وزير الخارجية السابق ، احمد ولد سيد احمد : شاء القدر أن أوقع العلاقات مع إسرائيل ، وأنا الآن آخذ نصيبي من الخجل العربي .

وزير الخارجية السابق احمد ولد سيد احمد (الصدى)

عادت “نازلة” العلاقات الموريتانية المشؤومة مع الكيان الصهيوني مؤخرا  للمشهد السياسي الوطني ، بعد استهجان شخصيات سياسية لقرار المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة المعارض بتكليف الوزير السابق أحمد ولد سيد أحمد (الديش) بالعلاقات الخارجية في تشكيلته الجديدة ، بوصفه رمزا أو مهندسا للعلاقات الموريتانية الاسرائيلية ، وهو ما دفع (ولد سيد احمد) لإصدار بيان سياسي نفى فيه بشدة أن يكون مهندسا لتلك العلاقات ، وبهذه المناسبة تنشر الصدى حوارا حصريا أجراه مراسل قناة أبوظبي في موريتانيا (رئيس تحرير الصد) مع معالي الوزير ولد سيد أحمد قبل سنوات وبالتحديد خلال الايام التشاورية التي شهدتها موريتانيا على خلفية الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله

 

 

وزير الخارجية السابق أحمد ولد سيد أحمد خلال حديثه لمراسل قناة أبوظبي (رئيس تحرير صحيفة الصدى)

وهذا نص الحوار مع مقدمته :

 

يصف الموريتانيون علاقات بلادهم مع إسرائيل ببصمة العار المخجلة والمذلة،ولا تتوقف المطالبة الشعبية بقطع تلك العلاقة المثيرة للجدل والحيرة، حيث لا تزال دوافعها وأسبابها غامضة حتى الآن بالنسبة للمراقبين للشأن السياسي الموريتاني، فالعاصمة الموريتانية نواكشوط هي ثالث عاصمة عربية يرفرف فيها العلم الإسرائيلي، بعد القاهرة وعمان.

 

 وقد بدأت قصة غرام الرئيس الموريتاني السابق معاوية ولد الطايع باساندريلا “تل أبيب”تتكشف في منتصف تسعينيات القرن الماضي ، حيث افتتحت إسرائيل مكتب اتصال لها في السفارة الاسبانية في نواكشوط سنة 1996م، قبل أن يظهر وزير خارجية موريتانيا احمد ولد سيد احمد (27 أكتوبر/تشرين الأول 1999) بمباني الخارجية الأمريكية وهو يوقع  إلى جانب نظيره الإسرائيلي دايفد ليفي في حضن نظيرتهما الإسرائيلية مادلين أولبرايت وثيقة ترفيع العلاقات الدبلوماسية لمستوى السفراء بين “الصديقتين” موريتانيا وإسرائيل.

 

ورغم ما أثارته تلك الخطوة من غضب شعبي عارم في موريتانيا، واستياء عربي واسع، واصلت موريتانيا مشوارها التطبيعي مع إسرائيل معتبرة أن الآمر يعود لسيادتها ولا يحق للآخرين أن يعترضوا عليه، أما الغليان الشعبي الذي فجرته تلك الخطوة الجريئة فكانت الشرطة الموريتانية على أتم جاهزيتها لتتطلع “بالواجب” اتجاهه ، كما كان رجال الدنيا والدين في منتهى الجهوزية للقمع الفكري والديني للمنتقدين ، مستحضرين وثائق صلح الحديبية ، و مقامع الاحكام السلطانية

 

 

 

وإذا كان مصطلح “التطبيع”تم اختياره بعناية لجعل إسرائيل جسما طبيعيا مألوفا داخل الجسد العربي ، فذلك ما لم يتحقق في موريتانيا على المستوى الشعبي على الأقل، وان كان هناك من يتحدث عن اختراق إسرائيل للكثير من طبقات المجتمع المخملي في موريتانيا.

 

وقد طرحت تلك العلاقة التي يصفها الموريتانيون بالمشؤومة، منذ يومها الأول أسئلة كثيرة حول دواعيها ،ومراميها، ومدى استفادة موريتانيا منها، وسر استمرارها حتى بعد الإطاحة بصانعها ولد الطايع ، لكن تلك الأسئلة ظلت عالقة في فضاء المجهول بدون أجوبة شافية، وهاهي “قناة أبوظبي” تطرحها وغيرها من الأسئلة على من يوصف في موريتانيا بمهندس التطبيع مع الكيان الصهيوني في أول حديث إعلامي مفصل  له منذ توقيعه لتلك العلاقات قبل حوالي عشر سنوات(من تاريخ المقابلة).

 

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

ويبدو أن العربدة الإسرائيلية في قطاع غزة أرغمت احمد ولد سيد احمد الذي شغل منصب وزير الخارجية الموريتاني عدة مرات لقطع صمته والبوح لأول مرة بما “يعلم من إسرار العلاقات الموريتانية الإسرائيلية”

 

و لا يسعنا إلا أن نشكر لمعالي الوزير رحابة صدره وتقبله لأسئلتنا التي تتأثر أحيانا بنبض الشارع الموريتاني وببشاعة ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وهذا نص الحوار:

 

 

 

ينظر إليك في موريتانيا كمهندس للتطبيع بين موريتانيا وإسرائيل وحتى أن البعض يلقبك بهذا اللقب، لكونك أنت من وقعت تلك العلاقات برعاية أمريكية قبل حوالي عشر سنوات

 

هل يمكن أن نعرف منك أهم الأسباب المباشرة للعلاقات الموريتانية الإسرائيلية ؟

 

 

 

أشكركم على إتاحة هذه الفرصة وأريد في البداية أن أصحح أنني لم أكن المسؤول عن ملف التطبيع ولست مهندس هذا الملف، فعلا شاءت الأقدار أن كنت وزيرا للخارجية في الفترة التي تمَّ فيها رفع التمثيل الدبلوماسي لتلك العلاقات إلى مستوى السفراء

 

وأنتم تعلمون أن مسلسل السلام مع إسرائيل بدأ قبل ذلك التاريخ الذي طبعت فيه موريتانيا مع إسرائيل بأربع أو خمس سنوات،

 

وأعتقد أن الأسباب التي أدت للعلاقة مع إسرائيل كانت في الحقيقة أسبابا عامة ، كان هناك إجماع عربي على خيار السلام مع إسرائيل كخيار استراتيجي والإسرائيليون أنفسهم تبنوا هذا الخيار و بدأوا الجلوس على طاولة المفاوضات مع العرب حيث شهدنا اجتماعات متعددة من أبرزها اجتماع “أوسلو” واجتماع “مدريد”وغيرهما،وكانت هناك مفاوضات مباشرة بين الاسرائيلين والإخوة الفلسطينيين ، ومن هذا المنطلق فلا غرابة أن تكون هناك علاقات دبلوماسية بين هذه الدولة العربية أو تلك مع إسرائيل ، وفي هذا السياق جاء التطبيع الموريتاني مع إسرائيل، مع العلم أنه في تلك الفترة كانت هناك قنوات اتصال بين إسرائيل وعدة أطراف عربية بعضها معلن وبعضها لم يعلن

 

وبالنسبة لنا في موريتانيا اعتبرنا أنه ما دام السلام هو الخيار الاستراتيجي للعرب لا ما نع من الارتباط بعلاقات مع إسرائيل ، خاصة أننا كنا نريد لهذه العلاقات أن تكون لمصلحة القضية الفلسطينية ، ودعما لجهود الإخوة الفلسطينيين لانتزاع حقوقهم المشروعة،وهذه برأيي هي أهم دواعي وأسباب التطبيع الموريتاني مع إسرائيل.

 

 

 

معالي الوزير لا بد أنها مفارقة غريبة عصية على   الاستيعاب..أنت تقول أن تطبيعكم مع إسرائيل من أجل القضية الفلسطينية وانسجاما مع الإجماع العربي، في حين أن الوقائع تثبت أن الفترة التي طبَّعت فيها موريتانيا مع إسرائيل كانت علاقاتها سيئة مع محيطها العربي حيث تم قطع العلاقات الدبلوماسية مع العراق مثلا .. كيف نفهم أنكم طبعتم مع إسرائيل حبا للعرب وانتم في حالة جفاء و قطيعة معهم؟

 

 

 

كلامك صحيح جزئيا لكن أنا لست متأكدا أن قطع العلاقات مع العراق في فترة معينة تزامن مع التطبيع مع إسرائيل ، وعلى كل حال هذه مسالة فرعية ، المهم هنا هو انه مهما كانت الخلافات بين موريتانيا والبلدان العربية فإنها لم تسجل حالة قطيعة حقيقية مع العرب ، بل مجرد سحابة صيف من سحابات الصيف التي تخيم في كل الأجواء العربية ، وأنت تعلم ربما أكثر مني انه خلال العقود الماضية ظلت العلاقات العربية البينية تشهد الكثير من التوتر والتنافر بين هذه الدولة وتلك ، لكن سرعان ما تعود المياه لمجاريها الطبيعية

 

وبالنسبة لي مهما كانت مبررات التطبيع في الماضي فإنني في المرحلة الحالية أتفق تماما مع موقف الحكومة الموريتانية الحالية باستدعاء السفير الموريتاني في إسرائيل وأطالب بإرسال رسالة واضحة وصريحة إلى السلطات الإسرائيلية مفادها أن موريتانيا لا يمكن بحال من الأحوال أن تقبل ما يجري الآن في غزة من قتل وتشريد وترويع  للأطفال والنساء والشيوخ والمدنيين الأبرياء العزل.

 

وارى انه يجب علينا أن نقول لإسرائيل الآن وبصورة واضحة  أن السلام لا يمكن أن يكون من طرف واحد ، والتنازلات لا يمكن أن تقتصر على الجانب العربي بل لا بد أن تكون متبادلة بين العرب وإسرائيل كطرفي نزاع .

 

ويجب أن تفهم إسرائيل بل علينا أن نجعلها تفهم أن خيار السلام لا بد له من احترام القرارات الدولية وعلى رأسها اتفاقية جنيف الخاصة بالحرب و…

 

الرئيس السابق ولد الطايع يستقبل وفدا اسرائيليا في مكتبه

الرئيس السابق ولد الطايع يستقبل وفدا اسرائيليا في مكتبه

 

 

 

 

اسمح لي معالي الوزير بالمقاطعة أنت تتحدث عن السلام بهذا التفاؤل الكبير ، وكأنك لا تشاهد ما تمارسه آلة الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة حاليا.. دولة كإسرائيل هذا فعلها وهذه جرائمها غير المسبوقة في التاريخ هل تعتقد أنها لديها منطق للسلام ؟

 

 

 

أنا لا أحكم على الأمور بهذه الطريقة ، واتفق معك أن ما يجري في غزة اليوم غير مقبول ولا ينم عن نية اسرائيلة صادقة وجادة للسلام ، ومهما كانت المبررات التي تصاغ من طرف إسرائيل أنا اعتقد انه على إسرائيل أن تعي جيدا وتفهم أن السلام لا بد له من شروط أساسية لا تتوفر عليها إسرائيل اليوم.

 

لكن أنت تعلم انه ليس هناك شيء مجاني في السياسة لذلك أريد أن اعرف منك بلغة الأرقام وأنت الخبير في هذا الملف ماذا استفادت موريتانيا من علاقاتها مع إسرائيل؟

 

 

 

أنت تعلم أن العلاقات الدبلوماسية لا تقام فقط من أجل المكاسب المادية والآنية ، هناك أسباب ما تجعل دولة معينة في ظرف ما تقرر أن ترتبط بعلاقات مع دولة أخرى ، وهذا ما حصل مع علاقات موريتانيا مع إسرائيل ،وربما تكون لها مكاسب سياسية أو اقتصادية

 

 

 

 أو أمنية ؟

 

 

 

آو أمنية أي أنها متعددة الجوانب ، وفي الحقيقة  عندما نعود ونتذكر المرحلة التي أقيمت فيها العلاقة الموريتانية مع إسرائيل نجد أن حاكم موريتانيا آنذاك وجد أن هذه العلاقة كانت في صالح موريتانيا وطبعا كان هناك ولا يزال جزء من الشعب الموريتاني ومن النخبة المثقفة ترفض هذه العلاقة وهذا طبيعي ، لأنه قليل ما يحصل توافق على مثل هذه القرارات ، ويجب أيضا أن نتذكر أن للدول مصالح..

 

 

 

طيب هذا هو السؤال ما هي مصلحة موريتانيا في العلاقة مع إسرائيل؟

 

 

 

آ..آ… ربما تكون هناك مصلحة عليا للبلد في هذه العلاقة يراها الرئيس آنذاك من شانها أن تخرج موريتانيا من وضعية معينة إلى وضعية أخرى

 

قلت أنها قد تكون مصلحة لإخراج موريتانيا من وضعية معينة…هل يصدق هذا الكلام ما ذهب إليه البعض أن العلاقات مع إسرائيل أقدم عليها ولد الطايع في ظرفية صعبة بعد قطيعته مع محيطه العربي وتوتر العلاقات بينه مع فرنسا ، وارتفاع الأصوات الحقوقية المزعجة في الغرب، فتوجه ولد الطايع مكرها لا بطلا لأمريكا  يخطب ودها ، لكن هذه الأخيرة أوضحت له أن ودها لا يكتسب إلا من خلال  تل أبيب ، لذلك كانت العلاقات ضربة لفرنسا واستهزاءا بالعرب؟

 

 

 

طبعا هذه قراءة من بين القراءات الكثيرة ولكن لا اعتقد أنها وحدها

 

 

 

على الأقل  قد تكون واردة؟

 

نعم قد تكون ورادة ، ولكن لا اعتقد أنها كانت الأسباب الرئيسية لهذه العلاقة ،  يعتقد البعض أن موريتانيا كانت في عزلة أو شبه عزلة دولية وأن هذه الخطوة  يمكن أن تخرجها من تلك العزلة ، فأنا لا أعتقد أن هذا السبب وحده كان وراء هذه العلاقات ، ولا انفي انه قد يكون من بين الأسباب ، ولكن السبب الأساسي هو انه لم يعد هناك محظورا على المستوى العربي بخصوص العلاقات مع إسرائيل بعد أن تبنى العرب بإجماع خيار السلام  كخيار استراتيجي مع إسرائيل.

 

ولكن كيف نستسيغ كلاما كهذا والعرب كلهم انزعجوا من تطبيع موريتانيا حينها، قد تتذكر معالي الوزير أن الأمين العام للجامعة العربية حينها السيد عصمت عبد المجيد استشاط غضبا ووصف موريتانيا بالخارجة على الصف العربي بهذه الخطوة الخطيرة وأكثر من ذلك أعلن انزعاجه من امتناع الرئيس معاوية ولد الطايع من الرد على هاتفه بعد اتصاله عليه للاستيضاح حول خطوة موريتانيا المثيرة للجدل ،

 

  عن أي إجماع عربي تتحدث معالي الوزير ما دامت ردة  الفعل العربية هي هذه؟

 

 

 

  نعم قد يكون حصل بعض هذه الأمور، ولكنني اعتبر أنها مجرد وجهة نظر تقابلها وجهة نظر أخرى تقول أن لكل دولة سيادتها الخاصة بها، ويحق لها أن تتصرف في إطار سيادتها خاصة انه ليس هناك قرار من الجامعة العربية يحظر التطبيع مع إسرائيل، وحتى الآن لم يوجد مثل  هذا القرار ، كل ما في الأمر هو انه في فترات الأزمات  المماثلة للازمة الحالية تطالب الجامعة العربية  بتجميد هذه العلاقات ووقوف الصف العربي موحدا كي يفرض رجوع إسرائيل إلى طاولة المفاوضات وكبح جماح هذا العنف الأعمى الذي نراه الان في غزة.

 

 

 

هناك رأي آخر في موريتانيا يقول أن ولد الطايع أقدم على هذه العلاقات لدوافع أمنية بحتة ، حيث تم تدريب حراسه الشخصيين في إسرائيل وتقديم بعض وسائل القمع الإسرائيلية لأجهزة الأمن الموريتاني ما مدى صحة هذا الكلام إن كنت لا تتحفظ على هذا الملف ؟

 

 

 

لا لا أتحفظ  لكنني كنت مسؤولا عن الشق الدبلوماسي من هذه العلاقات ولم أكن مطلعا بتاتا على هذه المسائل ولا اعرف عنها أي شيء ولا املك حق إثباتها أو نفيها.

 

 

 

مشكلة هذه العلاقات أنها غامضة في كل شيء لدرجة أن هناك مستشفى أو مركزا للأبحاث السرطانية مثيرا للريبة، تعمل إسرائيل على افتتاحه منذ سنوات وحتى الآن لا يزال غامضا ووزارة الصحة الموريتانية لا تعرف عنه أي شيء

 

     ماذا عن هذا المستشفى؟

 

 

 

عندما تركت الوزارة قبل سنتين كان هذا المستشفى في مراحله الأخيرة وعلى وشك التسليم لموريتانيا واعتقد انه سلم في الآونة الأخيرة لوزارة الصحة الموريتانية وتشرف عليه إدارة موريتانية وأطباء موريتانيين وليست عندي تفاصيل أكثر عن هذا المستشفى لأنني كما قلت لك أهتم بالشق الدبلوماسي من هذه العلاقات

 

 

 

معالي الوزير اسمح لي بسؤال شخصي أنت من المشهورين في موريتانيا بطهارة الأخلاق والتسيير ، كيف وجدت نفسك في لحظة معينة توقع اتفاقية تطبيع مع إسرائيل سيخلدها لك التاريخ ، وأنت تعلم جيدا ما ترمز له إسرائيل ومن هم “اليهود” في ثقافة المجتمع الموريتاني المحافظ,

 

  كيف كان شعورك لحظات توقيع تلك الاتفاقية في وزارة الخارجية الأمريكية ؟

 

وزير الخارجية السابق احمد ولد سيد احمد مع نظيره الاسرائيلي ونظيرتهما الامريكية خلال توقيع العلاقات الدبلوماسية بين موريتانيا واسراشل

وزير الخارجية السابق احمد ولد سيد احمد مع نظيره الاسرائيلي ونظيرتهما الامريكية خلال توقيع العلاقات الدبلوماسية بين موريتانيا واسراشل

 

 

 

 

شعوري …شعوري أن للدول مصالح كما قلت لك وأنني موظف للدولة أنفذ سياساتها الخارجية ،والقيادة التي تحكم موريتانيا آنذاك قررت  أن تقيم هذه العلاقة ، وشاء القدر أن أكون  أنا الذي سأوقعها مع نظيري الإسرائيلي بوصفي وزيرا  للخارجية وبالتالي أجدني مرغما على توقيعها ، وربما لو تقررت هذه العلاقات قبل أربعة أشهر من ذلك التاريخ  سيكون شخص آخر هو من سيوقعها …

 

 

 

قد يمتنع من التوقيع؟

 

نعم قد يمتنع لكنني أنا لم امتنع لأنني مقتنع انه في ذلك الظرف كانت تلك العلاقة من مصلحة موريتانيا ،على الرغم من معرفتي الدقيقة أن الشارع الموريتاني والشارع العربي والشارع الإسلامي  ربما لا يكون متفقا مع هذه العلاقات و لا يرحب بها  ولكن التاريخ مليئ  بمثل هذا النوع من القرارات غير الشعبية ، التي ينكشف الغيب بعد فترة أنها كانت ضرورية ولا بد منها لأمور معينة، وربما لا يكشف عنها أبدا ، ولكن الحاكم لا بد له من أن يأخذ ذلك القرار مهما كانت مراراته وقساوته وعدم ملامسته لأمزجة الشعوب.

 

 

 

كأنك معالي الوزير بهذا الكلام تصدق المقالة المأثورة “إذا دخلت السياسة من الباب خرجت الأخلاق من النافذة”؟

 

 

 

أنا ..أنا ارجوا أن تبقى الأخلاق مع السياسة في غرفة واحدة

 

 

 

أنت تقول انك وقعت العلاقة لأنك موظف للدولة وهذا المنطق يثبت ما يقال إن وزير الخارجية الموريتاني مجرد ساعي بريد أليس كذلك؟

 

 

 

لا وزير الخارجية الموريتاني ليس ساعي بريد ربما يكون له تدخل في بعض القرارات التي لا يتفق معها  ، وفي هذه الحالة يسعى لتغيير القرار قبل اتخاذه  وهذا ما حصل فعلا أكثر من مرة ، وعلى كل حال بالنسبة لهذه الحالة حصل ما حصل وأنا فعلا قمت بتوقيع تلك العلاقات.

 

 

 

 لكن من سياق كلامك نفهم أنك لم تسع لتغيير قرار التطبيع مع إسرائيل لأنك تتفق مع هذا القرار ومقتنع به ؟

 

 

 

نعم كما قلت لك كنت مقتنعا أن قرار التطبيع مع إسرائيل يخدم مصلحة موريتانيا في تلك الفترة ، وعلى كل حال حصل ما حصل أنا فعلا كنت مقتنعا بذلك الموقف ، لكن عندما تسألني عن موقفي الآن أقول لك أن ما يحصل في غزة غير مقبول وخطوة استدعاء السفير الموريتاني جاءت في وقتها ، وإذا تمادت إسرائيل في هذا الطغيان وهذا العنف الاعمي يجب أن نخطو خطوة أخرى أكثر حسما من خطوة استدعاء السفير.

 

 

تقصد قطع العلاقات الدبلوماسية؟

 

 

نعم .. نعم ..لم لا..  إذا تمادت إسرائيل ولم تحترم شعورنا كعرب وكدول نرتبط بعلاقات دبلوماسية معها كلفتنا الكثير وشعوبنا لا ترغب فيها لا أرى مانعا من قطع تلك العلاقات وان كان الأمر متروك لاجتهادات حاكم البلاد وتقديراته.

 

 

معالي الوزير لم تجبني إجابة شافية عن استفادة موريتانيا من علاقاتها مع إسرائيل، اسئلك بطريقة أخرى ، ما ذا ستخسر موريتانيا إن هي قطعت تلك العلاقات التي يصفها الشعب الموريتاني بالمخجلة والمذلة ؟

 

 

في الحقيقة أنا لا أريد أن ادخل في حسابات ما ذا ستخسر وما ذا ستربح لأنني كما قلت لك آنفا الخسارة والربح في السياسة لا يحسب أي منهما بحساب الماديات ، ولكن لا شك أن ما تمارسه إسرائيل من جرائم هذه الأيام يستدعي أن تدرس القضية من جديد ويأخذ القرار المناسب ، مع أنني أريد أن أوضح أن خطوة استدعاء السفير ربما تبدو للبعض خطوة خجولة لا تأثير لها ولكن لا ننسى أن هذه الخطوة ربما ستكون من العوامل التي سترجح كفة استدارك الإسرائيليين للوضع عندما يبدأون تقدير الخسائر السياسية التي ربما تترتب على هذه الخطوة

 

 

هذا بشرط … إذا كانت موريتانيا تلعب دورا ما لإسرائيل أو تقدم لها خدمات معينة أي أن تكون هناك مصلحة قوية لإسرائيل في موريتانيا؟

 

 

من جديد أنا لا اعتقد انه في ميدان الدبلوماسية يجدر بنا أن نتحدث عن تقديم الخدمات المادية و…

 

 

على الأقل مصالح سياسية معينة لأننا لا يمكن أن نتوقع أن  إسرائيل تقيم علاقات دبلوماسية لوجه الله   ؟

 

نعم هناك مصالح لان إسرائيل الآن عندها سفارات في ثلاث دول عربية فإذا فقدت إحدى هذه السفارات يعني ذلك أنها تراجعت في سعيها إلى جعل العالم العربي يألفها ويألف حضورها ، ولا ننسى أن هناك اتصالات مع بعض الدول العربية وهذا ليس سرا وان كانت الدول المعنية به تريد له أن يبقى سرا ، لكن مشكلتنا نحن الموريتانيين أننا لا نمارس الأمور في الخفاء نفضل دائما الوضوح في العمل السياسي لذلك أقمنا علاقتنا  مع إسرائيل جهارا نهارا.

 

 

تقصد أنكم أتيتم من الباب وغيركم يأتي من النوافذ والكواليس الإسرائيلية  ؟

 

فعلا .. موريتانيا أتت من الباب مباشرة وهناك من فضل الكواليس وأحيانا تلك الكواليس تكون واسعة جدا وهناك بلدان عربية عديدة لديها هذا النوع من الارتباط بإسرائيل فضلا عن مكاتب الاتصال والمكاتب التجارية وغيرها.، لكن اوكد لك أن إسرائيل إذا كانت جادة في صنع السلام مع العرب لا بد لها إن تنهج نهجا غير الذي نشاهد اليوم ، لأنها إذا تمادت في هذا النهج ستخسر كل ما ربحته من مكاسب سياسية ودبلوماسية من علاقاتها مع العرب ، وخسارتها ستمتد للعالم كله بتشويه سمعتها بهذه الاعمال البشعة التي نرى مظاهرات الإدانة لها في كل بلدان العالم ، وما فعله الرئيس الفنزويلي خير دليل على صحة استقرائي لمستقبل إسرائيل الدبلوماسي والسياسي إن لم تراجع خياراتها ، لقد قطع اتشافيز علاقته مع إسرائيل بسبب جرائمها ضد الفلسطينيين في غزة انتصارا لإنسانيته ، مع أن فنزويلا وغيرها من البلدان الغربية يفترض أن تكون إلى جانب إسرائيل ، وهذا يجعل إسرائيل تتوقع ردة فعل عربية اقوي ما دام غير العرب تصرفوا معها بهذه الطريقة الحاسمة تعبيرا منهم أن محبي السلام في العالم لا يسعهم السكوت على ما يحدث في غزة اليوم .

 

 

على ذكر شافيز ..أليس مخجلا  لكل المطبعين في العالم العربي أن يقطع شافيز علاقاته مع إسرائيل ويطرد السفير الإسرائيلي من بلاده انتصارا لأطفال فلسطين ، وتبقى الأعلام الإسرائيلية ترفرف في بعض العواصم العربية ؟

 

أنا اخذ نصيبي من هذا الخجل لكنني لست في السلطة الآن وربما يأخذ الحكام العرب درسا مما فعل شافيز ، ولا شك أنه عمل مشرف له لكونه يعكس رفضه للظلم ونصرته للمظلومين ورفضه أيضا لسياسة الكيل بالمكيالين، ولا شك أن قراره هذا سيكون محفزا ولا أقول مخجلا للحكام العرب لاتخاذ قرارات أكثر حسما وجدية اتجاه إسرائيل.

 

 

بعد تعيينك وزيرا للخارجية خلال المرحلة الانتقالية التي قادها العقيد اعل ولد محمد فال سنة2005 ، نسبت لك وسائل الإعلام تصريحا أثار استيائا بالغا في  الشارع الموريتاني ضدك ونص التصريح هو “وجودي في الحكومة دليل على بقاء العلاقة مع إسرائيل” ما ذا تقصد بتصريح مثير كهذا؟

 

 

لا اقصد به أي شيء لأنني أصلا لم أصرح بكلام كهذا ولا يمكن أن أصرح به.

 

 

 

التصريح ليس من عندي معالي الوزير .. كل وسائل الإعلام نشرته وأثار ضجة كبيرة في موريتانيا وخارجها على شبكة الانترنت لا ادري هل اطلعت عليه أم لا ؟

 

نعم .. نعم أنا سمعت عن تلك الضجة الإعلامية وقرأت عنها في بعض وسائل الإعلام لكني أقول لك الآن أن ذلك التصريح لم يصدر عني ولم أتفوه به بتاتا ، واعتقد انه بمستوى من السذاجة والسطحية بحيث يصعب تصور انه سيصدر عني.

 

طيب أنت تنفي هذا التصريح الآن لكن لماذا لم تكذبه في وقته وقد بلغ في الناس ما بلغ؟

 

الحقيقة لم أكذبه في ذلك الوقت لأننا كنا منشغلين بأمور أكثر أهمية وأفضل مردودية على موريتانيا من مثل تلك المهاترات الإعلامية التي لا فائدة من ورائها ، نحن يومها كنا نحضر لمرحلة انتقالية تخرج موريتانيا من وضعية معينة سلبية إلى وضعية أخرى نعتقد أنها ايجابية واعتقد أننا وفقنا في ذلك المسعى إلى حد كبير لله الحمد.

 

 

معالي الوزير آسف أن أقول لك أنني من متابعاتي الإعلامية لتاريخ علاقاتكم مع إسرائيل ورغم ما تفضلت به من مبررات في هذا الحوار  لم أتمكن حتى الآن من اكتشاف الأسرار الكامنة وراء تطبيع موريتانيا مع إسرائيل بل ازدادت الأمور غموضا عندي، قلت لي في البداية أنها تمت انسجاما مع التوجه العربي وهذا متعارض مع واقع التنافر بينكم مع العرب حينها ، وعدت وقلت أنها تمت لخدمة مصلحة موريتانيا في تلك الفترة ،ولكن يبدو أنها مصلحة غير واضحة ما زلتم تتكتمون عليها ، وبصراحة لم افهم؟

 

   

 

أنا أيضا اوكد لك أنني مثلك لم اكتشف أسرارا لهذه العلاقة عدا ما قلت لك

 

 

 

أنت لا تكتشف مثلنا نحن الإعلاميين معالي الوزير .. أنت مهندس ملف التطبيع مع إسرائيل ولا يمكن أن نصدق أن هناك شاردة ولا واردة في هذا الملف غائبة عنك ؟

 

 

 

للتصحيح أنا لست مهندس التطبيع مسار التطبيع بدأ قبلي ، لكنني فعلا كنت حاضرا في أبرز محطاته، ومهما يكن ليس عندي من سر عن علاقاتنا مع إسرائيل سوى ما قلت لك آنفا من أن هذه العلاقة جاءت في سياق معين علينا أن نعود إليه لنفهمها ، فذلك هو الأسلوب الموضوعي لقراءة الأحداث ، يجب أن نقرأها غير مبتورة من سياقها وننظر لما قبلها وما بعدها والمحيط العام الذي تتأثر به ، لأنه لا يمكن أن نحكم على العلاقات الموريتانية الإسرائيلية على ضوء ما يجري الآن في قطاع غزة ثم ان…

 

 

 

اسمح لي بالمقاطعة .. وهل كان لإسرائيل في يوم من الأيام وجه غير الوجه البشع الذي نرى اليوم في غزة؟

 

قلت لك آنفا أنني أنظر للأمور بطريقة أخرى ، ونحن هنا بصدد قراءة خطوة التطبيع الموريتاني مع إسرائيل في لحظتها التاريخية وسياقها السياسي  ولا بد لنا أن نتذكر جيدا الوضعية التي كانت فيها موريتانيا في تلك الفترة ، ودعني هنا أكشف لك سرا وهو انه في تلك الفترة راجت شائعات كثيرة تقول أن دولا عربية بصدد التطبيع مع إسرائيل ، لكن موريتانيا لم تتسرب للشائعات لأن ملف التطبيع كان يحاط بسرية تامة من الطرفين الموريتاني والإسرائيلي ، وفي ذلك الوقت أي منتصف التسعينيات من القرن الماضي كان الجو مهيئا للتطبيع للأسباب التي ذكرت لك في بداية هذا الحديث ، وارتبطت عدة دول عربية بعلاقات تتفاوت في مستواها ووضوحها ، وكان هناك توجه عربي عام هو انه علينا كعرب أن نستدرج إسرائيل ونعطي الفرصة لأصوات “الحمائم” الإسرائيلية التي ترتفع من حين لآخر تطالب بالسلام مع العرب  وتقول للإسرائيليين أن التعايش مع العرب ممكن وضروري لمصلحة إسرائيل أمنيا وسياسيا، وكنا كعرب نرى أنها فرصة لنؤكد لإسرائيل ونخبتها السياسية  أن العرب يرغبون في صناعة السلام ولا يريدون قذف إسرائيل في البحر وهذه اللغة أصبحت من الماضي وتم تجاوزها نهائيا ، ولكننا نريد سلاما حقيقيا يكون كل طرف مستعد لتقديم ما يلزمه من التنازلات والتضحيات ، وأتذكر جيدا أنني قلت في كلمتي في حفل ترفيع العلاقات الدبلوماسية بيننا مع إسرائيل أن موريتانيا تريد الحقوق الفلسطينية كاملة غير منقوصة وفي مقدمة تلك الحقوق القدس الشريف كعاصمة أبدية لدولة فلسطين المستقلة ،  لأن تطبيعنا مع إسرائيل لا يعني بحال من الأحوال تنازلنا عن أي حق من حقوق الشعب الفلسطيني ، ولا نستطيع لأنه حق ثابت غير قابل للتصرف وهذه الحقوق هي حقوق للشعوب العربية والإسلامية لا للفلسطينيين وحدهم.

 

 

 

افهم من هذا الكلام أن استدراج إسرائيل للسلام يكاد يكون دافعكم الأساسي للتطبيع معها، هل يعني ذلك أنكم كنتم تنسقون مع الفلسطينيين  مسار تطبيعكم  خطوة خطوة خاصة خطوة ترفيع العلاقات لمستوى السفارات ؟

 

آ….نعم  …التنسيق… كان هناك …هم على علم أننا سنقوم بهذه الخطوة لذلك عندما قدموا إلى موريتانيا خلال ..( لا أتذكر)المهم أن الرئيس ابومازن لما زار موريتانيا في العام الماضي سألتموه وقال لكم أن العلاقات الموريتانية مع إسرائيل تخص السيادة الموريتانية  ولا تؤثر على القضية الفلسطينية

 

والحقيقة أننا كنا نقول منذ اليوم الأول أن هذه العلاقات توضع تحت تصرف الفلسطينيين.

 

 

 

أي متى ما أشار عليكم الفلسطينيون بقطعها قطعت فورا؟

 

طبعا إذا كان هناك اعتراض جوهري على هذه العلاقة حيث يقولون أنها تفسد عليهم مسار المفاوضات أو غيره كان يمكن أن نعيد النظر في هذه العلاقة ، ولكن في الحقيقة لم يحصل شيء من هذا ونحن دائما ننسق مع إخوتنا الفلسطينيين في اجتماعات الجامعة العربية والأمم المتحدة .

 

 

نغلق ملف التطبيع  لنعرف رأيك في الأزمة السياسية التي تشهد ها موريتانيا حاليا خاصة انك كنت وزيرا للخارجية خلال المرحلة الانتقالية الماضية التي توقعتم أن تشكل قطيعة نهائية مع ظاهرة الانقلابات العسكرية في موريتانيا ، لكن في اقل من سنتين “تعود حليمة لعادتها القديمة” حيث استيقظ الموريتانيون كالعادة صبيحة السادس من أغسطس الماضي (2008)على انقلاب عسكري يطيح بأول رئيس مدني منتخب في البلاد

 

بوصفك احد وزراء تلك المرحلة الانتقالية كيف تنظر لهذه الأزمة ؟

 

أنا في الحقيقة أعتقد أن موريتانيا عبر تاريخها الحديث اجتازت مراحل متفاوتة في الصعوبة ، فلا شك أن أوضاع البلاد قبل الثالث من أغسطس 2005 وصلت في عهد الرئيس معاوية ولد سيد احمد ولد الطايع لحالة انسداد حقيقي خطير وتدهور أخطر في أداء الإدارة ، وهذا ما جعل المؤسسة العسكرية تتدخل لتقوم بانقلاب عسكري يطيح بولد الطايع ، ولكن العسكريين أعلنوا في اللحظات الأولى للانقلاب عن أهدافهم المتمثلة في مرحلة انتقالية حددت في البداية بسنتين كحد أقصى وبعد فترة قلصوها إلى تسعة عشر شهرا ، وقدموا للشعب الموريتاني تعهدات تم احترامها جميعا والوفاء بها ومن أهمها عدم الترشح لكل الاستحقاقات الانتخابية ،ولا أريد أن اثني على أدائنا كحكومة في تلك الفترة وأترك ذلك للتاريخ وللشعب الموريتاني ، ولكن أؤكد لك أن كل الاستحقاقات جرت في ظروف شفافة لا بشهادتي ولا بشهادة زملائي الوزراء ولا حتى بشهادة العقيد اعل ولد محمد فال الذي كان يرأس البلاد في تلك الفترة وإنما بشهادة المراقبين المحليين والدوليين.

 

واعتقد أن السؤال المطروح اليوم هو ما ذا جرى حتى تصل البلاد لحالة انسداد سياسي قبل اقل من سنتين من خروجنا من حالة مماثلة ، وطبعا لا استطيع تقديم إجابة شافية على هذا السؤال الآن لأنني لست مطلعا على خفايا الأمور لابتعادي عن دائرة القرار السياسي ، لكن دعني أقول لك أن هناك مفارقة غريبة ،وهي انه لأول مرة في التاريخ السياسي الموريتاني ينتخب رئيس للبلاد ( واقصد هنا الرئيس السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله ) بطريقة ديمقراطية شفافة يجمع عليها كل الموريتانيين والمراقبين الدوليين ، ولأول مرة تحصل أزمة سياسية بهذه الخطورة بعد اقل من سنتين من حكم هذا الرئيس المنتخب ، وهذه مفارقة تحتم علينا أن نطرح السؤال التالي ونفكر فيه كموريتانيين و هو هل الديمقراطية هي النظام الأمثل لموريتانيا وهل ما أسميه أنا بالديمقراطية الميكانيكية هي الضمان لعدم حصول الانسداد بين المؤسستين التنفيذية والتشريعية.

 

 

 

ما دمت تطرح مثل هذه التساؤلات لم لا يكون السؤال هو هل تستحق موريتانيا الديمقراطية أصلا أو هل النخبة السياسية الموريتانية مؤهلة لممارسة الديمقراطية؟

 

أنا اعتقد أن موريتانيا تستحق الديمقراطية أو تستحق نظاما آخر أفضل وأكثر ملائمة مع تقاليدنا وطبيعتنا ، وهذا ما يجب أن نفكر مليا فيه لاختيار شكل النظام السياسي الذي نريد لبلادنا  لكي لا نعود للانسداد مرة أخرى، واسمح لي هنا أن أثمن ما حصل في المنتديات الديمقراطية التي انتهت قبل أيام حيث جلس الموريتانيون بمختلف أطيافهم ومشاربهم السياسية ليناقشوا وضع بلادهم .

 

هذه المنتديات التي تشيد بها نظمتموها  خلال المرحلة الانتقالية الماضية، لذلك أنا أسألك إلى متى تظل موريتانيا في هذه الدوامة : انقلاب عسكري.. فأيام تشاروية… فانتخابات رئاسية… فتنصيب رئيس جديد… فانقلاب عسكري.. فأيام تشاورية…وهكذا دواليك .إلى متى وموريتانيا في هذه الدوامة ، خاصة انك وغيرك من رجال الدولة تشاركون في كل هذا ؟

 

أنا أرجو أن لا تظل موريتانيا ولا يجب أن تظل داخل هذه الدوامة واعتقد أنها ستتجاوزها

 

ما هي الضمانات .. أنت كنت وزيرا للخارجية في المرحلة الانتقالية السابقة التي نظمت أياما تشاورية وأنت الآن كنت رئيسا لإحدى لجان الأيام التشاورية الحالية؟

 

اعتقد أن الخطوة الأولى لتجنب تكرار ما حصل وإخراج موريتانيا من هذه الدوامة هو أن تتاح الفرصة لكل الموريتانيين لإبداء آرائهم في نظامهم السياسي واستخلاص الدروس من الأخطاء التي حصلت في الماضي ، وهذه المنتديات الديمقراطية التي نظمتها الحكومة الموريتانية مؤخرا هي أفضل ضمان لذلك التواصل بين الشعب والقادة

لكن هناك أزمة على الأرض لا يمكن تجاهلها ،هناك رئيس منتخب أطيح به بالقوة يصر حتى الآن انه متمسك بشرعيته التي منحه إياها الشعب الموريتاني ، وهناك قوى موريتانية تدعم هذا الرئيس قاطعت المنتديات الديمقراطية التي تتحدث أنت عنها

 

 

 

لكن دعني أسألك بوصفك وزيرا للخارجية لعدة مرات عن رأيك بخصوص المواقف الدولية المتشددة اتجاه موريتانيا خاصة تلك الرافضة للاعتراف بحكام موريتانيا الحاليين؟

 

كما قلت لك آنفا أنا لست مطلعا على الأمور كلها ، لكنني لم اسمع أن هناك عدم اعتراف ، ما سمعته هو التلويح بعقوبات دولية ضد موريتانيا إن لم تتم بعض الأمور ، وأعتقد أن المفاوضات ما زالت جارية في إطار اتفاقية “كوتونو” التي تحدد 120 يوما للمفاوضات من اجل التوصل لصيغة تتفادى بها موريتانيا العقوبات ونحن الآن في وضعية يجب أن نتعامل معها وهذه الوضعية اعتقد أنها على قدر كبير من الأهمية فهناك حديث عن انتخابات رئاسية في نهاية مايو القادم ، وهذه هي الخطوة الأولى والأهم لان الحلقة المفقودة الآن هي مؤسسة الرئاسة وطبعا يجب أن نعمل على أن تكون هذه الانتخابات شفافة ونزيهة وتتوفر لها جميع الظروف التي تجعل المجتمع الدولي يثق فيها، لأننا بذلك نضمن أن لا نضع موريتانيا في عزلة دولية تعرضها لعقوبات قد لا تتحملها.

 

 

 

أليس محبطا لك كأحد رجالات الدولة الموريتانية أن تعود موريتانيا لمربع الانقلابات العسكرية ، وتنسف كل الجهود التي قمتم بها خلال المرحلة الانتقالية الماضية ؟

 

لن أكون صادقا معك إذا قلت لك أنني لست محبطا، أو على الأقل لست مرتاحا لما وصلت إليه الأمور في بلدي بعد أن اجتهدنا – كما قلت لك- أن نضعها في وضعية أخرى تتوجه فيها للتنمية والاستقرار ، وعلى كل حال نحن نأمل أن نتدارك الوضع وتعود المياه لمجاريها الطبيعية.

 

 

 

شكرا جزيلا معالي الوزير على رحابة الصدر والاريحية في تقبل الاسئلة

وأنا أشكركم على إتاحة الفرصة واثارة كل هذه المواضيع الحساسة والهامة