أمل الأخوان في جنازة مرسي / علي بن مسعود المعشني

علي بن مسعود المعشني / كاتب عماني

حركة الإخوان المسلمين -وتنظيمها الدولي لاحقًا- ليست حركة دينية ولا سياسية بقدر ما هي حركة جدلية في كل مفاصلها التاريخية، وبرامجها وأهدافها وأطوارها، ولا تزال، والسبب الرئيس في ذلك في تقديري هو تلبُّسها بالدين الدعوي الممزوج بقيم العمل الخيري والتطوعي في نشأتها الأولى، وفي زمن التغريب وغياب الدولة؛ حيث استحسنها الناس وتعاطفوا معها وأحبُّوها واحترموا مقاصدها.

 

ثمَّ نَحَت الحركة نحو السياسة، واختارتْ النهجَ المعارضَ للحكومات والحكام جُملة وتفصيلًا، مقابل شعار “هُلامي” أوحَد لا تعريف جامعًا له ولا تفصيل علميًّا ومنطقيًّا له كذلك؛ وهو: “الإسلام هو الحل”. ولم تخفِ الحركة طموحها المبكِّر في السلطة وكرسي الحكم طويلًا، بل كشفت عنه سريعًا في حقب الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وترجمتْ طموحها على الأرض لاحقًا بالقوة المسلحة في مفاصل وبقاع ومناسبات كثيرة، خاصة في مصر وسوريا.

 

الغريب أنَّ الإخوان لا يُشبهون أحدًا ولا يُشبههم أحدٌ من الطيف السياسي في الوطن العربي، ولا يُمكن التكهن بأفعالهم أو فهم مقاصدهم رغم تسلُّحهم بالدين الذي في الغالب الأعم يُمثل غاية الوضوح للناس؛ فهم عرب لكنهم ضد العروبة والقومية العربية، وهم مع الوحدة الإسلامية لكنهم ضد الوحدة العربية، وهم يعيشون في عصر الدولة وثقافتها وينادون بالخلافة، وجُلهم كوادر متخصِّصة في علوم مختلفة، لكنهم ما زالوا يفسرون ويفهمون ويختزلون تطبيق الشريعة بتطبيق الحدود، بدلًا من سعيهم لخلق شروط الحدود وضوابط تطبيق الحدود، وكذلك سِعة فهمهم لمقاصد الشرع وتعريفه لما ينفع الناس.

 

الحديثُ مع الإخوان أو عنهم كالحديث عن الأساطير والخرافات في المجتمعات البدائية، فأنت لا تعلم من أين تبتدئ ولا إلى أين تنتهي؛ لأنك ستجد نفسَك تخُوض في بحر من الجدليات والتناقضات والأسئلة الحائرة والإجابات الهلامية التي لا رصيدَ لها من الواقع، وسيشغلك طويلًا وكثيرًا التناقض الحاد ما بين خطابهم وسلوكهم وعقلياتهم التبريرية وقدرتهم الهائلة على شيطنة خصومهم وتلفيق الأكاذيب ضدهم، والأدهى من كل ذلك قُدرتهم الفائقة على اختلاق القصص والخرافات لتمجيد أنفسهم ورموزهم وتغييب الآخر وتشويهه.

 

الحديثُ عن الإخوان وتحليل فكرهم يحتاج عقودًا من التفرُّغ للكتابة والحديث والتحليل، ويكفي أنَّ أعظم إنجاز لهم، والذي لم يسبقهم إليه أحد، أنَّهم أول من أسس علم الجهل في الأمة، هذا العلم الخطير الذي أنتج أجيالًا من الأصنام البشرية التي تتلقَّى كلَّ شيء منهم وعنهم برحابة وسرور، وتتلقَّى كل شيء ضد الآخر بإدانة وعداوة واحتقار، أجيال ضحية لجملة “صح ولكن”، هذه الجملة التي تجعل العقل يعي الحقيقة، ثم يستبدلها سريعًا بالخرافة والأسطورة لغياب ميزان المنطق لديه.

 

الإخوان من أبرع الناس في تغييب العقل وحصاره، وإدارة الجهل في الأمة بمكر شديد؛ حفاظًا على صورتهم النمطية في أذهان ووجدان الأمة جيلًا بعد جيل؛ فقد تمكَّنوا من خلق عقول محصنة من تصديق أي سلبية أو إدانة لهم أو لسلوكهم مهما بلغت من الدناءة والانحطاط؛ فسُرعان ما يجدون لهم التبرير والمخارج، ويرمون باللَّائمة على الآخر والظروف دون أدنى رغبة حتى في مجرد التفكير بما يسمع أو يرى، بينما في المقابل قد لا يجد ضحايا الإخوان غضاضة أو حرجًا في النيل من المقدسات والرموز والتجاسر عليهما، بزعم حرية الكلمة وحرية التفكير!

 

حين نتجاوز الزمن، ونختصر الأحداث عن مسلسل جدلي كالحديث عن الإخوان “المقدسين”، وصولًا إلى وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، فسنقول إنَّ الاخوان وجدوا في وفاة مرسي أملًا في حياة جديدة للنيل من مصر، والتشهير بها، وتسويق أنفسهم مجددًا في الدوائر الغربية على وجه الخصوص على أنهم ما زالوا ورقة حية وفاعلة، ويُمكن استثمارها والاعتماد عليها؛ حيث يسوِّق الإخوان اليوم أن مرسي قُتِل بفعل الإهمال وقلة العناية، وأنه شهيدٌ وفقيدٌ و.. و.. إلخ، وتناسوا كعادتهم أنَّ مرسي دخل المعتقل وهو مريض بالشرايين والسكري وضعف الكلى ومنذ توليه للرئاسة، وتناسوا فتواهم بجواز قتل معمر القذافي ورفضهم إشهار قبره، واعتبار أحدهم لسقوط طرابلس كفتح مكة بالنسبة له!! كم هم غريبين وعجيبين هؤلاء “الإخوان”، وكم تغوَّلوا في العقل العربي وأفسدُوه حتى جعلوا أكاذيبهم حقائق دامغة، وحقائق الآخرين كذبًا وبُهتانًا مبينًا.

 

اليوم يريد الإخوان الاتجار -وكعادتهم- بجثة مرسي، والذي كان في حياته مُهمًّا لهم لكنه ليس الأهم، تمامًا كما طردوا وتبرَّأوا من سيد قطب ثم تباكوا عليه وتاجروا بدمه!! لِمَ لا؟ خاصة وأنَّ فُرصهم للكذب قد انقرضتْ وتراجعتْ إلى حدٍّ كبيرٍ والإخوان بطبعهم لا يعيشون بلا بكائيات.

 

من يُبرِّر لمرسي عدم تمكينه من الحكم لفترة رئاسية كاملة يتجاهل ويجهل تجربة الإخوان في السودان منذ العام 1989م ولغاية اليوم، وما أحدثُوه من فسادٍ وإفساد، وعبثْ بالقيم والثوابت والمقدرات بصُوَر لم يسبقهم إليها أحد مِمَّن حَكمُوا السودان من مدنيين أو عسكر، ويجهل ويتجاهل من حكموا تونس عبر الترويكا أو كحكومة ظِل تدير الأمور بالمال السياسي وأذرع الإرهاب الخفي وما أحدثته في تونس من تراجع خطير وعلى كافة الصُّعد. فقد حكم مرسي مصر لعام كامل ولم يفِ بتنظيف القاهرة، ناهيك عن سعيه لتجفيف مصر من قياداتها وتمكين الإخوان من جميع مفاصلها -وعلى خُطى نموذج أردوغان في تركيا- حتى يُمارس الفساد تحت غطاء وشرعية الديمقراطية والأغلبية البرلمانية وهو من أشد وأشرس أنواع الفساد على الدولة والمجتمع؛ حيث لم يُدرك مرسي ولا الإخوان حينها أنَّ أغلب الأصوات أتت مِمَّن كفروا بزمن مبارك وزبانيته السياسيين واقتصاده السمسري الذي رهن مصر ومقدراتها ومصيرها بيد شلة محدودة من المنتفعين، ولم يدركوا مفاصل القوة والدولة العميقة بمصر فاستعدُوا الجميع، حتى تحالف الجميع لاحقًا للانقلاب عليهم.

 

————————-

 

قبل اللقاء: الغريب أنَّ الإخوان وأعوانهم وخلاياهم النائمة وطابورهم الخامس والسادس في الوطن العربي، لم يتحدثوا مُطلقًا طيلة سنوات حبس مرسي عن سوء معاملة أو إهمال طبي، رغم معرفتهم التامة بأن مريضَ الشرايين والسكري والكلى يستحيل أنْ يعيش ستة أعوام دون رعاية طبية، ولكن مهارتهم في التجارة والانتهازية وتصيُّد الفرص تغلب عليهم في كل حين وبحسب العرض والطلب.

 

وبالشكر تدوم النعم…،

 

المصدر