نعم تستطيع السعودية تبديل مجرى التأريخ / بروفيسور كمال مجيد

بروفيسور كمال مجيد / كاتب عراقي

في فرض سياستها على العالم ليس لأمريكا أصدقاء. فتستطيع الاستغناء عن اقرب حليف لها, وكما رأينا انها استغنت عن شاه ايران وحسني مبارك وبن علي. لقد سبق واشار الكتاب الامريكيون والعرب بل الصحافة الامريكية والعالمية الى احتمال قيام امريكا بتغيير الحكم في العربية السعودية بل حتى تقسيم البلد الى اربع دويلات. وكما اشارت البروفسورة مضاوي الرشيد، في القدس العربي في 1/12/2013  ((فالسياسات الخارجية تتغير وتنقلب حسب المصالج القومية لكل دولة.)) فكيف يشعر قادة العربية السعودية بالامان حين ينظرون الى القائمة الطويلة من الذين طعنتهم الحكومات الامريكية المختلفة عبر العقود. الم يسمعوا كيسنجر حين صرح بعد الانقلاب في شيلي ضد اليندي بأن السياسة الامريكية لا تستند على العواطف الانسانية؟ وحين القى جو بايدن محاضرته في جامعة هارفرد، في 4/10/2014 وصرح بـ (( أن دولاً مثل تركيا والسعودية والامارات دعموا الارهابيين في سوريا بمن فيهم القاعدة … وكان هدف هذه الدول اسقاط الحكومة السورية وقدموا مئات الملايين من الدولارات وعشرات الاف اطنان من الاسلحة الى كل الذين يقبلون بمقاتلة الاسد.)) انه كان يدرك بأن الحكومة الامريكية كانت الشريكة بل القائدة في تنفيذ الجريمة. انه بالتأكيد اراد التلميح بامكانية ادخال حتى السعودية في قائمة الدول الارهابية وثم الانقضاض عليها.

لسنا ادرى من قادة السعوديين في ادراك هذه الحقائق. اذ بينهم الكثيرون من الذين تثقفوا في ارقى الجامعات واكتسبوا الخبرة الضرورية حين عملوا في الوظائف السياسية العليا لوقت طويل!

والآن تشير التقارير الصحفية بأن الدولة السعودية غاضبة على السياسة الانانية لحكام امريكا وتفكر فعلاً في اعادة النظر في الحلف المزمن الذي يمتاز بنوع واضح من التسلط الامريكي على مقدرات الشعب السعودي بل مقدرات المنطقة كلها. (راجع مقال ((الملك السعودي يبحث عن بديل لواشنطن)) في رأي اليوم الغراء في 6/10/2017 نقلا ً عن نيزافيسيمايا غزيتا الروسية)

حقا ً بامكان قادة السعوديين تغيير مجرى التأريخ، بصورة جذرية في العالم كله. وان زيارة الملك سلمان الى موسكو تعتبر خطوة ايجابية مهمة لتحقيق هذا التغيير. اذ ان الزيارة ستشجع السعودية على تبديل سياستها تجاه ايران الى درجة  التحالف بينهما للدفاع عن مصالحهما النفطية الهائلة. وقبل كل شئ يخفف بل قد يزيل مثل هذا الحلف الخلاف السني – الشيعي بين المسلمين. وحين اعطى حلفاء السعودية الغربيون الحق لأنفسهم للاتفاق مع ايران فما الذي يمنع القادة السعوديين من القيام بنفس الشئ؟

يدرك القراء كل هذه الحقائق ولكن الاهم ان تدرك السعودية بأن تصرفاتها السابقة اصبحت غير مجدية. ان عليها، اذن ، ان تعيد النظر في سياستها تجاه التفرقة الطائفية بل، وبصورة رئيسية، تجاه حليفتها امريكا بغية تجنب شرها قبل فوات الاوان. ان عليها ان تدرك بانها  قريبة جداً من جارتهاالكبيرة ايران وانها محاطة بحروب طائفية في اليمن والعراق وسوريا. دون الحاجة الى الاشارة المفصلة لما يحدث في البحرين. ان الموقع الجغرافي للسعودية وثروتها النفطية الواقعة في الجهة الشرقية من البلاد يجعلاها ان تصادق ايران بل تتفق معها لتنظيم سياستها النفطية والدفاعية لمصلحة البلدين ولمصلحة جيرانهما النفطية الاخرى.

وللانصاف لا يمكن الاشارة الى السياسة الطائفية للسعودية دون ذكر الطائفيين في ايران والعراق. فهم ايضاً لهم مرجعياتهم الذين يعملون على تأجيج الخلاف بين الطائفتين. ففي العراق مثلاً يسير جيش مليوني جرار من المتطرفين الشيعة الى كربلاء والنجف، في اكثر من عشر مناسبات في السنة، في مظاهرات تساعد على تعميق الحقد الطائفي بين ابناء الشعب الواحد. وبالمقابل هناك جيش جرار من المتطرفين السنة ، من امثال القاعدة وداعش وجبهة النصرة  يقتل الابرياء، بالمفخخات والانتحاريين، لا في العراق وحده بل في معظم بلدان المنطقة بما في ذلك الاحساء في السعودية.

يتجمع المرجعية الشيعية بصورة خاصة في النجف في العراق  وقم في ايران. وفي محاولتهم الخبيثة في اشعال نار الطائفية انهم يركزون بالحاح مستمر على ما جرى بحسين ابن على ابن ابي طالب في فاجعة كربلاء قبل 1400 سنة. انهم يحثون الجهلاء على اللطم والعويل، باسلوب وحشي منافي لأبسط مظاهر التمدن، وكأن الفاجعة حدثت قبل ساعات. وفي كل مرة يشارك الوف الايرانيين في المسيرات العراقية ويصرفون المبالغ الطائلة في العتبات المقدسة مما يحث المستفيدين على تشجيع هذه التصرفات المخزية. ان القصد من كل هذا هو غسل ادمغة الناس واجبارهم على الاهتمام بهذه الطقوس التافهة وكأنها جزء مهم من التعاليم الدينية. فالخلاف الطائفي قد بلغ اوجه بل تحول الى حرب شاملة لمعظم بلدان المنطقة ولا يمكن التخلص من شرورها الدموية الا بالتعاون الوثيق بين ايران والسعودية. ان على قادة البلدين انهاء التلاسن الممزوج بالتملق وعليهم الدخول في مفاوضات جدية وبناءة للتوصل الى اتفاق عملي لمحاربة الارهاب واعادة السلام والرخاء الى المنطقة.

عند تقييم الوضع السياسي والاجتماعي في كل المنطقة من الضروري الادراك بأن ايران بلد واسع يعيش فيه اكثر من 80 مليون انسان. انها تسيطر على كل الجانب الشرقي من الخليج وملتصقة بالعراق من اقصى شماله الى اقصى جنوبه بصورة محكمة . انها ثابتة في مكانها ولا يمكن نقلها الى مكان أخر بعيداً عن البلدان المجاورة. وبالرغم من الحرب العراقية الايرانية المدمرة للشعبين انها تمكنت من تطوير صناعتها وقابلياتها الصاروخية بصورة مدهشة ولها اقمار صناعية تدور حول الكرة الارضية شأنها شأن البلدان المتقدمة الاخرى.

    من الضروري الادراك بان اية حرب امريكية على ايران قد تتطور الى حرب عالمية تؤذي البشرية كلها. انها ستجبر روسيا على الدفاع عنها. ليس ذلك تنفيذاً لبنود اتفاقيتي 1921 و 1927 بين البلدين فحسب بل خاصة لانها وقعت مع ايران اتفاقيات امنية وستراتيجية جديدة . وبالنسبة لروسيا ان الدفاع عن الجارة ايران اهم بكثير من الدفاع عن سوريا التي وقفت روسيا معها بنجاح ودافعت عنها عسكرياً وسياسياً.

ان على شعوب المنطقة ان تدرك هذه الحقائق الدامغة وتتعلم الحياة مع ايران وتعاملها كجارة لا يمكن الاستغناء عنها في مقاومتها للتوسع الاستعماري الصهيوني الذي يعمل السيطرة على خيراتها النفطية ويدخلها في حروب محلية بغية اضعافها. وبدل عداء ايران، كما يفعل البعثيون العراقيون، من الضروري الاستفادة من قابلياتها وتقوية العلاقات معها لمكافحة الاستعمار الامريكي الذي فرض اسرائيل على فلسطين ويستخدمها لتهديد شعوب المنطقة. فاسرائيل، وليست ايران، هي التي تضطهد الشعب الفلسطيني، منذ تأسيسها سنة 1948 ، باسلوب عنصري فاشستي اتعس مما فعل هتلر باليهود. ان على قادة  السعودية ان يلعبوا الدور الرئيسي في هذا الاتجاه. عليهم ان يدركوا ان امريكا هي المستفيدة من الحرب الطائفية المنتشرة في كل المنطقة.  ذلك لان الحرب تضعف هذه الشعوب وتسهل تسلط العدو على الثروة النفطية الثمينة. عليهم ان يدركوا ان امريكا مهتمة بنفط المنطقة وليست بحكامها. ان ما جرى بشاه ايران وبصدام حسين خير برهان على ذلك. ان الثروات السعودية الهائلة الموجودة في امريكا احسن محفز لاسقاط الحكم فيها ثم السيطرة على ترليوناتها التي تبقى محجوزة في البنوك الامريكية بعد القضاء على اصحابها.

ليس هناك دليل مقنع واحد للخلاف بين السعودية وايران. فما يسمى بالخلاف تكوّن نتيجة التلقين المزمن والمستمر للدعاية الامريكية والاسرائيلية حول خطر ايران وخطر المذهب الشيعي على بلدان الخليج.  بل العكس: اذا اتفقت البلدان النفطية الواقعة على جانبي الخليج واقتربت من دول البريكس ، اي البرازيل وروسيا والهند والصين وافريقيا الجنوبية، واعتمدت على ثرواتها الذاتية الهائلة فليست هناك قوة تستطيع معاداتها. فالظروف الموضوعية ملائمة جداً لقيام المملكة العربية السعودية بالتحالف مع ايران. انها ستكون خطوة تأريخية عظيمة في تحرر المنطقة من الطغيان الامريكي وخياناته. انها ستعيد البترول الى اصحابه الشرعيين.

المصدر: