أبرز الملحوظات على تتابع الإساءات / محمدن ولد الرباني

محمدن ولد الرباني / نقابي

  لا شيء أعظم على المسلم من أن يؤذى في نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا أن يرى فيمن تربى في حاضنة اجتماعية مشهود لها بالخير والصلاح، من يكتب بكل جرأة ووقاحة مفتريات، تروم تفنيد عدالة الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم.

 

  رغم ذلك فقد كان في مقال “الدين والتدين ولمعلمين” وما أعقبه من إساءات وردد من أشخاص مختلفين، فوائد وعبر، تستقي مشروعية هذا الوصف من قوله تعالى “لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم” في حديثه عن الإفك.

 

   من هنا سنستعرض أهم الملحوظات بغية تعزيز حسنها واجتياز أو تذليل سيئها:

 

كشفت أزمة ولد امخيطير وما أعقبها من إساءات وردد، أن بالبلد نابتة –ما زالت بحمد الله هشة- قد تشبعت بما شاع في الغرب والشرق من شبهات حول الدين عموما والإسلام خصوصا، وهي ظاهرة تضافرت عوامل عديدة على بروزها في العالم الإسلامي في محاولة لتصدير التجربة الإلحادية في أوروبا إبان عصر الثورة والتنوير، إلى المسلمين. وإن كانت بلادنا من آخر البلاد تأثرا بهذا التيار، إلا أن رياحه زامنت عصر انتشار الوسائط، مما يسمح بامتداد أوسع –لا قدر الله- وتأثير أبلغ.

     فهمنا لهذه الظاهرة يستلزم إدراك أن تربية جيل يعيش في بيئة مفتوحة على الشبهات والتشكيك، يتطلب من قوة الحجة ومناعة الدليل، وإدراك مستوى الغبش وأنماطه، ما هو غائب في مجتمع تناجلت أجياله الإيمان بالفطرة، وكان منتهى الأمر في الاستشهاد على صحة أمر ما، أن يقال: قال الله.. أو قال رسوله، أما اليوم فالتحدي في أن تثبت لمن يفترض إسلامه أن ما قال الله وما قال رسوله حق ومناسب.

 

  إن على العلماء والمثقفين والدعاة أن يدركوا أن العواطف والقصائد، والاحتجاج بأقوال أهل العلم، لا يكفي الذين في قلوبهم مرض، فليطالعوا من علوم العصر، وأساليب الإقناع فيه ما ينصر دينهم نصر الحجة والبيان.

 

اتضح بجلاء أن تمسك هذا الشعب -بجميع مكوناته- بدينه تمسك عميق وصادق، فقد تحرك بقوة وعفوية وصدق، حين أحس خطرا على دينه ومقدساته، تمثل ذلك في المسيرات العفوية المتجاوزة كل الأطر، كما تمثل في تبرؤ الأسر من أبنائها، دليل ذلك أسرتا أهل امخيطير وأهل الشيخ محمد المامي تمثيلا لا حصرا.

  رغم ذلك فإن هذه الأزمة أبانت عن خلل في تربية بعض النخب بمن فيها الإسلامية، فتعمقت الشرائحية إلى حد المفاصلة حينا، كما أبانت عن غوغائية جارفة، فكان السب والتنقيص والاتهام، أسطى من الحجاج والنقاش والرد العلمي، كما فتحت الباب للاتهامات والاتهامات المضادة بالعقد الاجتماعية فيمن يفترض فيهم التعالي على ذلك.

 

تجلى أننا نعيش في دولة تحسن أذرع نظامها توجيه بوصلة الحراك الجماهيري وتفكيكه، وهكذا اختطفت النصرة أكثر من مرة، بدء من زعيم الأحباب، إلى محامي الجناب، على حد تعبير الكاتب الكبير محمد الأمين ولد الفاظل. ومما ساعد في ذلك عدم تحمل الأحزاب السياسة ومنظمات المجتمع المدني والمرجعيات المعروفة مسؤوليتها في إدارة راشدة لهذه العواطف الهادرة.

   لقد كان من المؤسف أن يكون تيار النصرة بزمام النظام، يذوب كما يذوب الملح في الماء، ويطفو كما يطفوا حباب الماء، حسب إشاراته، ولدى احتياجاته، ولعل الدرس المستفاد علاوة على ضرورة أن تلعب المنظمات المدنية والأحزاب دورها في حماية المقدسات، وترشيد الهدير الشعبي  -أن من الغباء أن تسلم الجماهير زمامها لشخصيات وتنظيمات – تبرز بين عشية وضحاها- ليس لها تاريخ علمي ولا نضالي.

 

   من هنا تظهر أهمية التحفظ على الأنشطة والتجمعات التي لا تتضح خلفياتها، ولقد يكون ذلك صعبا في مسألة تتعلق بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

رغم ما شاب هذا الحراك، فقد أفلح في إرسال رسالة بالغة الوضوح: أن لا مكان للإلحاد في هذه البلاد، وأن من يخرج على هذه المقدسات سيعيش مذموما مدحورا، وأول شانئيه أقرب محبيه، كما أفلح في حمل السلطات على تشريع قانون لا لبس فيه، فإن كان المسيء هنا وجدا مخرجا قانونيا، فإن هذا المخرج قد انسد بحكم القانون.

بعض المنتمين للهيئات المرتبطة بالشؤون الإسلامية –وأكثرهم أئمة لا فقهاء- لا يحتاط لعرضه، في المواقف العامة، شأنه في ذلك شأن نخبتنا المنكوبة، من مثقفين وبرلمانيين، ومسؤولين، فيبالغ في الأمر ما رآه توجها للسلطة، حتى إذا انجلى العكس، لم يتحرج من النشاط في الاتجاه المناقض، ولو اكتفى ببيان الرأي، ثم أوكل الأمر إلى من له القرار، ولم يجهد نفسه في تسويغ نقيض رأيه، لم يتجه إليه لوم.

   لا يعني هذا ما يصدر عن العلماء حقا –وهم قلة قليلة- فذلك صادر من منطلق فقهي بحت، لا يجوز اتهامهم بغير ذلك، والمطلع على كتب الفقه يدرك المأخذ في الأمر وضده، ولا ينكره إلا جاهل أو متجاسر على الأعراض من المفتونين.

 

   ومن المهم التنبه إلى أن العاطفة قد تحمل بعض كبار العلماء على نصرة قول إلى حد يكاد ينكر به أقوال مذاهب معتمدة، مسطورة في مظانها، ورفع الواقع محال، فغاية ما في الأمر الترجيح.

 

لم يستوعب فقهاؤنا حقيقة الوسائط الاجتماعية ومخاطرها، فإن هذه الوسائط قضت على الخصوصية، فما تسار به ابنك أو ابنتك أو من في حكمهما، قد تفاجأ به يداول على أوسع نطاق، فتتحول نصيحة القريب إلى عنصرية وازدواجية في المعايير، وتتحول الفتوى الخصوصية لاعتباراتها المعروفة فقها إلى قاعدة عامة، وهو ما يوجب الاحتياط في كل ما يقال عبر هذه الوسائط.

  هذه البساطة والعفوية من العلماء، يقابلها ترصد وفجور فادح في الخصومة، يتلقف أصحابه كل سانحة، فتفيض الاتهامات بالعنصرية، والطبقية، والاسترزاق، والمتاجرة، والاستخبار، وموالاة الأطراف الخارجية، وكأن هدم هذه المرجعيات هدف، حتى لا يبقى مبلغ عن الله يوثق به، ومن العجب أن بعض أقلام الإسلاميين ليست أقل بلاء في هذه البلوى!

 

واكب هذه الفترة هجوم لا مثيل له على العلم الشرعي، ومراكز إنتاجه، من محاضر ومعاهد ومراكز، فمن دعوة لإغلاقها، إلى اتهامها بصناعة التطرف، إلى تتبع من مر بها يوما ما، لإلحاق تهمة الإرهاب، -وكأن الجامعات العصرية لم تخرج إرهابيا يوما ما- إلى السخرية ممن لم يدرس علوم الشرع، إلى اعتبار الشيخ كوكل يسد مسدهم، لما يتيح من غزير العلم لطالبه، وهو أمر يدل على فادح الجهل، فالشيخ كوكل يوفر أعراض الأمراض والأدوية، لكنه لا يغني عن الطبيب، والشيخ كوكل يعج بالنظريات الفيزيائية بأنواعها، لكنه لا يغني عن الخبراء الفيزيائيين، والاعتماد على الشيخ كوكل لا يخرج مهندسا ولا طبيبا، فكذلك لا يخرج عالما.

    إن حصول المادة الخام أمر، وتحليلها ومعالجتها طبقا لقواعد علم ما، أمر آخر، والذين يسخرون من العلوم الشرعية قد سبقهم القرآن إلى السخرية مما يفخرون به، {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)} (سورة الروم 6-7)، فالغافلون عن الآخرة هم الجاهلون.

 

أثبت الحرج الذي تمثله الضغوط في مثل هذه القضايا، ضرورة فهم أن الشريعة الإسلامية أغنى وأوسع، ومتطلبات العصر أعمق وأجمع، من أن يحصر التفاعل بينهما في مشهور مذهب ما، مهما اتصف به من الرجحان والرشد وأصالة الأصول، ولولا ذلك لوقع الناس في حرج وضيق، ومن طالع بحوث وقرارات المجامع والهيئات الفقهية، علم أن من أهم مقومات صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان تلك الثروة الفقهية الرائعة الغنية. فحين يضيق القانون أو يضغط الواقع تتسع أحضان الشريعة.

كثير من الإعلاميين والمدونين بدوا مثالا صادقا لمقالة “أمة لا تقرأ وإذا قرأت لا تفهم”، فقد كان الناس في حكم الساب منقسمين على ثلاثة آراء:

المنكرون لحد الردة، فلا يستحق عندهم عقوبة أصلا، ويمثل هذا الرأي الشنقيطي، وبكلامه احتج المحامي ولد امين، فهؤلاء لا تؤثر توتبته ولا إصراره في الموقف منه عندهم، لأنه لم يأت أصلا بما يوجب العقوبة، ولم يرجع أحد من العلماء إلى هذا القول، بل شددوا عليه النكير، وهو بذلك جدير، لمخالفته الأدلة التي لا مطعن فيها.

المتشبثون بمشهور مذهب مالك القاضي بأن حد الساب القتل ولو تاب، وهو الذي عبر عنه أغلب العلماء من مختلف التوجهات، وكاد بعضهم ينفي غيره، وعليه توكأت العامة في احتجاجها.

القائلون بإجراء الساب مجرى المرتد: إن تاب ترك، وإن أصر قتل، وقد كان يومئ إليه المحامي ولد امين من باب المحاجة والاحتياط لوكيله.

  هذا القول الأخير هو ما حكمت به المحكمة، واعتبارا لأن حكم القاضي يرفع الخلاف، فقد نزل عليه علماء كانوا يقولون بمشهور المذهب، منهم من حضر دعوة الرئيس، ويمكن حمل كلام الشيخ محمد بن سيد يحيى على قريب من هذا.

 

     لكن مدوني ولد امين نادوا بضرورة أن يعتذر له الفقهاء، لأنهم رجعوا إلى قوله، كما تباهى إعلاميو الشنقيطي برجوع الفقهاء إلى قوله، وكلا الأمرين من باب أقول له زيدا فيسمع خالدا.

 

    وعلى هذا النحو تجد من ينكر الحديث عن قبول توبة الساب من عدمها، جاهلين أن التوبة هنا ليست التوبة التي بين المرء وبين الله، والتي لا دخل للبشر في الاطلاع عليها أصلا، أحرى التدخل فيها، وإنما التوبة هنا تعني الرجوع عن موقف، فهل يقبل هذا الرجوع جنائيا أولا يقبل؟

 

وصدق من قال: لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف، وأزيد: لو خرس من لا يفهم لشاع الإنصاف.