أفريقيا.. الغارقة في المتاعب / مارك لافيرني

كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.

قبل بضعة أيام، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن انتهاء عملية «برخان» التي ينفذها الجيش الفرنسي منذ 8 سنوات في منطقة الساحل الأفريقي، وبالرغم من الأحاديث المتكررة عن الانتصارات التي تحقّقت على الأرض ضد المتمردين الذين يسمون أنفسهم «الجهاديين»، فإن الحقيقة التي لا يجوز إخفاؤها تتعلق بحتمية الاعتراف بالهزيمة.

 

يتحدث السياسيون والقادة العسكريون الفرنسيون بألم ومرارة كيف استفادوا من الإمكانات المالية الضخمة والتكنولوجيا الحديثة لخوض هذه الحرب من دون أن يتمكنوا من الفوز فيها، فعلى طول الأراضي الشاسعة الممتدة من نهر النيجر حتى بحيرة تشاد، كان على الكتائب الفرنسيَّة المجهّزة أفضل تجهيز أن تواجه مجموعات صغيرة من المقاتلين ذوي التسليح الضعيف والذين يهيمون في الصحراء وهم يمتطون الدراجات النارية، وهذا يؤكد على أن الدعم الأعمى للسياسيين الفاسدين وغير الأكفاء لا يمكنه أن يكون البديل عن الفوز بثقة السكان المدنيين المفقودة، وهم الذين عجز الجيش الفرنسي عن حمايتهم.

 

وهكذا، يأتي انسحاب فرنسا من هذه الحرب في أسوأ الظروف، وهي مهزومة سياسيّاً وعسكريّاً بعد أكثر من قرن على هيمنتها العسكرية على المنطقة، وحتى الاتحاد الأوروبي لم يعد يتحدث عن التدخل لدعم فرنسا، ويبدو أنه بدأ يتعامل مع الأزمة وكأنها شأن «فرنسي بامتياز».

 

وهذا الذي يتم تقديمه على أنه يمثل مواجهة حضارية بين الإسلام السياسي والديمقراطية الغربية، لا يمثل في واقع الأمر أكثر من مجرّد صدام بين العصابات الإرهابية الإجرامية من جهة، وأشباه المافيات من التجّار والسكان المحليين لمنطقة الساحل من جهة ثانية، ولا تهدف هذه الحرب لبسط سيطرة الدولة وفرض النظام، بل من أجل التحكم بالموارد المربحة والطرق القارية التي تمتد نحو الشمال وبما يعني أن الساحل الأفريقي هو الحدود الجديدة لأوروبا.

 

وبعيداً عن مالي ومجلسها العسكري الذي تم إنشاؤه مؤخراً، فإن مصير تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى يبعث على القلق الشديد.

 

قبل أكثر من 40 عاماً، كنت أجوب مناطق ريف السنغال من قرية إلى أخرى، وكنت أستمتع بضيافة وكرم المجتمعات المحلية، وأُصبت بالملاريا وبعض الأوبئة الأخرى، ولكنني خرجت من هناك بذكريات وصداقات لا تُقدّر بثمن.

 

لقد انقضت هذه الفترة العابرة من شبابي، ولكنني تكفلت فيما بعد بقيادة بعثات إنسانية في المناطق التي تعرضت لمختلف أشكال العنف، وهي تمتد من دارفور إلى جنوب السودان، ومن تشاد حتى أفريقيا الوسطى، فوجدت أن الفوضى تنتشر في كل مكان.

المصدر : الرؤية 

ا