أفلح «تبُّون».. إن نفَّذَّ رجاله / خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

المصدر : الكاتب /

العودة من جديد للحديث عن الجنسية والأوطان والانتماء في الجزائر خاصة – وفي أوطاننا العربية عامة – هى نذير شؤم، يحمله بعض السياسيين « زجروا لشعوبهم طيرا بنحس تمر بهم»، في رحلة قصيرة لمدة حكمهم، تخلو من مشاريع أو استراتيجيات أو خطط، تجعل من الأوطان جزءا من السياق العالمي، حيث الذهاب بعيدا في شراكة إنسانية قد تبدأ بالغذاء والدواء، وربما لا تنتهي بصناعة السلاح وغزو الفضاء.

 

 

كان يفترض بحكم معطيات كثيرة، أهمها: استعادة أوطاننا من جوف الاستعمار، أن يرجّح الوعي بمصير الدولة الوطنية بكل مكوناتها من سياسيينا وأتباعهم، وحتى مَن سار في ركبهم من المعارضة بغية مصالح آنية ضيقة، عن القبول بتمرير قوانين هي أقرب إلى العقاب الجماعي، وتبعاً لذلك يزجرون لأنفسهم ولنا طيرا سعدا تمر بهم وبنا، مع الاعتذار للشاعر «المقنع الكندي».

 

كل الوقائع والشواهد في جُلّ دولنا العربية تكشف عن حالٍ من العجز الواضح في تقديم تصور قائم على تراث الدولة الوطنية، أو الاستنجاد بتخيلات وأحلام صانعيها لفترة ما بعد الاستقلال بعد إقبالهم في معارك التحرير، لم يتم الاعتراف بها كون أن الدول قائمة خارج السياق العام لمسار الدول الراهنة، فالشكل ها هنا أهم في نظرهم من الموضوع، الأمر الذي جعلها بنت الزمان بضعف وفتن حاضره، وبعض من خلافات وأمجاد ماضيه، لكنها ليست بنت العصر من حيث هي منتمية للمنظومة العالمية للدول وجودا، وليست فكراً ومواقف.

 

ظاهر الممارسة السياسية في أوطاننا يكشف عن ولوجٍ في عالم الفعل من حيث هو صناعة سياسية ـ حقيقية أو مزيفة ـ حتى لو قامت على الوهم أو أدخلت المجتمع والدولة في خصومة، ثم صراع تحوّل إلى بغي وجور من فريق على آخر إلى درجة الاقتتال في بعض الأحيان كما في بعض من دولنا العربية، وأخرى قد تصل إليها بديمقراطية مزيفة، أوصلت إلى الحكم من لا يؤمنون بها، بل يناصبونها العداء.

 

تلك الممارسة تُحْمى بالقانون على نحو يبدو فيه السعي لأجل تحقيق مصالح عليا للدولة، وحمايتها من سلوك أبنائها، حيث يفسر الشك ضدهم، حتى إنهم قد يصبحون في نظر المؤسسات الأمنية مدانين حتى تثبت براءتهم، لكن حين يتم الطواف لتحقيق ما يعد مشروعا لإنقاذ الأوطان من أبنائها، يتم رفضه، وأمامنا مثالٌ حي من التجربة الجزائرية الراهنة.

 

ففي مارس الماضي، أعلنت الحكومة الجزائرية أنّها بصدد إعداد مشروع قانون يجيز «نزع الجنسية من المواطنين الذين يرتكبون في الخارج» أفعالاً تُلحق ضرراً جسيماً بمصالح الدولة أو تمسّ بالوحدة الوطنية، أو يتعاملون مع «دولة معادية» أو ينخرطون في نشاط إرهابي.

 

وقد قوبل هذا الرفض قبل إجازته برفض غالبية المواطنين، ومع أنه كان يخص بالأساس الجزائريين المقيمين في الخارج، إلا أن رفضه من الشعب الجزائري في الداخل كان أكبر، وبذلك تم إنهاء تقليد سياسي جزائري، عمّر لعقود وولد مع الثورة، وهو تقديم الداخل عن الخارج.

 

إن مجرد طرح هذا المشروع خطيئة وطنية لا تغتفر، وقد كان واضحا منه التوظيف السياسي، وإدخال الجزائريين في تصفية حسابات تتعلق بالسلطة وليست بالدولة، والمسألة التي أزعجت معظم الجزائريين هي القول بسحب الجنسية، إذ في نظرهم لا أحد مهما كان موقعه أو سلطته يحق له نزع الجنسية عنهم، لأنها قدرهم الذي لا يقضى عليه حتى بالموت، لأن معظمهم يفضل أن يدفن أو تعود رفاته إلى أرض الجزائر.

 

لذلك، حسناً فعل الرئيس عبدالمجيد تبون بإعلانه في مقابلة متلفزة الأحد الماضي ( 4 أبريل الجاري) عن سحب المشروع، موضحا ذلك بقوله: «إن قرار سحب مشروع هذا النص يعود لحدوث سوء فهم، قد تكون له إسقاطات كبيرة وتأويلات أخرى.. إن ازدواجية الجنسية أو تعددها ليست ذنباً بل هي أمر نحترمه، لأنه من المفروض أن يقدم شيئا إيجابيا للبلد الأصلي للمعنيّ في جوّ تسوده الروح الوطنية»، وأضاف: «إنّ هذا الإجراء كان مرتبطا فقط بمسألة المساس بأمن الدولة، التي سندافع عنها بطريقة أخرى».

 

الخوف كله من توظيف المساس بأمن الدولة، وهذا خاضع لاجتهاداتٍ أغلبها سياسية، لكن المهم أن يكون بعيداً عن الجنسية، وفي ذلك حسم تبون، وقد أفلح في تجاوبه مع شعبه، وتفاديه الدخول في مشكلة مصطنعة، لكن فلاحه لن يتحقق إلا إذا نفذ رجاله ما أمر به دون تحايل.. لننتظر إذن، وبالتأكيد سوف نرى.