واقع البنوك الإسلامية في ظل الاحتياطي القانوني / محمد المختار ولد محمد

محمد المختار ولد محمد / كاتب في الشأن الاقتصادي

إن واقع البنوك الإسلامية ضمن بيئة قانونية ، لا تطبق الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالمعاملات من جهة ، وبيئة مصرفية تعتمد الربا أساسا اقتصاديا ، سواء بين المصارف والمستثمرين ، أو بين المصارف فيما بينها ، يجعل من السهل تصور الحالة الصعبة التي تعانيها المصارف الإسلامية ، فالبنك المركزي مثلا يفرض على المصرف الإسلامي احتياطا قانونيا ، كغيره من المصارف دون مراعاة الفوارق بين هذه المصارف والمصارف التجارية فيما يتعلق بنسبة الاحتياطي القانوني ،

وتعرف نسبة الاحتياط القانوني بأنها  ، هي الأداة التي يستعملها البنك المركزي للتأثير على قدرة البنوك  التجارية على التوسع في منح الائتمان فبهذه الأداة يلزم البنك المركزي المؤسسات المالية بإيداع مبالغ نقدية لديه ليقلص من قدرة تلك المصارف على الإقراض ، وتتغير من بلد لآخر وتتراوح ما بين %3.5 إلى 25% من قيمة إجمالي الودائع المختلفة الموجودة لدى البنوك التجارية  فمن خلال هذه الأداة يؤثر البنك المركزي على حجم الائتمان الذي تقدمه البنوك التجارية وذلك عن طريق إلزامها بوضع احتياط قانوني إلزامي يتمثل في نسبة من احتياطها النقدي من الودائع ، وهي نسبة غير مكلفة بطبيعتها للبنوك الربوية ، لأنها تستطيع أن تحقق بواسطتها إيرادات سهلة وذلك عن طريق عرضها للجمهور ومن ثم مضاعفة المعروض النقدي  ، هذا بالنسبة للبنوك التجارية الربوية التي لها القدرة والملاءة على هذه الأداة ، لأنها تتماشى أساسا مع سياستها الربوية ، ولكن هل هناك  إشكالية في تطبيق هذه الأداة على المصارف الإسلامية ؟   وما هي الحلول الإسلامية المطرحة في هذا المجال  ؟  وهل يمكن الأخذ بهذه السياسة في الاقتصاد الإسلامي في العلاقة غير التمويلية ؟

في هذا النموذج الذي تسود فيه القوانين التقليدية ، فإن المصارف الإسلامية تجد نفسها في مأزق حقيقي ، وذلك نتيجة لإخضاعها للأساليب الرقابية التقليدية من قبل البنك المركزي، وتعتبر هذه السياسة  التي يستخدمها البنك المركزي اتجاه البنوك الإسلامية تختلف تماما عن المنهج الإسلامي الذي تطبقه البنوك الإسلامية ، والذي تلتزم من خلاله بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ، في جميع معاملاتها وذلك من خلال تطبيق مفهوم الوساطة المالية القائمة على أساس مبدأ المشاركة في الربح والخسارة ، المنطلق من قاعدتي ” الغنم بالغرم ” و ” الخراج بالضمان “

وعليه  فإن نسبة الاحتياطي القانوني ليس فيها تمييز بين البنوك ، وهذا ما جعل هناك إشكالية كبيرة في تطبيق هذه الأداة عليها ، وإلزامها بأخذ نسبة معينة من إجمالي الودائع ، فتطبيقها يطرح عدة إشكاليات أهمها

: تطبيق هذه الأداة على البنوك الإسلامية ، قد يجعلها تغطي هذه النسبة من ودائع الاستثمار ، وهذا من شأنه أن يضعها بين مطرقة البنك المركزي الذي يراقب تطبيق هذه النسبة ، وسندان المبادئ الشرعية ، التي تحكم عمل البنوك الإسلامية ، ولتي تصطدم هنا بمحظور شرعي ، وهو تعطيل أموال المودعين عن الاستثمار ، لأن الودائع الموجودة عند البنوك الإسلامية كما هو معلوم تختلف عن الودائع الموجودة عند البنوك التقليدية ، فإذا كانت في البنوك التقليدية أموال مقترضة مقابل سعر فائدة محددة سلفا ، فإنها في البنوك الإسلامية أموال مضاربة مقابل حصولها على الأرباح إن تحققت ، وخضوعها للخسائر إن تحققت  ، ولذا فإن الودائع الآجلة لدى المصارف الإسلامية ، يجب استبعادها تماما من وعاء الاحتياط النقدي،

: إن تطبيق الاحتياط القانوني الهدف منه أساسا التأثير في قدرة المصارف على توليد الائتمان ، إضافة إلى حماية أموال المودعين ، وتعتبر المصارف الإسلامية ذات مقدرة محدودة على التوسع النقدي ، وذلك بسبب ارتباط معظم عمليات التمويل بعمليات اقتصادية حقيقية،  أي تمويل سلعي وليس تمويلا بالقروض  وعلى هذا الأساس فإن أداة الاحتياط الإجباري لا تتواءم نهائيا مع طبيعة العمل المصرفي الإسلامي ، لأن غالبية الأموال المقدمة   للبنوك الإسلامية قدمت من أجل غرض الاستثمار بها  على أساس المضاربة والمشاركة ، مما يعنى تقاسم الربح والخسارة وفقا للنتائج الفعلية للاستثمار ، ومن ثم ليس هناك التزام على البنوك الإسلامية بضمان هذه الأموال إلا بالتعدي أو التفريط لهذه الأموال  ، فهذه السياسة تؤدي إلى تعطيل جزئ كبير من موارد المصارف الإسلامية ، وهذا يتعارض مع المبادئ التي تقوم عليها ، فتعطيل جزئ من هذه الأموال يؤثر سلبا على العائد الموزع على أصحاب الحسابات الاستثمارية ، فيظهر أرباح البنك أقل من المفترض ، وفي هذا الصدد يرى بعض الباحثين الاقتصاديين عدم إعفاء  البنوك الإسلامية من الاحتياطي القانوني على الودائع الجارية ، ولكن دون الودائع الاستثمارية ، لأن البنك يضمن الودائع الجارية لعملائه وهنا يتساءل بعض الباحثين عن ما هو الأنسب تطبيقه في ظل الاقتصاد الإسلامي ، هل تطبق نظام الاحتياط بالكامل ؟ بمعنى أن المصارف ملزمة بإيداع احتياطي نقدي مساو لما لديها من الودائع الجارية ، أم يمكن الاكتفاء بإيداع مبالغ محددة من هذه الودائع ؟ بمعنى تطبيق الاحتياط الجزئي ، فقد ذهب كثير من الباحثين إلى أن من الأفضل تطبيق نظام الاحتياط الجزئي في نطاق المصرفية الإسلامية ،

  أما عن الحلول المطروحة في هذا المجال فهي على النحو التالي:

1- أن يقوم البنك المركزي بإعفاء الودائع الاستثمارية لدى المصرف الإسلامي من حسابات وقيود الاحتياطي القانوني، لأن هذه الودائع مشروطة على المصرف الإسلامي من قبل العملاء لاستخدامها في مجالات إنتاجية ومشروعات ربحية وليس تعطيل الاستفادة منها لتغطية متطلبات الاحتياطي القانوني  2- عدم إلزام المصرف الإسلامي بأية متطلبات للاحتياطي القانوني إلا في حدود نسب أقل من غيرها من البنوك التقليدية، وذلك بالقياس على إمكانية خفض نسب الاحتياطي للبنوك الصغيرة والودائع لأجل وغير ذلك، وأن يتم هذا الإجراء من خلال فهم قاعدة الغنم بالغرم والآلية التي تنسجم معها، حيث ما زال المصرف الإسلامي لا يتساهل في قبول الفائض الربوي المترتب على مساهماته في الاحتياطي النقدي. 3- عدم تطبيق سعر الفائدة الجزائي على المصرف الإسلامي في حال عدم الوفاء بالحد الأدنى لمتطلبات الاحتياطي القانوني واستبداله بنظام غرامة مرتبط بحجم التجاوز  وذلك انسجاماً مع واقع العمل المصرفي الإسلامي الخالي من الربا. 4- إعادة تبويب المصرف الإسلامي في نطاق بنوك إسلامية وليس بنوك تجارية بحيث تأخذ الصيغة الجديدة مفهوم الاتجاه المهني والتنموي والمؤسسي الذي يسهم في مشروعات ذات أهداف متعددة، إلى جانب مراعاة طبيعة العمل المصرفي الذي لا يعتمد المبادلة بالنقد وسياسة القروض قصيرة الأجل والسحب على المكشوف القائم على مبدأ الربا ، مما يعزز فكرة عدم تأثير المصرف الإسلامي على العرض النقدي مثل غيره من البنوك التجارية التي تعتمد مبدأ الربح السريع وتدوير النقد وسرعة تسييله والتأثير على القاعدة النقدية والعرض النقدي بشكل مباشر، وبالتالي فإن إعادة التبويب وتصنيف المصرف الإسلامي وفق هذه المعطيات يساعد في إيجاد تسهيلات للتعامل معه في تطبيق سياسة الاحتياطي القانوني لضعف علاقته وتأثيره على العرض النقدي . 5- أن يسهم المصرف الإسلامي من جهته بتقنين عملياته المصرفية من حيث حجم الودائع وأنماط الاستثمار لمدة قصيرة أو متوسطة الأجل وضبط سياسة الائتمان والتعامل مع الأسواق المالية وما شابه ذلك وربط جميع هذه المؤشرات بقدرة المصرف على الالتزام القانوني بالحد الأدنى للاحتياطي وذلك للحيلولة دون الوقوع في إشكالات الفائض الربوي

أما عن السؤال الأخير وهو : هل يمكن الأخذ بهذه السياسة في الاقتصاد الإسلامي في العلاقة غير التمويلية ؟

  يتضح لنا مما سبق  بأن سياسة الاحتياط النقدي لا يمكن تطبيقها على المصارف الإسلامية لأنها تختلف تماما مع مبادئها ، كما نستنتج من هذا أن البنك المركزي يجب عليه أن يميز بين الحسابات الموجودة عند المؤسسات المصرفية الإسلامية ، من أجل أن يمكنه هذا من تطبيق الاحتياط الإلزامي على الحسابات الجارية ، ويعيد النظر في الحسابات الاستثمارية