ليبيا بين المجهول ودستور الاستقلال! / ابراهيم محمد الهنقاري

 

ابراهيم محمد الهنقاري

قال أمير الشعراء احمد شوفي رحمه الله :

الام الخلف بينكموا آلاما … وهذي الضجٌة الكبرى علاما !؟

وفيم يكيد بعضكموا لبعض … وتبدون العداوة والخصاما. !

كل هذه الضجة القائمة على كل قدم وساق وعلى كل لسان وعلى كل. وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة حول “مشروع″

الدستور الذي اصدرته لجنة الثمانية والخمسين موخرا وبعد انتهاء المدة المحددة لها لإتمام تلك المهمة، كل تلك الضجة مردها الى الأسباب الآتية:-

اولا. اللجان التي تعد الدساتير ليست كالمجالس النيابية التي يتم تشكيلها بالانتخاب وبالاقتراع السري حيث لا يكون الاختيار عادة على أساس الخبرة والكفاءة بل على أساس العصبية القبلية او الجهوية أو الهوية السياسية. ما لم ينص في قانون انتخاب لجنة الدستور الا يترشح لها الا من يحمل شهادة عليا في القانون الدستوري وخبرة قانونية لا تقل عن عشر سنوات. وهو ما لم ينص عليه قانون انتخاب لجنة الدستور الليبية القائمة.

ثانيا. الدستور يضعه الخبراء القانونيون والدستوريون في كل بلاد العالم وهم عادة قلة قليلة من علماء القانون ليس من الضروري ان يكون عددهم ستين عضوا كما كان الحال في الجمعية الوطنية التأسيسية التي وضعت دستور الاستقلال . وحتى تلك اللجنة تم اختيار عدد محدود من أعضائها ذوي الخبرة في القانون والقضاء أسموها لجنة الدستور وساعدهم في مهمتهم عدد من كبار ففقهاء القانون الدستوري التابعين للمجلس الاستشاري للأمم المتحدة برئاسة الهولندي ادريان بيلت حيث تمت صياغة دستور الاستقلال بصيغته الحالية بعد تعديلات ١٩٦٣.

ثالثا. كم يا ترى من بين الواحد والاربعين عضوا الذين صوتوا بنعم لمشروع هذا الدستور يعرفون ما هو الدستور ويدركون الاثار السلبية والايجابية لما يقومون به. ويدركون خطورة ما اقدموا عليه على مستقبل الوطن والمواطنين.

رابعا. لم تكن هنالك ضرورة أصلا لانتخاب تلك اللجنة . فالدستور الليبي.الذي كتبه آباء الاستقلال المؤسسون موجود وقائم حتى الْيَوْمَ بقوة الدستور والقانون والارادة الشعبية للأمة الليبية وذلك رغم الانقلاب العسكري عام ١٩٦٩ وكل ما ترتب عليه من اثار لان كل ما بني على باطل فهو باطل.

خامسا . كان بإمكان الموتمر الوطني العام عقب انتخابه لو خلصت نوايا أعضائه لصالح الوطن والشعب ان يعمل ما فشل المجلس الانتقالي في القيام به وهو ان يقرر اعادة العمل بدستور الاستقلال والغاء كل ما قام به انقلابيو سبتمبر وإعادة الاسم الرسمي والمشرق لليبيا وهو المملكة الليبية. كما كان بإمكان مجلس النواب عقب انتخابه ان يفعل ذلك بعد ان تحول الموتمر الوطني العام الى مليشيات سياسية وعسكرية والى مجموعات متناحرة كل حزب بما لديهم وبما نهبوا من أموال الشعب الليبي فرحون. ولكن يبدو ان مجلس النواب المذكور ولد مشلولا وعاجزا عن الحركة وعن التفكير.

 لم يكن غريبا إذن والحال كذلك ان نرى ونسمع كل هذا اللغط وكل هذه المعارضة لمشروع هذا الدستور الذي لا ضرورة له .

سادسا. ان اخشى ما اخشاه هو ان يزيد مشروع الدستور الذي اصدرته لجنة الدستور بعد انتهاء مدتها القانونية، ان اخشى ما اخشاه هو ان يزيد هذا العمل من تعميق الخلافات القائمة بين الأطراف الليبية المسلحة والتي يدعي كل طرف فيها انه هو ” ثوار ١٧ فبراير ” فتتعقد الأمور وتزداد مهمة الجميع صعوبة بما في ذلك مهمة الممثل الجديد للامين العام للأمم المتحدة وبعثته الاممية. والضحية دائماً هو المواطن الليبي البسيط الذي ليس له ناقة ولا جمل في الصراعات السياسية والأيديولوجية والعسكرية بين الأطراف الناهبة للقرار السياسي الليبي وللخزانة العامة الليبية.

لكل ذلك يهمني ان يعلم الجميع انني اومن ايمانا راسخا بان الحل الوحيد المتاح امام الليبيين والليبيات هو العودة الى دستور الاستقلال وان أفضل نظام لليبيا هو النظام الملكي الذي اختاره اباءالاستقلال عن علم وعن وطنية وعن وفاء صادق لشهداء الوطن الذين قاوموا الاحتلال الأجنبي لبلادنا في وقت لم يكن هنالك في ليبيا لا نفط ولا غاز ولا ارصدة خارجية ولا ودائع في المصرف المركزي يتصارع من اجلها البعض . أقول ذلك كمواطن ليبي عاش سنوات شبابه مع قيام دولة الاستقلال وعارض باليد وبالقلم وباللسان بعض ما كان يعيبه الليبيون والليبيات على ذلك النظام مثل وجود القواعد الأجنبية على التراب الوطني وان كان قد عرف أسباب ذلك فيما بعد وعلم انه لم يكن بالإمكان اكثر مما كان بالنسبة للحكومات الليبية الاولى التي تولت المسؤولية عقب اعلان الاستقلال. ثم انه عاش ردحا من الزمن وخدم وطنه بكل صدق واخلاص في العهد الملكي الزاهر وعرف عن كثب معظم رجالات الاستقلال وعمل معهم وساهم ما استطاع بجهده المتواضع مع أولئك الليبيين الكبار لكي يعيش الليبيون والليبيات في أمن وامان ولكي تحقق الحكومات والمؤسسات الدستورية الليبية إنجازات شهد لها الليبيون والليبيات كما شهد لها العالم بأسره في قطاعات التعليم والصحة والمواصلات والبنية التحتية والتنمية والسياسة الخارجية وغيرها من القطاعات حتى أصبحت ليبيا قبل الانقلاب العسكري في مقدمة الدول العربية والافريقية والإسلامية في كل المجالات. إنما أقول ما أقول عن علم ودراية وبعد تجربة ومعايشة حقيقية للواقع الليبي في ثلاثة عهود متفاوتة.

لقد أكدت الصراعات والضحايا والدماء التي اريقت بيد الليبيين منذ ١٧ فبراير انه لن يتم اجماع ليبي على اَي نظام حكم غير النظام الملكي وان كل الذين تورطوا في تلك الصراعات بحسن نية او بسوء نية لن ينال اَي منهم ثقة الشعب الليبي لقيادته وتولي شؤونه بعد ان تلوثت أيدي معظمهم الا ما رحم دبي بدماء الليبييين والليبيات او اتهم معظمهم الا ما رحم ربي بنهب أموال الدولة بأية صورة كانت. ان الفاسدين والمفسدين لا يصلحون لقيادة الدول والشعوب.

لابد انه يوجد بين الليبيين والليبيات من لم يكن له دور في كل مأتم في ليبيا منذ ١٧ فبراير٢.١١. ومنهم من يمتلك العلم والخبرة والوطنية لقيادة سفينة الوطن الى بر الأمان. ونصيحتي للمثل الجديد للامين العام ان يتخذ لنفسه خطة تختلف

تماما عن تلك التي اتبعها من سبقوه في هذا المنصب. نصيحتي له ان يبدأ بالبحث عن ليبيين وليبيات شرفاء لم يتورطوا في الصراعات القائمة. وان يبدأ معهم البحث عن المخرج الملائم للوطن والمواطنين من الأزمة الحالية. انصحه بالاتصال بقادةً الرأي والمثقفين من الليبيين والليبيات واستشارتهم فيما يتعلق بمهمته السامية في ليبيا وان يسير على خطى المندوب الاول للأمم المتحدة في ليبيا السيد ادريان بيلت الذي زار معظم المناطق الليبية وقتها والتقى بكل قطاعات الشعب الليبي من شيوخ القبائل والمثقفين وغيرهم. انصحه بالاجتماع بالوريث الشرعي للعرش الليبي صاحب السمو الملكي الامير محمد الحسن الرضا المهدي السنوسي والاستماع الى آرائه فيما يتعلق بمستقبل الوطن.

اعلم جيدا ان الملك الصالح محمد ادريس المهدي السنوسي طيب الله ثراه كان أمة وحده وكان ظاهرة مميزة في التاريخ الليبي الحديث قد لا تتكرر ولكنني اعلم جيدا ايضا ان التاريخ السياسي الليبي الحديث هو تاريخ الحركة السنوسية لا ينكر ذلك الا مكابر. كما اعلم حق العلم ان الملك الصالح قد رحل عن دنيانا ولن يعود. ولكنني اعلم بالقدر نفسه ان الدستور الليبي الاول هو أفضل ما تركه لنا الملك الصالح وانه هو الاصلح لنا وان علينا ان نسير على خطى الملك الصالح وان نحافظ على وصيته لنا بالمحافظة على استقلال الوطن الذي ضحى من اجله الملك الصالح ورفاقه الابرار من المجاهدين الليبيين الذين يعرفهم الشعب الليبي ويعرف جهادهم وتضحياتهم من اجل ليبيا التي لم تصبح دولة مستقلة في كل تاريخها الا يوم ٢٤ ديسمبر ١٩٥١على يد المجاهد السيد محمد ادريس المهدي السنوسي ورفاقه.

ان ملك ليبيا انما يقف على مسافة واحدة من كل الليبيين والليبيات ولا علاقة له بأية احزاب سياسية لا في الداخل ولا في الخارج ولاينتمي لأية قبيلة ولا لأية مدينة ولا لأية منطقة. سلطاته يحددها الدستور. وهو يملك ولا يحكم . والسلطة  والحكم بيد الشعب عن طريق ممثليه في مجلسي النواب والشيوخ والحكومة تخضع لرقابة البرلمان والامر بعد ذلك شورى بين الليبيين والليبيات. ولكم في عهد الملك الصالح محمد ادريس السنوسي أسوة حسنة لمن كان يرجو خير ليبيا وخير الليبيين والليبيات.

 لقد فتح التصويت المفاجئ وبعد سبات عميق للجنة الدستور على “مشروع الدستور” فتح أبوابا كانت مقفلة وفتح جدالا بين الليبيين والليبيات لا يعرف نتائجه احد ولا يقدر عواقبه احد مما يفرض على جميع الليبيين والليبيات ان يكونوا على مستوى المسؤولية الوطنية وان يجنبوا دخول الوطن في متاهات التقسيم والانقسام وان يتجنبوا قبل ذلك وبعده تعرض الوطن لخطر الحرب الأهلية التي قد تعجل بالتدخل الأجنبي الجاد هذه المرة ليصبح مستقبل الوطن والمواطنين في مهب رياح الاطماع الدولية لا سمح الله.

اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه. وارنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

هذا ولله الامر من قبل ومن بعد ولكن اكثر الناس لا يعلمون.

 

المصدر: القدس العربي