأمن للأغلبية في مهرجاناتها، وتحويل مهرجانات المعارضة إلى فرصة لاختبار مدى جاهزية الشرطة الوطنية أمر مفهوم. هناك فرضية قديمة تقول بالتحام الجيش والأمن بالنظام أكثر من الدولة والمجتمع. وهذا من مساوئ الأنظمة العسكرية التي تنعدم فيها الحدود الفاصلة بين مجال العام والخاص.

التلاعب بالديمقراطية عبر ما تسمح به من وسائل هذا ما يقوم به النظام الآن. مثل حرصه على تنظيم الانتخابات، أو الاستفتاء مع ثقته في الحصول على أصوات الجيش الذي بات منذ 2013 يخصص له أول يوم من الاقتراع، وكذلك ثقته في تزييف إرادة الشعب عبر تدخل الدولة المباشر