وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ / الشيخ بحيد بن الشيخ يربان

قال الله تعالى:{وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196] سَأَلَنِي بَعضُ الإِخوَةِ عَن صِحَّةِ حَجِّهِم الّذي تَرَكُوا بَعضَ سُنَنِهِ وَنقَصُوا بَعضَ واجِباتِهِ أيْضاً ظَنًّا مِنْهُم أَنَّ الشَّارِعَ أَعطَى الخِيَارَ بَيْنَ فِعلِ السُّنَّةِ وَبَينَ تَركِها ، وَاعطَى الخِيارَ كَذلِكَ بَيْنَ فِعْلِ الوَاجِبِ وَبَيْنَ الفِديَةِ بَدَلاً عَنْهُ.

حَيْثُ يقولونَ: إِنَّهم يَمضونَ يَوْمَ التّروِيَةِ فِي مَكّةَ المَكَرّمة من غَيْرِ عُذرٍ، وَلا يَبِيتُونَ بِمَشْعَرِ مِنَى لَيلةَ تِسْعٍ، بَلْ يَتَجاوَزونَهُ إلى مَشْعَرِ عَرَفَة لِلوَقْفَةِ ، ثُمَّ يَنْزِلونَ بِمُزدَلِفَة لِلصّلاةِ وَلا يَبِيتونَ بِها، بَلْ يَتَوَجَّهونَ إلى مَكّةَ المكرّمة لِلنَّحرِ وَالحَلْقِ وَلِلإفاضَةِ وَ السَّعيِ ، وَيُقيمونَ بِها بَقِيّةَ أيّامِ الحَجِّ. وَيُوَكِّلَونَ على رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ الكُبرى في اليَومِ العاشِرِ وَرَمْيِ الجَمَراتِ الثّلاثِ في أيّامِ التَّشْرِيقِ.

وَيَكْتَفونَ بِالفِديَةِ عِوَضاً عَنِ المَبِيتِ لَيالِيَ التّشْريقِ في مِنى، وَهَكَذا يَخْتَزِلونَ الحَجَّ وَسائِرَ أَعْمالِهِ وَمَقاصِدِهِ في يَوْمٍ وَاحِدٍ بَدَلاً عَن خَمْسَةِ أيّامٍ لِلمُتَعَجِّلِ أوْ سِتَّةَ أيّامٍ لِلمُتِمِّ.

وَ يَقولونَ: إنَّهمُ رُبّما انْتَقَضَ وُضوءُ الواحِدِ مِنهُم في الشَّوطِ السّادِسِ مِنَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ ولا يُجَدِّدُ وُضُوءَهُ، بَلْ يُتِمُّ طوافَهُ وَهُوَ مُحدِثٌ ظَنًّا مِنهُ أنَّ ذلِكَ مُجْزِئٌ؟

الجواب:

العِباداتُ تَوْقِيفِيّةٌ؛ وَيَحرُمُ النَّقصُ منها  أوِ الزِّيادَةُ فيها على ما حَدَّدَهُ الشّارِعُ لِقَوْلِ النّبيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ وسلّم:(من أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ مِنهُ، فَهُوَ  رَدٌّ) [رواهُ البُخاريُّ ومسلم] ، وفي روايةٍ لمسلمٍ: (من عَمِلَ عَمَلًا ليسَ عليهِ أمْرُنا، فَهُوَ  رَدٌّ)، أي مَردودٌ على صاحِبِهِ.

وَقَد أكْمَلَ اللّهُ تعالى الدِّينَ لقولهِ تعالى:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[المائدة:3]، وَلقولِ رَسولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ: (ما بَقِيَ شَيْءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الجَنَّةِ ويُباعِدُ من النّارِ إلا وَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ) [رواهُ الطّبرانيُّ].

وَيَجِبُ تَنْبيهُ هؤلاء الحجاجِّ في هذا المَقامِ  أنَّهُ يُشْتَرَطُ في العبادَةِ أن يَعرِفَ المُتَعَبِّدُ حُكمَها شَرعاً، وَأن تكُونَ مُوافِقَةً لِلكِتابِ وَالسُّنَّةِ، وَأن تَكونَ خالِصَةً لِلَّهِ تعالى، وأن يَعمَلَها بِنِيَّةٍ وَيَصبِرَ عَلى أدائِها.

وَتَشْتَمِلُ مَناسِكُ الحَجِّ على أَركَانٍ وَواجِباتٍ وسُنَنٍ ، فَالأَركانُ لا يَصِحُّ الحَجُّ إلا بِها، وَالواجِباتُ تُجْبَرُ بِدَمٍ، وَ السُّنَنُ لا شَيْءَ فيها.

وقَد بَيَّنَ النّبيُّ صلّى اللّهُ عَليهِ وآلهِ وسلّمَ المَناسِكَ قَوْلاًَ وَعَمَلاً،  وَأَمَرَ الصَّحابَةَ رَضيَ اللّهُ عَنهُمْ بِأَخْذِها عَنْهُ وَالاِقْتِداءِ بِهِ فِيها لِما رَواهُ جابر رضيَ اللّهُ عنهُ قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحرِ، وَيَقُولُ : (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) [رواهُ مسلم].

وَهُوَ كَقَوْلِهِ  صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ لهُم في الصلاةِ:

(صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)[رواهُ البخاري]، فَقَد عَلَّمَهُمْ فِقْهَ الصَّلاةِ، وَأخَذُوها عَنْهُ عَمَلِياً.

وَنَقْتَصِرُ على ذِكْرِ المَواطِنِ التي يَقَعُ فيها الخَلَلُ في الحَجِّ غالِباً لِلتَّنْبِيهِ وَالتَّصحيحِ.

فَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمِنى وَمُزدَلِفَة وَ أعمالُهُم فَقَد روَى الإمامُ مُسْلِمٌ في حَديثِ حَجَّةِ الوَداعِ أنَّ النّبِيَّ صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلّمَ تَوَجَّهَ إلى مِنى يَوْمَ التَّروِيَةِ قَبْلَ الزَّوالِ ، وصَلّى بها الظُّهرَ وَالعَصرَ والمَغرِبَ والعِشاءَ والفَجْرَ.

ثُمّ مَكَثَ حَتّى طَلَعَتِ الشّمْسُ فَسارَ إلى عَرَفَةَ وَنَزَلَ في قُبَّةِ ضُرِبَتْ لهُ بِنَمِرَة.

وَلَمّا خَطَبَ النّبِيُّ صلى اللّهُ عليهِ وآلِهِ وسلّمَ وَصَلّى الظُّهرَ والعَصرَ قَصراً وجَمْعاً مُقَدَّماً اِسْتَقْبَلَ  القِبْلَةَ وَتَفَرّغَ لِلدُّعاءِ حتّى غَرَبَتِ  الشَّمْسُ.

ثُمََ تَوَجَّهَ إلى مُزدَلِفَةَ وَقَد شَنَقَ لِلقَصْواءِ  الزِّمَامَ حتّى إنّ رَأسَها لَيُصِيبُ مُقَدِّمَ رَحْلِهِ ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ اليُمنى إلى الحُجَّاجِ  ويقولُ لهُم: (أيُّها النّاس السّكينةَ السَّكِينَةَ).

ثُمَّ صَلّى بِمُزدَلِفَةَ المَغرِبَ واَلعِشاءَ قَصراً وَجَمْعاً مؤخرا، وَباتَ فيها  ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ، وَلَمْ يَزَلْ واقِفاً عِندَ المَشعَرِ الحَرامِ حَتّى أسْفَرَ جِدًّا  فَسَارَ إلى مِنى لِلرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالحَلْقِ ثُمَّ تابَعَ مَسيرَهُ إلى مَكَّةَ وَطافَ لِلإِفاضَةِ.

ثُمَّ رَجَعَ إلى مِنَى وَصَلّى بِها الظُّهْرَ، وَأقامَ بِها أيَّامَ التَّشْريقِ الثَّلاثَةِ يُصَلِّي كُلَّ صلاةٍ في وَقْتِها وَيَقْصُر الرُّباعِيَّةَ، وَيَبيتُ بها ليلاً وَيَزورُ البَيْتَ الحرامَ نهاراً لِلطَّوافِ كما في البُخارِيِّ.

وَ رَوَى الشَّيْخانِ أنّ النّبيَّ صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ رَخَّصَ لِسَيِّدِنا العبّاسِ رضيَ اللهُ عنهُ في الإقامَةِ بِمَكَّةَ وَالمَبيتِ بِها لَيالِيَ التَّشريقِ لِقِيامِهِ بِالسِّقايَةِ ، كَما رَوَى الإمامُ أحمد في مُسْنَدِهِ أنّهُ صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَّ رَخَّصَ لِلرُّعاةِ في المَبِيتِ خارِجَ مِنًى لِلضَّرورَةِ أيضاً، وَأمَرَهُمْ أن يَرموا يَومَ النَّحرِ ثُمَّ يَجْمَعوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ مِن أيّامَ التَّشْريقِ في اليَوْمِ الأوَّلِ أوِ الثاني مِنها، أوْ يَرمُوا في الأوّلِ والثّالثِ رَحمَةً بِهِمْ.

وَقَد أذِنَ النبيُّ صلى اللّهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ لِمَن أرادَ التَّعَجُّلَ يَوْمَ الثّاني عَشَرَ مِنَ الحَجِّ أنْ يَتَعَجَّلَ  لقولهِ تعالى:

 (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [البقرة:203].

فَتَبَيَّنَ مِن هذا سُنِّيَةُ دُخولِ  مَشْعَرِ مِنَى  يَوْمَ ثَمانٍ مِن ذِي الحِجَّةِ  وَهُوَ يَومُ التَّروِيَةِ ، وَالإِقامةُ بِهِ لِلتَّعَبُّدِ لِلّهِ عَزَّ وَجَلَّ  بِالدُعاءِ وَتَأدِيَةِ الصَّلواتِ المَفروضَةِ فيها،  وَلِلمَبيتِ بِها لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَ اتَّضَحَ كَذَلِكَ وُجوبُ المَبيتِ في مِنَى أيَّامَ التَّشْريقِ  وَسُنِّيَّةُ تَأدِيَةِ الصَّلواتِ الخَمْسِ بِها، وَالدُّعاءِ فيها كما فَعَلَ النَّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وآلِهِ وسلّمَ  في حَجَّتِهِ.

وَأما كَفَّاراتُ الحَجِّ وَفِديَتُهُ إنَّما شُرِعَت جَبْراً لِلنَّواقِصِ التي تَقَعُ  غالِباً بِسَبَبِ الجَهْلِ وَالسَّهْوِ وَالاِضْطِرارِ لا بِسَبَبِ التَّكاسُلِ وَالتَّساهُلِ.

ولا يُتَصَوَّرُ أنَّ مُسْلِماً يَترُكُ سُنَّةً أو فَريضَةً بِاختِيارِهِ سَواءٌ في حَجٍّ أو غَيْرِهِ فذَلِكَ مِن واجِبِ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ.

وَيَجِبُ أن يَعلَمَ هؤلاء الحجاجُّ أَيْضاً أنَّ ما تَرَكَوهُ مِنَ السُّنَنِ  هُوَ مِن صُلْبِ مَناسِكِ الحَجِّ ، واللّهُ سبحانهُ يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن:16].

وَيَقولُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد:33].

فَإذَا أدَّى الحَاجُّ الأَركانَ وَالواجِباتِ وَتَرَكَ بَعضَ السُّنَنِ فَحَجُّهُ صَحيحٌ فِقْهاً وَلكِن (قَد فَاتَهُ مِنَ الأَجْرِ بِقَدرِ ما نَقَصَ مِنَ السُّنَّةِ) لأنَّ اللّهَ تعالى يَقول: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة:196].

وَلا يَتِمُّ الحَجُّ قَطعاً  إلّا بِالإِتْيانِ بِأَعمالِهِ كُلِّها مِن أَركانٍ وَواجِباتٍ وَسُنَنٍ كَما هُوَ مُبَيَّنٌ في مَحَلِّهِ.

وَقَد تَبَيَّنَ أيضاً سُنِّيَةُ المَبيتِ بِمُزدَلِفَةَ وَالبقاءِ فيها بَعدَ صلاةِ الفَجْرِ حتَّى الإِسْفارِ.

وَأمَّا مَن حَجَّ مَعَهُ الضَّعَفَةُ فَهُوَ مَعذورٌ  في عَدَمِ المَبيتِ في مُزدَلِفَةَ خاصَّةً لما رواهُ الشّيْخانِ عن النبيِّ صلى اللّهُ عليهِ وآلهِ وسلمَ أنَّهُ أَذِنَ لِأُمِّ المُؤمنينَ سَوْدَة رضيَ اللهُ عنها أن تَفيضَ من مُزدَلِفَةَ ليلةَ العِيدِ إلى مِنى، وكَذا بِالنِّسبَةِ لِمَن كانَ في خِدمَةٍ ضَرورِيَّةٍ  لِلحُجّاجِ أو أهلِ البَلدَةِ تُشْغِلُهْ عَنِ الإتْيانِ بِسُنَّةِ  الإِقامَةِ في مِنى يَومَ التروِيةِ، أو تُشْغِلُهُ عن واجِبِ المَبِيتِ بِها ليالِيَ التَّشْرِيقِ قِياساً على سِقايَةِ الحُجَّاجِ وَرِعايَةِ مَواشِيهِمْ وَحِراسَةِ أمْتِعَتِهِمْ وَنَحْوِ ذلِكَ كَمَنْ خافَ على نَفسٍ أو عِرضٍ أو مالٍ.

وَأمَّا مَن يُوَكِّلُ على الرَّمْيِ في اليَومِ العَاشِرِ  وَأيَّامِ التَّشْريقِ لمَرَضٍ وَنَحوِهِ كَكِبَرٍ وَإعاقَةٍ فَحُكمُهُ أن يُرافِقَ وَكِيلَهُ  إلى الجَمَراتِ حتّى يَرمِيَ على عَيْنِهِ وَيُكَبِّرَ عَن نَفْسِهِ ،فَإِن تَعَسَّرَ تَنَقُّلُهُ لَزِمَهُ البَقاءُ في مِنَى حتّى يُتِمَّ وَكِيلُهُ الرَّمْيَ عَنهُ كما نَصَّ عليهِ الفُقَهاءُ.

وَأمّا مَن أكْمَلَ شَوطَهُ السّادِسَ وَالسّابِعَ من طَوافِهِ بِالبَيْتِ وَهُوَ مُحدِثٌ فَيَجِبُ أن يَعلَمَ أنَّ الطّهارَةَ وَالوضوءَ شَرطٌ لِصِحَّةِ الطّوافِ  بِالبَيتِ عِندَ المَذاهِبِ  الأربَعَةِ ، فَمَن أَحدَثَ في الطَّوافِ اِنتَقَض طَوافُهُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَوَضَّأَ ، وَيَبْني على ما جاءَ بِهِ مِن أَشْواطٍ عِنْدَ الحَنابِلَةِ، أوْ يَسْتَأنِفَ طَوافَهُ مِن جَديدٍ عِندَ المالِكِيَّةِ.

[اُنظُر:الموسوعة الفِقْهِيَّة29/ 131].

فَتَجْدِيدُ الوُضوءِ هُوَ الأَحْوَطُ وَالأَبْرَأُ لِلذِّمَّةِ لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وآلهِ سلم:

(دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ) [رواهُ الترمذي].

وَلِقَولِ النّاظِمِ:

وَذُو اِحتِياطٍ في أمورِ الدِّينِ **

مَنْ فَرَّ مِن شَكٍّ إلى يَقِينِ

ذلك لأن الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة لما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الطواف حول البيت مثلُ الصلاة ، إلا أنَّكم تتكلَّمون فيه ، فمن تكلَّم فيه فلا يتكلَّمنَّ إلا بخير) [رواه الترمذي وغيره].

وَأمّا السَّعيُ بَيْنَ الصَّفا والمَروَةَ فَيُنْدَبُ لَهُ الوُضوءُ وَلَيْسَ شَرطاً فيهِ، لِما جاءَ عَنْ أُمِّ المُؤمِنينَ عَائِشَة رٍضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ ، وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلاَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : (افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي) [رواهُ البُخاريُّ ومُسلم].

وَيَجِبُ على الحاجِّ التَّخَلُّقُ بِآدابِ الإِسلامِ  مِن بَذْلِ المَعروفِ لِلحُجّاجْ وَكَفِّ الأَذى عَنْهُم ولاسِيَما تَركُ أَذِيَّتِهِمْ بِالتَّدخينِ؛ لِأَنَّ فيهِم الكَبيرُ والصَّغيرُ والمَريضُ ، وَرُبَّما اضطَرَّ الحاجُّ  إلى التَّنَقُّلِ مِنْ مَكانٍ لآخَرَ فِراراً مِنَ الدُّخانِ، وَقَد يَضْطَرُّ إلى فراق رفقته بِسَبَبِ تَأَذِّيهِ مِنْهُ ، وَقَد وَرَدَ  في الشَّرعِ  أنَّ  أذِيَّةَ النّاسِ منَ الكَبائِرِ والإضرارَ بِهِم مِن عَظائِمِ الذُّنوبِ وَلاسِيَما في الأشْهُرِ الحُرُمِ  وأيّامِ الحَجِّ الأكْبَرِ حَيثُ تَتَضاعَفُ فيها الحَسناتُ وَالسّيِّئاتُ، وَقَد قالَ تعالى:

(ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب) [الحج:32].

وقالَ جَلَّ وعلا:

(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ) [البقرة:197].

ولقولِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلم:(لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ) [رواهُ ابن ماجَهٍ وغيرُهُ].

وَيَجِبُ على الحاجِّ أيضاً أن يُعَظِّمَ الحَرَمَينِ الشَّريفينِ والمَشاعرَ المُقَدَّسَةَ وَأن يُنَزِّهَها عَن التَّصويرِ وَالتَّصَاوِيرِ لِأَنَّها مَواطنُ عِبادَةٍ وَإخبات وَإخلاصٍ.

وَقَد جاءَ  في صحيحِ البُخارِيِّ أنَّ النّبيّ صلّى اللّهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ لمّا دَخَلَ مَكّةَ يَوْمَ الفَتحِ  الأَكْبَرِ كَسَرَ الأصنامَ، وطَهَّرَ الكَعبَةَ المُشَرَّفَةَ مِنها، وَطمس الصُّوَرَ َ على جُدرانِها ، وقالَ:

(جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء:81] [انظر سيرة ابن هشام41/4].

وقالَ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم أيضاً:

(اِمْسَحوا ما فيها مِنَ الصُّوَرِ ، قاتَلَ اللّهُ قَومًا يُصَوِّرونَ ما لا يَخْلُقونَ) [رواهُ أبو داود].

وَلنا فِيهِ صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ  في تَعظيمِ شَعائِرِ اللّهِ تعالى ، وَالاِشْتِغالِ بِما يُقَرِّبُنا  إلَيْهِ سُبحانَهُ مِن سائِرِ الطّاعاتِ ولاسِيَما في هذهِ الأيّامِ المَعلوماتِ، وَالاِبْتِعادِ عَنْ كُلِّ ما يُعَكِّرُ صَفْوَ العِبادَاتِ وَالشَعائِرِ ، وَ يُبْطِلُ الأعمالَ الصّالِحاتِ.

فَقَد بَيَّن النّبيُّ صلى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلّم شُروطَ الحَجِّ المَبرورِ فقالَ:

(منْ حجَّ فَلَم يرْفُثْ، وَلَم يفْسُقْ، رجَع كَيَومِ ولَدتْهُ أُمُّهُ) [متفقٌ عَلَيْهِ].

هذا ما تَيَسَّرَ بَيانُهُ ، واللّهُ تعالى  أعلم.

وَفَّقَنا اللّهُ وَإيَّاكُم وَتَقَبَّلَ مِنَّا وَمِنكُم.

وَصَلِّ اللّهُمَّ وسلّم على نبيّنا محمدٍ وآلِهِ وصحبهِ أجمعين.