آخر الانقلابيين / البشير ولد عبد الرزاق

حتى الرمق الأخير، ظل رفاق بينيتو موسوليني من اليسار الإيطالي، يتوسلون إليه بإخلاص شديد، لكي يقلع عن فكرة الفاشية ويتخلي عن لقب “الدوتشي”، (يعني القائد بالإيطالية)، لكن ابن الحداد والمعلمة، الذي عاش جزءا من حياته متسكعا في شوارع العاصمة السويسرية جنيف، ينام تحت جسور المدينة، قبل أن يصبح بمحض الصدفة زعيما لإيطاليا بتاريخها وجبروتها، كان يسخر من رفاقه القدماء أولئك، ويصفهم بالبط المذعور،

 

انتهى الأمر بأحمق روما، ذات مساء بارد، معلقا من قدميه صحبة عشيقته كلارا، في إحدى محطات البنزين وسط مدينة ميلانو، تفوح من جثته رائحة نتنة، وقد تحلقت الجماهير من حوله، تسبه وتشتمه وتبصق عليه وتركله بأقدامها وترميه بما في أيديها،

 

عكس ما حصل مع موسوليني، لم يكن ولد عبد العزيز محظوظا في رفقته، إذ لم يكن من بين الرفاق “يساريا إيطاليا” واحدا مخلصا، جميعهم توسلوا  إليه أن يتشبث بالسلطة غصبا، أن يأخذ الوطن معه في جولة مسائية داخل حدائق القصر، ويرميه في أقرب صندوق زبالة، وينفض يديه حتى لا يعلق بهما منه شيء، بل وجاءوه عشاء بكتيبة برلمانية تعادل مرتين تلك التي دفعت عربته ذات صباح خريفي نحو القصر، لكن الرجل رفض ذلك العرض الرخيص، وانتصر على كل إغراءات اللحظة،

 

وحده ولد عبد العزيز من قرر الخروج من البوابة الكبيرة، ضحى والناس ينظرون! ووحده ولد عبد العزيز من أنقذنا من نزواتنا ونوبات جنوننا، حين حشرنا المادة 28 في الزاوية، وصوبنا إليها خراطيم بنادقنا العتيقة، واعتبرنا الأمر ملحمة وطنية!

 

لم يختلف الموريتانيون على شيء مثلما اختلفوا على ماركات الشاي الأخضر في أسواقهم، وعلى أداء رئيسهم المنصرف محمد ولد عبد العزيز، لكن الأمور بخواتيمها كما يقال، التاريخ يكتب من الأسفل إلى الأعلى، أدولف هتلر، النازي الذي أنهك البشرية، أقام الدنيا ولم يقعدها، شغل العالم بأسره، وتوغل بعيدا في الجغرافيا حتى صارت قباب قصور الكرملين على مرمى حجر من قبضة يده، لكن أكثر ما احتفظ له به التاريخ في ذاكرته، هي صورة رجل غارق في بؤسه وضعفه، يتأمل زوجته إيفا براون وهي تتجرع السم أمام عينيه دون أن يحرك ساكنا، ثم بيد مرتعشة يطلق النار على رأسه منتحرا، حصل ذلك داخل قبو رطب وسيئ الإضاءة في مدينة مدمرة ومهجورة…العبرة كانت دائما بالنهايات، 

 

لا تفتأ موريتانيا تحير جيرانها والعالم، بمشهدياتها السياسية الغريبة والمضحكة، فحين دقت ساعة تداول السلطة، كان الجالسان على خشبة المسرح، المكتظ بأجساد الفضوليين، جنرالين متقاعدين، أحدهما في سيرته الذاتية انقلابان متتاليان، والله وحده يعلم كم عدد الانقلابات الأخرى التي فكر فيها، والثاني جنرال من الدفعة ذاتها، ما تزال آثار النياشين على كتفيه لما تجف بعد، سيقول لك سكان هذه الصحراء الممتدة في لا نهايات الأفق، إن أنت سألتهم تفسيرا لهذا الأمر، إنهم لم يشغلوا أنفسهم يوما بالتفكير في الجهة التي سيأتي منها المطر، فالمهم في الأخير هو أن تمطر،

 

سلب ولد عبد العزيز الموريتانيين علم استقلالهم ونشيدهم الوطني ومجلس شيوخهم وأوراقهم النقدية القديمة، سلبهم أحد عشر عاما طويلة من أعمارهم وأشياء أخرى جميلة سيحدثك عنها الموريتانيون بحسرة كبيرة، لكن الرجل، في النهاية، حفظ عليهم دستورهم، الذي هو عصمة أمرهم السياسي،

 

وفي المساء الأخير، قبل الرحيل، أهدى ولد عبد العزيز الموريتانيين، ساحتين توأمين فسيحتين تنامان مطمئنتين على عتبات القصر الرئاسي، منحهما اسما مغريا للغاية “ساحة الحرية”، وكأني بالرجل يحرض شعبه على الثورة ضد أي رئيس قادم، قد تسول له نفسه الاستسلام لإغراءات الكرسي الوثير، هو الذي جرب ذلك الإغراء الشديد، وحين فتش عن يمينه وعن شماله، لم يجد من بين الرفاق، “يساريا إيطاليا” واحدا، يسدي له النصح بإخلاص…