هل المنطقة قادمة على تصدع أكبر؟ / د.البدر الشاطري

د.البدر الشاطري / كاتب إماراتي

في تقرير مطول نشر في المجلة الأسبوعية لصحيفة النيويورك تايمز الأميركية العام الماضي عن تصدع العالم العربي بعد الأحداث التي شهدتها المنطقة بعد الثورات العربية في 2010-2011، خلص الكاتب إلى أن التصدع كان نتيجة للغزو الأميركي في عام 2003، والذي أخرج كثيراً من التناقضات إلى السطح.

 

وقد لعبت أحداث الثورات العربية دوراً مهماً في تفشي هذا التصدع، وبروز قوى ومليشيات مسلحة مناوئة لفكرة الدولة. وقد أدت هذه الانهيارات الكبيرة إلى إحداث شروخ كبيرة في المجتمعات العربية. ومن هذه الشقاقات، طفحت الولاءات ما دون الدولة، مثل الطائفية السياسية والقبلية والمناطقية، وإلى آخره من الولاءات والعصبيات، والتي تقوض من الدولة وتلاحم المجتمع.

 

وفي آخر التقرير يذكر الكاتب مقولة قالها له أحد أبطال الملحمة التراجيدية العربية “إن داعش ليست منظمة بل فكرة”. وشبه المتحدث داعش بالقبيلة. وأضاف، وإذا استطعت تدمير داعش كتجلٍ للفكرة، فإنك لن تستطيع التخلص من الظروف التي أدت إلى بروز هذا التنظيم.

 

والآن، وبالفعل، بعد أن تم هزيمة دولة داعش في العراق على الأقل، ما المعركة القادمة الذي سيخوضها تنظيم جديد يتدثر بعباءة الدين، ويحاول إنشاء خلافة جديدة، أو تجلٍ آخر لنفس الفكرة. وقد أصبحت مسألة التنظيمات المسلحة في المنطقة، مسألة رئيسة في تزايد التصدع، وخاصة أن كثير من هذه التنظيمات تلقى دعماً من حكومات تستخدمها كأدوات سياسية.

 

والحالة اللبنانية الماثلة أمامنا اليوم، مثال قاتم على تغول التنظيمات المسلحة على سلطة الدولة. بل إن بعض المحللين يرون أن تنظيم حزب الله، أصبح دولة داخل دولة. ويمتلك حزب الله شبكة من المؤسسات الموازية للدولة. وقد أدى تسلط الحزب، وبدعم إيراني يتباهى به الحزب، إلى استقالة رئيس وزراء البلد، بل وفراره خوفاً على حياته وأسرته، وتسبب في تعطل تسيير أمور الحكومة، بسبب العراقيل التي وضعها الحزب في مسيرة الحكومة، بل الدولة برمتها.

 

وقد أصبح الحزب من تنظيم مسلح دون الدولة، إلى تنظيم عابر للحدود، عبر مشاركاته في عمليات عسكرية وتدريبية في سوريا والبحرين. وهناك معلومات الآن بالتورط في الحرب اليمنية، وأن الحزب يقدم تدريباً للحوثيين، وأن إطلاق الصاروخ الأخير على الرياض من قبل الحوثيين، تم بإشراف من حزب الله.

 

 

 

والحوثيون أنفسهم مثال صارخ على تغول التنظيمات المسلحة على سلطة الدولة. وكما هو معروف، فإن تنظيم الحوثي قام بالانقلاب على الحكومة المعترف بها دولياً، وسيطر على أجهزة الدولة. وقد أدى ذلك إلى اندلاع معركة إعادة الشرعية من قبل التحالف العربي، بقيادة المملكة العربية السعودية.

 

ونفس الحال ينطبق على انتشار المليشيات المسلحة في ليبيا، والتي تتحكم بمفاصل مهمة من رقعة الدولة. ولا يزال الوضع في ليبيا رهناً لكثير من السجال بين القوى السياسية والمليشيات المسلحة، والذي قد أدى إلى تعثر استقرار البلاد والحياة المعيشية لهذا البلد الغني والواعد، إذا ما قيض له الاستقرار السياسي.

 

ولكن، لماذا إعطاء هذه التنظيمات المسلحة الأهمية الكبرى في تصدع المنطقة العربية. أولاً وقبل كل شيء، فإن تعريف الفيبيري للدولة، يتنافى مع وجود مليشيات مسلحة في إطار الدولة ذات السيادة. فالدولة تنظيم قسري، يستحوذ على كافة وسائل الضبط الشرعية. بمعنى آخر، فإن السلاح يجب أن يكون في يد سلطة الدولة الشرعية، وأن انتشار التنظيمات المسلحة يهدم احتكار الدولة له. كما أن التنظيمات المسلحة هي خارجة على إطار الدولة، وبالتالي، ينفي عنها صفة مهمة، وهي القسرية. أي أن الدخول في إطار الدولة، يبقى مسألة طوعية، وهذا يتنافى مع المفهوم العميق للدولة.

 

وليس هناك ضمان من منع العالم العربي من تصدعات أكبر، طالما لم تستطع المجتمعات العربية من إنشاء وتقوية مؤسسات الدولة. فكثير من الدول العربية تعاني من كثير من الاهتراء والترهل، بل من الفشل بالنهوض بوظائف الدولة الحقيقية. وكثير من هذه الدول، تعاني من انعدام الشرعية بسبب ضعف أدائها، أو بسبب استيلائها على السلطة بطرق غير شرعية.

 

والمقصود بتقوية المؤسسات، ليس قدرتها على احتكار قدرات المجتمع، ولكن تحسين أداء مؤسسات الدولة من ناحية تطبيق القوانين وتقديم الخدمات ورعاية حاجات المجتمع. كما أنه على مؤسسات الدولة أن تحقق انسجاماً أكبر مع المؤسسات المجتمعية، والنهوض بها وتطوير وتحفيز القدرات الكامنة في المجتمعات، وتحسن الاندماج الاجتماعي وتقوية الهوية الوطنية، مقابل العصبيات الضيقة.

 

فلذا، من المهم تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني، والتي تعاني أيضاً من ضعف كبير، وفي بعض المجتمعات، انعدام لدورها. فبعد انهيار الدول، سواء كان في العراق بسبب الغزو الأميركي، أو الانتفاضات العربية، فإن الملجأ الوحيد لأفراد المجتمع لحماية أنفسهم، كانت تمثل في الولاءات الضيقة العائلة والقبيلة والطائفة. ولعل تماسك الوضع في المرحلة الانتقالية في تونس، يشي عن قوة مؤسسات المجتمع المدني، والذي جنب تونس كثيراً من الويلات، والتي عانت منها بلدان ما بعد الثورات.

 

وهناك جانب مهم في تقاطع الدولة والمجتمع المدني، وهو تعزيز الهوية الوطنية، والتي تمثل الترياق للولاءات الضيقة.

المصدر