هل خسر العرب الهند لصالح “العشيقة” الإسرائيلية؟

الصدى – متابعات / بقلم : هيفاء زعيتر

“الحضن يختصر نص الكلام”، يقولون. وصور “الحضن” (العناق) الانفعالي الحميم التي جمعت رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بنظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تختصر نصف الكلام عن طريق التحول الذي سلكته نيودلهي صوب تل أبيب.

 

أما النصف الآخر، فتولى مودي شرحه بعبارات “الشوق العارم” لإسرائيل و”القرب الهائل” منها، وذلك في أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء هندي إلى تل أبيب التي رحبت به بـ”تشريفات” تكاد توازي تلك التي يحظى بها الرئيس الأمريكي. منها مثلاً مرافقة نتيناهو له في مختلف لقاءات زيارته، التي بدأت يوم أمس وتدوم ثلاثة أيام، وهو شرف يحظى به عادة كبار الزوار.

 

هل يمكن الحديث إذا عن تحول جذري في سياسات الهند الشرق أوسطية بعيداً عن القضية الفلسطينية، بدأ مع وصول مودي في العام 2014؟

 

في جزء من المشهد قد تبدو الأمور بهذا الشكل، فالهند كانت الدولة الأولى غير العربية التي تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وعبّرت مراراً عن دعمها لحق الفلسطينيين بدولة مستقلة من دون أن تتوانى عن التنديد بالسياسات الإسرائيلية.

 

 

 

لكنها اليوم تنغمس تماماً في “الحضن الإسرائيلي”، بعدما شكل امتناعها في العام 2015 عن التصويت ضد إسرائيل في ملف “الجرف الصامد” في الأمم المتحدة سابقة نسفت الفكرة المعتادة عن تصويتها التلقائي ضد الاعتداءات الإسرائيلية.

 

لكن بموازاة ذلك، في الجزء الآخر من المشهد، لم تكن علاقاتها العسكرية والاقتصادية بإسرائيل مستجدة، فهي بدأت على نحو جيد في السبعينات، واستمرت بالتحسن بشكل متواصل منذ بدء علاقات الطرفين الدبلوماسية في العام 1992. وقد وصل الأمر على سبيل المثال حد وصف العلاقة بـ”أخوّة السلاح” بحسب التقارير الأمنية التي تحدثت عن الهند كأكبر المستوردين للصناعات العسكرية الإسرائيلية.

 

عندما استلم مودي رئاسة الوزراء، أجمعت تقارير هندية وإسرائيلية عن وصول “نذير الخير للإسرائيليين والشؤم للفلسطينيين”، أما تفاصيل زيارته الأخيرة ففي طياتها مؤشرات تفسّر أسباب خسارة “الحليف” ضدّ إسرائيل، وتطور دور الهند في الشرق الأوسط، وعلاقاتها بدول المنطقة التي من بينها من كان قد بدأ التعويل عليها (كما على الصين) باعتبارها من القوى الصاعدة التي ستحدث فرقاً في التوازنات الإقليمية والدولية.

 

“العشيقة” ظهرت أخيراً

 

“لطالما اشتكت إسرائيل من معاملة الهند لها كعشيقة… تتمتع سراً بسحر أسلحتها وتكنولوجياتها المتطورة، وتخجل من جعل تلك العلاقة علنيّة”. كتب ديفيد روزنبرغ في مقال رأي له نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، ليفسّر كيف جاء التباهي علناً بتلك العلاقة ذات طابع احتفالي، ولماذا وصفته “العشيقة” (حسب وصف روزنبرغ) بـ”التاريخي”.

 

خصص مودي مساحة للكلام العاطفي فقال على هامش الزيارة “يسرُّني العودة بعد عشر سنوات، وأنتظر بفارغ الصبر رؤية كيف تقدمت إسرائيل وتطورت منذ ذلك الوقت. أنا شريكٌ في آراء الكثير من أبناء شعبي الذين يعتبرون إسرائيل منارةً في التكنولوجيا، باعتبارها دولة نجحت في البقاء رغم أنَّ الفرص كلها كانت ضدها”.

 

 

استعاد كذلك ذكرى زيارته لمنزل “بن غوريون” في العام 2006، حيث أشعره وجود صورة غاندي في المنزل بـ”قرب هائل من أعماقي نحو إسرائيل”، كما قال.

 

لكن خلف الكلام العاطفي ما خلفه من “انتصارات” عملية، دبلوماسية وعسكرية واقتصادية.

 

في الشق الدبلوماسي، حرص نتنياهو على وصف الزيارة بأنها “إثبات إضافي على قوة إسرائيل العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية”. وقد أتت الزيارة بعدما ذاب الجليد في السنوات الأخيرة مع سعي الهند للابتعاد بشكل متزايد عن حليفتها التقليدية، روسيا، من أجل تعزيز معداتها العسكرية.

 

في هذه الأجواء، لم يكن غريباً احتفاء نتنياهو بقرار نظيره الهندي الامتناع عن زيارة مقر السلطة الفلسطينية في رام الله، حيث المحطة المعتادة للزعماء الذين يحاولون الحفاظ على التوازن في العلاقات السياسية، فكيف إذا كان الزعيم آتياً من بلد كالهند يعد من أوائل البلدان غير العربية التي تدعم القضية الفلسطينية تاريخياً؟

 

يُذكر أن لقاء جمع مودي بالرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل شهرين، أكد خلاله على دعم الهند للقضية الفلسطينية، لكن تلك الزيارة لم تحظ باهتمام إعلامي وسياسي واسع.

 

أقوال جاهزة

غردما سر حب الهند المستجد لإسرائيل، وهذا العناق الانفعالي الحميم الذي جمع رئيس الوزراء الهندي بنتنياهو؟

وفي الشق العسكري، لا تنتهي القائمة بين الهند وإسرائيل، بينما ينتظر توقيع صفقات واتفاقيات إضافية خلال الزيارة.

 

حسب مصادر إسرائيلية، بلغ حجم التجارة العسكرية بين الدولتين، مليار دولار سنوياً خلال السنوات الخمس الماضية.

 

كما وقعت الهند خلال العام الحالي على صفقة أمنية، تعتبر الأكبر في تاريخ إسرائيل، وتحصل بموجبها الهند على كل مركبات منظومة “MRSAM” ومنها منصات إطلاق صواريخ وصواريخ ووسائل اتصال ومنظومات تحكم ومراقبة ورادارات.

 

يُضاف لذلك صفقة كبيرة وقّعتها الصناعات الجوية العسكرية الإسرائيلية الشهر الماضي بقيمة 630 مليون دولار، وبموجبها تزود إسرائيل سلاح البحر الهندي بمنظومات دفاع جوية.

 

وتمكنت إسرائيل من منافسة الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا في الهند لتصبح بين أربعة من أكبر مزودي السوق الأمنية الأكبر في العالم بالسلاح، علماً أن الهند تشكل 10% من إجمالي واردات العالم من تجارة السلاح.

 

وفي الشق الدفاعي، يمكن العودة إلى ما قاله مدير مركز بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجية السابق أفرايم إنبار عن الزيارة “إن الأمر أكثر من عقود دفاعية فهو يتعلق ببرنامج إستراتيجي مشترك يشمل الخوف من التطرف الإسلامي ومخاوف من اتساع الحضور الصيني… وبالطبع لا يمكن تجاهل الإمكانات الاقتصادية الضخمة لكلا البلدين”.

 

وكان مودي قد زار الأسبوع الماضي واشنطن، وتعهد مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تعزيز التعاون بينهما في مكافحة الإرهاب بالإضافة إلى التعاون الدفاعي، وعليه ترى إسرائيل إمكانية إيجاد أرضية مشتركة في هذا الإطار.

 

يُذكر أن وصول مودي، وهو هندوسي، والشعبية التي يحظى بها دفعت المنظمات الحقوقية للتنبيه من مخاطر الإسلاموفوبيا المتزايدة في الهند، في حين ذكرت “منظمة العفو الدولية” أن عشر مسلمين جرى الاعتداء عليهم أو قتلوا منذ أبريل الماضي في جرائم كراهية.

 

هل الهند أصبحت moody مع مودي؟

 

بعدما قامت السياسة الخارجية الهندية الكلاسيكية على مناهضة الاستعمار والإمبريالية أيدت الهند نضال الفلسطينيين من أجل التحرر الوطني، في موقف بدا صلباً. لكن يظهر أن نيودلهي لم تنس تقاعس العرب عن دعمها في حربها مع باكستان في العام 1965 وبعد ذلك مع بنغلاديش في العام 1971، في حين منحتها إسرائيل الدعم الكامل وزودتها بعتاد مدفعي.

 

أما “رابطة الشعب الهندي”، التي تحولت إلى “حزب الشعب الهندي” القومي، وهو الحزب الذي ينتمي إليه مودي، فرأت في تشكيل حلف هندي إسرائيلي أكثر من طبيعي.

 

من هنا جرى اعتبار صعود نجم مودي نقطة تحول هامة، كانت بذورها قد بدأت في وقت سابق، وتعززت مع التغيرات التي شهدها الشرق الأوسط منذ العام 2011 والتي دفعت الهند لتكون أكثر قرباً من إسرائيل.

 

ما سر حب الهند لإسرائيل إذا؟

 

هذا السؤال فنده تفصيلياً “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، في دراسة للباحثة أوشريت بيرودكار، رأت أن النمو الاقتصادي في الهند وتطلعها لأن تكون إحدى الدول القوية اقتصادياً في العالم، جعلها تتبنى “الواقعية السياسية” في مجال العلاقات الخارجية.

تشير الدراسة إلى 4 عوامل جعلت الهند تقترب من إسرائيل على حساب اصطفافاتها التاريخية:

الأول هو “ترسيخ مكانة الهند كدولة عظمى”، إذ تغيرت سياستها الخارجية بالانتقال من خطاب سياسي – دبلوماسي، يقدس المثالية، إلى خطاب توجهه الواقعية السياسية، لا سيما بسبب توتر علاقاتها مع الصين وباكستان.

الثاني هو صورة الأمة التي أصبحت جزءاً هاماً من قوتها في الحلبة الدولية. ولتثبت أمام المشككين أنها تستحق لقب “دولة عظمى”، اتبعت سياسة خارجية تدمج ما بين “العلامة التجارية للأمة”      (Nation Branding) واستخدام القوة الناعمة.

الثالث يتمثل في نتائج “الربيع العربي” والحرب في سوريا ثم وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم إلى جانب ظهور “داعش”، ما جعل الهند تتخوف من حدوث تغيرات في الشرق الأوسط، وخصوصاً في دول الخليج، التي تستورد منها 68% من النفط. ما دفعها إلى زيادة مشترياتها للأسلحة.

الرابع يتمثل في سياسة مودي الذي يمثل جيلاً جديدا في السياسة الهندية التي تؤمن بالبراغماتية الاقتصادية. وقد تحول توجه الواقعية السياسية إلى مفهوم ضروري من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية.

ماذا عن الشرق الأوسط وفلسطين في الميزان الهندي؟

 

في تقرير نشرته صحيفة “هندوستان تايمز” الهندية، يقول الكاتب سراميت شودوري إن مودي يعتقد أن الهند باتت من الأهمية لدرجة تجعلها قادرة على المجاهرة بما تؤمن به ولا تسعى لتغطية سياساتها.

تساءل التقرير عن الأسباب التي لا تجعلنا نسمع اعتراضات قوية على زيارة مودي لإسرائيل بهذا الشكل، بينما لم تعط نيودلهي لأحد غير تل أبيب تلك الصلاحية على جهاز أمنها القومي، ليناقش مواقف دول المنطقة من سياسة الهند الخارجية.

تلهث دول عربية وراء السوق الهندي وسياسة مودي القوية ولا يبدو أحد مهتماً بموقفه تجاه إسرائيل وفلسطين

 

يسرد شودوري الأسباب من الحرب الأهلية والصراع السني – الشيعي في سوريا والعراق، ثم الخلاف الخليجي – الخليجي والخليجي – الإيراني والأزمة مع الإخوان المسلمين وسقوط العديد من الأنظمة، والتدخلات التركية والأمريكية والروسية.

إلى جانب تقارب بعض الدول العربية، المباشر وغير المباشر، مع إسرائيل، يلفت الكاتب إلى الموقف الإيراني من الهند والتي عبر عنه سفيرها هناك بالقول إن إيران لن تملي على الهند لائحة أصدقائها، وعلى الهند ألا تخضع لإملاءات بشأن علاقتها مع إيران. وبتعبير آخر، فإن العلاقات الإسرائيلية والإيرانية تمشي في سكتين منفصلتين مع الهند، وطهران تقبل بذلك.

كما يشير الكاتب إلى الموقف التركي، الذي وإن تغيرت أشكاله من إسرائيل، يبقى حريصاً على العلاقات مع الهند ودخول السوق الهندي الضخم، وذلك هو حال المغرب وسلطنة عمان وغيرهم.

هؤلاء يلهثون وراء السوق الهندي وسياسة مودي القوية، بينما لم يبد أحد منهم مهتماً بماذا يفكر الأخير تجاه إسرائيل.

أما لجهة القضية الفلسطينية، فنعود إلى مقال روزنبرغ الذي يقول إنها دفعت ثمن حسابات الهند (والصين) السياسية الصاعدة، رغم أن نيودلهي تبقى على دعمها النظري للسلطة الفلسطينية. وفي حين يصعب عليها “هضم” حماس، تدرك أنها تتشارك هذا الموقف مع فلسطينيين وعرب آخرين.

يشير روزنبرغ إلى أن فكرة عدم التدخل العسكري للهند في المنطقة تجعل زعماءها أكثر مرونة في رسم صداقاتها، فنرى الهند في السعودية وإيران وإسرائيل تحظى بالترحيب نفسه. في المقابل، تعلمت إسرائيل كيف تحول علاقاتها الاقتصادية إلى رصيد سياسي ودبلوماسي.

ويحذر روزنبرغ أخيراً من أن نظام الحكم الهندي لا يشبه الصيني، وبالتالي فهو قابل للتغيير والمساءلة وسط معارضة فئة لمودي مصرة على الموقف الداعم لفلسطين، ما يعني عدم الجزم بالحصول على دعم نيودلهي المطلق.

مع ذلك، تبدو الزيارة الأخيرة بصفقاتها و”أحضانها” تأسيسية، فهند جواهر لال نهرا أصبحت شديدة البعد عن هند مودي ولم تعد تنفع “الرومانسية” في رسم الموقف تجاهها.

 

المصدر: http://raseef22.com-