أوبئة وكوارث عطَّلت الحرمين ومساجد العالم الاسلامي على مرِّ التاريخ

منعت الطواف حول الكعبة المشرفة وأوقفت الصلاة بالمسجد النبوي أيام الصحابة

صحن الكعبة المشرفة شبه خالٍ من الطائفين (اب)

الصدى – متابعات/

عرض في تقرير تاريخي استقصائي أعدته شبكة”الجزيرة” أن الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى والمساجد على مر التاريخ تعرضت للتعطيل ومنعت من إقامة صلاة الجمع والجماعات فيها لأسباب عدة، من بينها الطاعون والأوبئة والفتن والاضطرابات السياسية والكوارث الطبيعية والحروب،ودرء المفاسد، واشار معد التقرير الى أن تعطيل المساجد اليوم، وخلو صحن الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود والمعتمرين بسبب وباء “كورونا” ليس أمرا بدعيا أو مخالفا للشريعة، بل حدث في أزمنة ووقائع عدة، وهذا ما أقره الكثير من الفقهاء والوعاظ على مر التاريخ، وفي ما يلي التفاصيل:

بداية، وعلى المستوى الفردي للمسلم؛ ذكرت كتب الفقه كثيرًا من الأحوال التي يصحُّ فيها اعتزال المساجد والتغيّب عن حضور صلوات الجماعة والجمعة، إن خاف المسلم ضررًا على نفسه أو غيره، سواء كان منشأ ذلك الضرر مرضًا أو مخاوف أمنية أو كارثة بيئية أو حتى حرجًا نفسيًّا.

وفي وقائع التاريخ، صوّر لنا الإمام المؤرخ ابن الجوزي “ت 597هـ” وباء فاحشا وقع سنة 449هـ، فشغل الدنيا حينها وملأ حياة الناس رعبا، كما يفعل اليوم وباء “كورونا”!

وقد توسّعت في تفاصيل ذلك كتب الفقه في جميع المذاهب؛ ومن أقدم من بينه الإمام الشافعيُّ “ت 204هـ” الذي ذكر صورًا عدة للأعذار الشرعية المغيِّبة عن الجمعة، فعدّ في مقدمتها الأمراض، ولعل أطرف ما ذكره منها هو التغيّب عن صلاة الجماعة خوفًا من المطاردة السياسية من قبل السلطة، فقال في كتابه “الأمّ”: “إن كان خائفا إذا خرج إلى الجمعة أن يحبسه السلطان بغير حق كان له التخلف عن الجمعة”.

 

المدين المعسر

وألطفُ من ذلك بذل العذر للمصلي في ترك الجمعة لمن كان مدينًا مُعسِرًا لا يجدُ مالا لسداد دينه ويخافُ أن يباغته الدائن فيُحبَس بذلك؛ فقال الشافعي في “الأم” أيضا: “وإن كان تغيّبه عن غريم “الدائن”لعُسرة وَسِعَه التخلّف عن الجمعة” وبالعكس؛ أجاز فقهاء لصاحب الدين التغيب عن الجماعة إذا خشي اختفاء مدينه وفوات حقه.

وقد استجاز غير واحد من الأئمة الاعتزال خشية الفتنة عند حصول اضطرابٍ سياسيّ أو غيره، كما نقل الإمام الذهبيّ “ت 748هـ” -في “سير أعلام النبلاء”- عن الإمام التابعي مُطرّف بن عبد الله بن الشخّير “ت 95هـ” أنه كان إذا “هاج الناسُ “اقتتلوا” يلزمُ قعر بيته، ولا يقرب لهم جمعة ولا جماعة حتى تنجلي “الفتنة”.

ولعلّ صنيع هذا الإمام الكبير في ترك الجمعة والجماعة -إذا خاف من ذلك ضررًا أكبر- أصلٌ في تركها لكلّ ما يمكن أن تترتب عليه مفسدةٌ عظيمة، وقد ورد عن الإمام مالك “ت 179هـ” شيءٌ يشبه هذا حين اعتكف في بيته “آخرَ عمره، فأقام ثماني سنوات لم يخرج إلى المسجد” النبوي؛ حسب ما أورده القرطبيّ “ت 672هـ” في كتابه “التذكرة”.

وكذلك فعل بعض العلماء احتجاجا على إجبار السلطة العباسية أيام المأمون “ت 218هـ” للناس في مسألة “خلق القرآن”، وعلى كلّ؛ فإن ترك الفرد الواحد أو العدد اليسير من الناس للجمعة والجماعة مختلفٌ كثيرًا عن إغلاق المساجد وتعطيل الناس كلهم للجمعة والجماعات، على أن هذا التعطيل الجماعي للمساجد -وإن لم يتناوله الفقهاء تناولهم للاعتزال الفردي- وقع مرارًا في التاريخ الإسلاميّ بدواع قهرية؛ وهذا ما نحاول تتبع أبرز وقائعه وأسبابه في الفقرات التالية.

 

طاعون عمواس

كان “طاعون عمواس” الذي فتك بقادة وجنود جيش المسلمين بالشام أول وباء خطير يشهده التاريخ الإسلامي، فقد وقعت الفاجعة الكبيرة في “طاعون عمواس” قرية فلسطينية كانت تقع على نحو 28 كم جنوب شرق يافا وهدمها اليهود 1967م”الذي عمّ بلاد الشام سنة 18هـ، وأدى إلى وفاة عدد لا بأس به من الصحابة، وأعيان التابعين فيها، واشتد البلاء بأهل الشام حتى “أقسم الخليفة عمر “ت 23هـ” ألا يذوق سمنا ولا لبنا ولا لحما حتى يحيا الناس”؛ وفقا لرواية المؤرخ ابن الأثير”ت 630هـ” في كتابه “الكامل”. ورغم ذلك فإن الأخبار عن تفاصيل الحياة اليومية –بما فيه إقامة صلوات الجُمَع والجماعات- شحيحةٌ جدًّا، لكنني وجدتُّ خبرًا مثيرًا بشأن نهاية تلك الفاجعة بـ”ارتفاع الطاعون”، وفق التعبير الدارج في الكتب التراثية.

وروى الإمام أحمد “ت 241هـ” في مسنده- من حديث شهر بن حوشب “ت 112هـ” عن رابِّهِ “زوج أمّه” أنّه كان قد شهد طاعون عمواس، فكان على قيادة الناس أبو عبيدة بن الجراح فمات بالطاعون، ثم معاذ بن جبل فمات به أيضًا؛ “فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص “ت 43هـ” فقام فينا خطيبا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتجبّلوا منه في الجبال “وفي روايات أخرى: فتفرّقوا منه في رؤوس الجبال وبطون الأودية”. قال: فقال له أبو واثلة الهذلي: كذبتَ والله، لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت شرٌّ من حماري هذا “يُعيّر عَمْرًا بتأخر إسلامه”. قال “عمرو”: والله ما أرد عليك ما تقول، وأيْمُ الله لا نُقيم عليه، ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا عنه، ودفعه الله عنهم. قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأي عمرو فوالله ما كرهه”.

وبهذا يكون عمرو بن العاص -وفق علمنا- أوّل من نادى بالعزل “التفرّق، والتباعد” الجماعي لمواجهة الأوبئة، والتفرّق في رؤوس الجبال وبطون الأودية يحول -بلا شكّ- دون إقامة صلاة الجمعة والجماعات؛ إذ لا تجبُ شرعا إلا على أهل الأحياء والقرى والمدن والحواضر.

وفي ظلّ تضارب الروايات عن تطبيق الناس لرأي قائدهم عمرو بن العاص أو رفضهم له، لا يسعُنا أن نجزم بأن الصحابة الكرام -ومن معهم من التابعين- قد تركوا فعلا الجمعة والجماعة جراء وقوع الوباء، لكن لدينا على الأقل دعوةٌ ضمنيّة إلى ذلك منذ زمنهم.

 

جائحة الحرمين المكي والمدني

وقد ذكرت كتب التاريخ الإسلاميّ تعطيل المساجد بسبب الأوبئة مرارًا، ولم يسلم من ذلك مكة المكرّمة نفسها والبيت الحرام؛ فمن ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر “ت 852هـ” -في كتابه “إنباء الغُمْر بأبناء العمر” ضمن وقائع سنة 827هـ، فُقال:”وفي أوائل هذه السنة وقع بمكة وباء عظيم بحيث مات في كل يوم أربعون نفساً، وحصر من مات في ربيع الأول ألفاً وسبعمئة، ويقال إن إمام المقام “مقام إبراهيم وكان أتباع المذهب الشافعي يقيمون عنده صلواتهم” لم يصل معه في تلك الأيام إلا اثنان، وبقية الأئمة “من المذاهب الأخرى” بطلوا الصلاة لعدم من يصلي معهم”.

ولا أدري إن كان هذا التعطيل شبه الكلي للصلاة بالحرم المكي وقع قهرًا بسبب الموت والمرض، وانشغال الناس برعاية مرضاهم ودفن موتاهم، أم أحجم الناسُ عن التجمّع خوفًا من العدوى، وعدد الوفيات 1700 في شهرين أو ثلاثة لا يدلّ على أنّ الموت والمرض منعا الناس عن المساجد إلى هذه الدرجة؛ فالأرجح أنهم امتنعوا خشية العدوى.

وقبل ذلك بقرون؛ يخبرنا ابن عذاري المراكشي “ت 695” -في “البيان المُغرب في أخبار الأندلس والمغرب”- أنه وقع في تونس وباءٌ عظيم سنة 395هـ، فتسبب في “شدة عظيمة انكشف فيها المستور، وغلت الأسعار، وعُدِم القوت، وهلك فيه أكثر الناس من غني ومحتاج، فلا ترى متصرفا إلا في علاج أو عيادة مريض أو آخذا في جهاز ميت، وخلت المساجد بمدينة القيروان”.

وفي الأندلس وقع شبيهٌ بهذا؛ فقد ذكر الإمام الذهبيّ -في “تاريخ الإسلام”- أحداث سنة 448هـ فقال: “وفيها كان القحط العظيم بالأندلس والوباء، ومات الخلق بإشبيلية بحيث إن المساجد بقيت مُغلقة ما لها من يصلي بها”. وذكر أيضا -في”سير أعلام النبلاء”- أنه في هذه السنة “كان القحط عظيما.. بالأندلس، وما عُهد قحط ولا وباء مثله بقرطبة، حتى بقيت المساجد مغلقة بلا مُصَلِّ، وسُمي عام الجوع الكبير”.

ويضيف هذا الإمام المؤرخ، وكأنه يصف لنا أجواء عالمنا اليوم وقد خيّم عليه رعب “كورونا” فقضى عليه بالجمود والركود: “والناس يمرون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقا فارغة، وطرقات خالية، وأبوابا مغلقة، وطويت التجارات، وأمور الدنيا، وليس للناس شغل في الليل والنهار إلا غسل الأموات والتجهيز والدفن، وخلت أكثر المساجد من الجماعات”.

 

أفراح مؤجلة

وبمصر انتشر الطاعون الكبير الذي وقع سنة 749هـ وعُرف في أوروبا باسم “الموت الأسود”؛ وقد رصد المقريزي (ت 845) -في كتابه “السلوك لمعرفة دول الملوك”- الآثار الاجتماعية فقال: “وبطلت الأفراح والأعراس من بين الناس ولم يسمع بأذان واحد فلم يُعرف أن أحدًا عمل فرحًا في مدة الوباء.

وفي المقابل؛ سجلت كتب التاريخ مواجهة الناس للطاعون بالاجتماع في المساجد والتعبّد، فقد جاء في مخطوطة كتاب للقاضي المؤرخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن القرشي الدمشقي الشافعي (توفي بعد 780هـ) -بعنوان: “شفاء القلب المحزون في بيان ما يتعلق بالطاعون”- أنه حدث طاعون كبير سنة 764هـ، فـ”كان الناس به على خير عظيم من إحياء الليل وصوم النهار، والصدقة والتوبة،، فهجرنا البيوت ولزمنا المساجد رجالنا وأطفالنا ونساؤنا”.

 

طاعون مصر

وقد كان لابن حجر ملحوظة ذكية أخرى بشأن تزايد الطاعون بعد قدوم الحجاج من الحجاز؛ فقد تحدث عن طاعون وقع بمصر سنة 848هـ، وكان يموت بسببه مئة إنسان ومئتان “ثم تزايد، واشتد اشتعاله إلى أن دخل الحجاج فتزايد أيضاً، ومات من أطفالهم ورقيقهم عدد جَمٌّ، ويقال إنه جاوز الألف في كل يوم” ولعل لاستقبال الحجاج وزيارتهم والحركة والاحتكاك الذي يحصل بقدومهم أثرٌ كبير في تفشّي الطاعون.

 

ومن القصص الطريفة في تاريخنا بخصوص الحجر المنزليّ واعتزال الناس ولو بمغادرة مدنهم؛ ما ذكره ابن الحنبليّ الحلبي “ت 971هـ” في كتابه “درّ الحبب في تاريخ حلب” في ترجمة تلميذه شاه محمد الدكني “ت 952هـ”، إذ قال إن والده لما “دخل الطاعون حلب فرّ بمن معه إلى بعض بساتينها، وكان يخاف الموت خوفا شديدا، فقدر الله السلامة” حينها، لكن لم يلبث أن مات الوالد والولد في طاعون آخر.

 

كوارث داهمة

وهذا النوع من التعطل لم يسلم منه حتى البيت الحرام، بل إنه كان معروفًا به؛ فقد أفاد الأزرقيّ “ت 250هـ” -في “أخبار مكة”- بأن باب بني شيبة الكبير كان يُسمّى “باب السيل، قال: فكانت السيول ربما دفعت المقام “مقام إبراهيم” عن موضعه، وربما نحّته إلى وجه الكعبة” فأغلق الحرم.

وقال العلامة محمد المنتصر بالله الكتانيّ “ت 1419هـ” في تفسيره للقرآن (الآية 27 من سورة الحج): “وأذكر منذ بضع سنين أن سيولًا جاءت “الحرم المكي” فارتفع الماء إلى أن وصل إلى أبواب الكعبة، فتوقفت الصلاة في الحرم يومين، وعز على الكثيرين أن يروا الكعبة لا يطوف بها أحد، فنزلوا يطوفون سابحين عائمين وقد أغراهم بعض من أخذ يطوف وهو يحسن السباحة والعوم، فلما نزل بعضهم -ممن لا يعرف السباحة- غرقوا وماتوا، فاضطر المسؤولون أن يمنعوا الطواف لأن الناس تعرضوا للموت”.

وذكر الشيخ محمد الصباغ المالكي المكّي “ت 1321هـ” -في كتابه “تحصيل المرام في أخبار البيت الحرام”- أخبار كثيرٍ من السيول التي اجتاحت البيت الحرام وتسببت في تعطيل الصلوات به، بل تسببت في تهدم الكعبة أحيانًا، غير أن التعطيل لم يكن يطول فكان يحدّه بسبع صلوات أو غير ذلك.

ومن ذلك أنه “جاء سيل عظيم سنة ثلاث وثمانين “وتسعمئة” حتى بلغ المطاف ووصل إلى قفل البيت الشريف، وبقي الماء يومًا وليلة، وتعطلت “صلاة” الجماعة سبعة أوقات” صلوات”.

 

غرق بغداد

أما في غير مكة؛ يذكر الحافظ ابن كثير الدمشقي “ت 774هـ” أنه في سنة 647هـ “طغى الماء ببغداد حتى أتلف شيئا كثيرا من المحالّ والدُّور الشهيرة، وتعذرت الجُمَع في أكثر الجوامع بسبب ذلك سوى ثلاثة جوامع”.

وتحدث ابن الفُوَطي “ت 723هـ” -في “الحوادث الجامعة”- عن غرق بغداد أيضا سنة 653هـ، فقال: “وتهدمت الجوامع والمساجد كجامع المنصور وهو أول جامع وُضع ببغداد، وجامع المهدي بالرصافة، وجامع السلطان وجامع القصر، وبعض مسجد قمرية بالجانب الغربي، وعدة مساجد”. ولا ريب أن ذلك سينتج عنه تعطل الصلاة في هذه المساجد.

وذكر الحسن بن محمد العباسي الصفدي (ت بعد 717هـ) -في “نزهة المالك والمملوك”- أنه وقع في سنة 717هـ سيلٌ عَرِم بمدينة بعلبكّ اللبنانية، وتسبب في هدم المساجد وتعطيل الصلاة بها، وغرّق الرجال والحريم والأطفال.

 

فتن مجتمعية

تعطّلت الجُمع والجماعات مرارًا في تاريخنا بسبب الفتن بين أتباع الأديان والطوائف والفِرَق والمذاهب، ولعل هذا السبب هو أقبحُ الأسباب المؤدية إلى تعطيل الصلوات، إذ إنه يضيع الدِّين بدعوى الحرص عليه، ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن كثير -في “البداية والنهاية”- ضمن أحداث سنة 403هـ.

قال: “وفي شوال توفيت زوجة بعض رؤساء النصارى “ببغداد”، فخرجت النوائح والصلبان معها جهارًا، فأنكر ذلك بعض الهاشميين، فضربه بعض غلمان ذلك الرئيس النصراني بدبوس في رأسه فشجه، فثار المسلمون بهم فانهزموا حتى لجؤوا إلى كنيسة لهم هناك، فدخلت العامة إليها فنهبوا ما فيها، وتتبعوا النصارى في البلد، وانتشرت الفتنة ببغداد، وعُطلت الجُمُع في بعض الأيام”، وهكذا تبدأ الفتنة بمناوشة صغيرة ثم تنتهي بقتال واسع ونهبٍ وعدوان، فيقود ذلك إلى تعطيل للدنيا والدين!

كما حصلت حادثة مماثلة بين المسلمين واليهود تعطلت بسببها الجمعة بمناطق من بغداد؛ فابن كثير يروي أنه في سنة 573هـ “جرت فتنة عظيمة بين اليهود والعامة ببغداد، ولما كان يوم الجمعة منعت العامة إقامة الخطبة في بعض الجوامع، وخرجوا من فورهم فنهبوا سوق العطارين الذي فيه اليهود، وذهبوا إلى كنيسة اليهود فنهبوها، ولم يتمكن الشُّرَط “الشرطة” من ردهم”.

بل إن تعطيل الجماعات وقع أحيانا جراء فتن التعصب المذهبي بين أبناء الطائفة الواحدة؛فابن كثير يذكر أيضا أنه في سنة 447هـ “وقعت الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة “ببغداد”، فقوي جانب الحنابلة قوة عظيمة، بحيث إنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهد الجُمُعة ولا الجماعات”.

 

حروب مدمرة

هذا النوع من تعطيل بيوت الله لم تسلم منه البقاع المقدّسة لدى المسلمين؛ ولعلّ أقدم ما ذُكر في ذلك هو ما وقع إثر قمع ثورة أهل المدينة سنة 63هـ على أيدي قوات يزيد بن معاوية (ت 64هـ)، يقول القاضي عياض (ت 544هـ) -في “إكمال المُعْلِم بفوائد مسلم”- واصفا ما صنعه جيشُ يزيد بالمدينة وأهلها: “فهَزَموا “جنود يزيد” أهل المدينة وقتلوهم واستباحوهم ثلاثة أيام، وقُتل فيها عدة من بقية الصحابة وأبناء المهاجرين والأنصار، وعُطّلت الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأيام و”توقف” الأذان فيه”.

 

جريمة القرامطة

أما أشهر ما جرى على البيت الحرام بمكة فهو ما تسبب فيه أبو طاهر الجنّابيّ القرمطيّ ت 332هـ؛ إذ دَهَم بجيشه جموعَ الحُجّاج يوم التروية من سنة 317هـ فأفسد حجّهم ذلك العام، وقتل آلافًا من الناس في صحن المسجد الحرام، واقتلع الحجر الأسود ورجع به إلى عاصمة دُويلته هَجَر (كانت بمنطقة الأحساء الآن شرقيّ السعوديّة) قال الإمام الذهبيّ في”تاريخ الإسلام”: “ولم يقف أحدٌ تِلْكَ السنة وقفة”عرفة، وبذلك تعطل حج المسلمين الذي هو أهم عندهم من صلوات الجماعات.

وقد سبقت جريمةَ القرامطة هذه حادثة شبيهة بها؛ فالمؤرخ عبد الملك العصامي المكي “ت 1111هـ” يذكر -في “سمط النجوم العوالي”- أنه في سنة 250هـ دخل مكةَ الثائر العلويّ إسماعيلُ بن يوسف الأخيضر المُلقّب بالسّفّاك “ت 252هـ”، فهرب منها واليها المنصّب من الخليفة العباسي ببغداد، ونهب إسماعيلُ المذكور داره وأخذ أموال الناس، ثم “عَمَدَ إلى الكعبة الشريفة فأخذ كسوتها وما جدد في خزانتها من الأموال، ونهب مكة وأحرق بعضها ثم خرج منها بعد مقامه بها خمسين يوما”.

 

إسماعيل السفاك

وبعد ذلك قصد إسماعيل السفاك “المدينة الشريفة فتوارى عنه عاملها “الوالي العباسي”، فظلم أهلها وأخرب دورهم، وعُطلت الجماعة من مسجده عليه الصلاة والسلام أكثر من نصف شهر، ثم رجع إلى مكة فحصر أهلها حتى ماتوا جوعا وعطشا، ووافى الموقف “موسم الحج” والناس بعرفات فقتل من الحجاج نحوا من ألف ومئة نفس، فهرب الحجاج ولم يقف بعرفة أحد ليلا ولا نهارا سوى إسماعيل وعسكره”.

وإذا كانت المدينة نالت نصيبًا من أذى إسماعيل السفاك هذا؛ فإنها قد تعطلّ مسجدُها ثانيةً على يد الثائريْن العلوييْن محمّد وعلي ابنيْ الحسين ابن جعفر الصادق، فقد اقتحما بجيشهما المدينة المنوّرة سنة 271هـ وعاثا فيها فسادًا، وقال ابن كثير الدمشقي في “البداية والنهاية”: “فقتلا خلقا من أهلها وأخذا أموالا جزيلة، وتعطلت الصلوات في المسجد النبوي أربع جُمَع لم يحضر الناس فيه جمعة ولا جماعة.

وقبل نحو قرن من الآن؛ تعطّلت الصلوات في المسجد النبويّ أواخر الحرب العالمية الأولى، فقد ذكر مؤلفو كتاب “معلمو المسجد النبوي” في ترجمة الشيخ ألفا هاشم (ت 1349هـ) أنه كان حينها إمام المسجد النبوي، وأنه عندما اشتد حصار قوات الشريف حسين بن علي “ت 1931م”للمدينة “اتخذ “واليها العثماني” فخري باشا (ت 1948م) من المسجد النبوي الشريف ثكنة للجنود والأسلحة، واتخذ من منائر المسجد النبوي الشريف أبراجا للمراقبة، فـتعطلت الصلوات ولم يُرفع الأذان من المنائر لفترة”.

 

غزاة وطغاة

وفي غير مكة والمدينة من حواضر العالم الإسلاميّ؛ تعطّلت الجُمع والجماعات بسبب الحرب مرارًا، ولعلّ المسجد الأقصى كان أكثر مساجد الإسلام عُرضةً للانتهاك والتعطيل، فقد تعطّلت الصلاة فيه تحت حكم الصليبيين نحوًا من تسعين عاما بدءا من سنة 492هـ، وقد افتتحوا عهدهم فيها بمذبحة عظيمة، يقول ابن الأثير -في “الكامل”- يصفُ المذبحة: “وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا، منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم، ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف”.

ويُشبه ذلك ما جرى لمساجد الأندلس بعد اجتياح النصارى الإسبان لحواضرها الكبرى بدءا من مطلع القرن السابع؛ فقد نقل مؤرخ الأندلس عبد الله عنان (ت 1986م) -في كتابه “دولة الإسلام في الأندلس”- عن كتاب “أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر” الذي ألّفه شخص مجهول كان يوثّق مشاهدات عصره؛ أن الإسبان تراجعوا عن تعهداتهم في معاهدة تسليم غرناطة القاضية باحترام الحرية الدينية للمسلمين، “فأغلِقت المساجد وحُظر على المسلمين إقامة شعائرهم، وانتُهكت عقائدهم وشريعتهم”.

 

اجتياح المغول

ومن أهمّ ما يُذكر تاريخيا -في هذا الصدد- حادثتان، هما اجتياح المغول لبغداد بقيادة هولاكو سنة 656، ثم غزو التتار لدمشق سنة 803هـ بقيادة القائد الأوزبكي تيمورلنك (ت 807هـ).

والفظائعُ التي ارتكبها المغول عند دخول بغداد أشهرُ من أن تُروى، غير أنّ موضوع مقالتنا فيها هو ما ذكره ابن كثير -في “البداية والنهاية”- حين قال: “وقُـتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجُمعَات مدة شهور ببغداد”.

ويصفُ معاصره الإمام السبكيّ “ت 771هـ” -في “طبقات الشافعيّة”- هذه المأساة وصفًا مؤثرًا، فيقول: “وأخذت بغداد على يد هولاكو، وقُتل أمير المؤمنين وبَعده سائر المسلمين، ورُفع الصليب، وسُمع الناقوس آونة من “بيوت أذِن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه”، وخربت الجوامع وعُطّلت المساجد، قال الشاعر في ذلك: ثم انقضت تلك البلاد وأهلها ** فكأنها وكأنهم أحلام”. ويخبرنا ابن خلدون “ت 808هـ” -في تاريخه- أنه عندما غزا القائد التتري محمود قازان “ت 703هـ” بجيوشه الشام سنة 699هـ؛ دخلوا دمشق فعاثوا فيها نهبا وسلبا، واقتحموا “جامع بني أمية فانتهكوا حرمة المسجد بكل محرّم من غير استثناء، وأمتُهن القضاة والخطباء وعُطّلت الجماعات والجمعة”، وذلك رغم أن قازان هذا كان من جيل التتار الذين أسلموا.

 

اجتياح دمشق

وأما اجتياح تيمورلنك لدمشق فلم يكن أقلّ وحشيّة وبشاعة، مع أنه كان يدّعي الإسلام واصطلح مع أهلها على فديةٍ يدفعونها ليسلموا من القتل والسلب، لكنه انقلب على الاتفاق ونهبها وخربها وأحرق بعضها، و”شُغل الناس عن الدين والدُّنيا بما هم فيه، فتعطلت سائر الجوامع والمساجد من إعلان الأذان وإقامة الصلاة”؛ على حدّ تعبير المقريزيّ في كتابه “السلوك لمعرفة دول الملوك”.

وقد عاصر ابن خلدون تلك الأيام حيث كان وقتها في زيارة لدمشق وقابل تيمورلنك، وذكر كثيرًا من فظاعاته هو ورجاله التي تسبب بعضها في إحراق الجامع الأموي، مما أدى إلى تعطل الصلوات فيه، فذكر -في كتاب رحلته- إضرامهم النار بالممتلكات “فلم تزل تتوقّد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه فسال رصاصه وتهدّمت سقفه وحوائطه، وكان أمرا بلغ مبالغه في الشّناعة والقبح”.

 

اضطراب واحتجاج

كما تسببت الحروب في تعطيل الجُمَع والجماعات؛ فإن الاضطراب السياسيّ والفراغ الأمنيّ أدى إلى مثل ذلك، فقد ذكر ابن شاهين الملطي “ت 920هـ” -في “نيل الأمل في ذيل الدول”- أنه وقع في أحد أيام الجمعة سنة 802هـ فتنة كبيرة بين أمراء المماليك “ارتجّت منها القاهرة، فغُلقت أبواب الجوامع واختصر الخطباء وأوجزوا في الصلاة، ولم يُخطب في بعض الجوامع، بل ولا صُلي في بعض أيضا، وخرج الناس في ذعر وأغلقت الأسواق”.

وفي الغرب الإسلامي ذكر ابن عذاري المراكشي -في “البيان المغرب” أنه “لمّا رحل بنو عُبيد “الفاطميون” إلى مصر”قادمين من تونس”، لم تزل ملوك صنهاجة يخطبون لهم بأفريقية ويذكرون أسماءهم على المنابر، حتى قطع أهل القيروان صلاة الجمعة فرارًا من دعوتهم، وتعطلت الجمعة دهراً”!! وقد ذكر أن الخطبة للفاطميين بقيت إلى سنة 440هـ، ثم قُطعت وأحرقت أعلامهم كما توقفت في الجامع الأزهر.

وفي خاتمة هذا الاستعراض التاريخيّ الموجز لحوادث تعطل صلوات الجماعة في مساجد المسلمين؛ نعلمُ أنّ ما يجري علينا اليوم من إيقاف للجُمَع والجماعات -خشية المساهمة في نشر وباء “كورونا”- ليس استثناءً تاريخيًّا غير مسبوق، وأنّه جرت نظائره في تاريخ أمتنا لأسباب كثيرة، بعضُها يُشبه ما نحن فيه من دواع صحية، وبعضُها أقلّ منه ضرورةً وقهرًا، وبعضُها أعظمُ منه خطرا بكثير. ثم إن هذه الغُمّة -وإن طالت- لا بدّ منتهية كما انتهت قبلها حروب وكروب، وسيعود إلى المساجد عُمّارُها المحبّون، وإلى المحاريب عُشّاقها المشتاقون.

 

المصدر