أوروبا بوصفها ريف العالم / خضر الآغا

خلال الثورة السورية، بوصفها وعدًا ببناء دولة جديدة تقطع مع حقبة الاستبداد والدولة المنهارة، تم تقديم العديد من المقترحات لبناء سوريا الجديدة على أسس وطنية – قومية مختلفة. بعض أصحاب تلك المقترحات اعتبر أن العقد الجامع هو الوطنية السورية، وبعضهم اقترح سوريا عربية.. إلى ما هنالك. وبصرف النظر عن المبررات التي ساقها أصحابها فقد كانت السمة الغالبة لديهم هي تصوّر بناء الدولة على الطريقة الأوروبية. بمعنى بناء الدولة وفق التصور الأوروبي لمفهوم الدولة. لكأن التاريخ السوري تتم كتابته -تخيّليًا- في أوروبا، الأمر الذي يعني أن لا تاريخ للسوريين خارج التاريخ المكتوب أوروبيًا.

 

أوروبا المستعمِرة هي ذاتها أيضًا من ستكتب تاريخ البلدان التي استعمرتها تاريخيًا، وبصفة خاصة بدءًا من التاريخ ما بعد الاستعماري انشغل مفكرو الدول المستعمَرة بالتفكير بهذا القدر الذي بدا وكأنه قدر إغريقي، وهو أن أوروبا المستعمِرة هي ذاتها أيضًا من ستكتب تاريخ البلدان التي استعمرتها. الأمر الذي يذكّر بمقطع لمحمود درويش: “سرقت دموعنا ياذئب/ تقتلني/ وتسرق جثتي/ وتبيعها”. قام هؤلاء المفكرون بابتكار طرق عديدة لخلخلة المركزية الأوروبية، ونجحوا كثيرًا وإلى حد بعيد بذلك عبر جعل الثقافة تخصّ البشرية جميعًا دون أن يكون التاريخ الأوروبي في المركز من تواريخ العالم، فمن غير الملائم، حسب النظريات ما بعد الاستعمارية، أن يكون التاريخ المحلي منظورًا إليه تخيليًا بالمنظار الأوروبي.

 

اقترح المفكر الهندي البنغالي شاكرابارتي مفهوم “ترييف أوروبا” أي نزع صفة المركزية عنها وجعلها متساوية مع العالم باعتبار أوروبا، وفق الكاتب الهندي، ترى نفسها مدينة العالم والآخرون ريفه.

 

جادل الكاتب دوغلاس روبنسون في كتابه الشهير “الترجمة والإمبراطورية- نظريات الترجمة ما بعد الكولونيالية” كثيرًا ومفصلًا بهذا المقترحات لحل المشكلة العويصة: المركزية الأوروبية، فاعتبر أن الحلّ الذي يقدّمه شاكرابارتي لهذه المشكلة هو في الحقيقة ذلك الحلّ الذي انكبّ عليه الباحثون ما بعد الكولونياليين في أرجاء العالم منذ بعض الوقت: “مشروع ترييف أوروبا، أوروبا التي جعلتها الإمبريالية الحديثة والقومية (العالمثالثية) كونيةً، بمغامرتهما المشتركة وعنفهما”، وكجزء من هذا المشروع، يدعو شاكرابارتي الباحثين لأن “يكتبوا في تاريخ الحداثة تلك التجاذبات، والتناقضات، واستخدام القوة، والمآسي، والمفارقات التي صاحبته”؛ أي لأن يفصحوا ضمن التاريخ الأوروبي (أو ضمن التاريخ الغربي أو تاريخ العالم الأول، بصورة أعمّ) عن “الظلم والعنف اللذين كان لهما الفضل في انتصار الحديث شأنهما شأن قوة الإقناع في استراتيجياته البلاغية”.

 

و”ترييف” الغرب يعنى إزالة التراتبية بين المركز والريف، التي هي في ظلّ الكولونيالية وبعدها تراتبية نمطية بين الثقافة والبدائية، والنظام والفوضى، والوحدة والتنوّع، وذلك بغية رؤية التنوّع والتغاير في كلّ مكان، لا بوصفهما ملمحاً من ملامح المستعمرات السابقة وحسب، بل بوصفهما أيضًا شرطين للمراكز الاستعمارية ذاتها سواء كانت أوروبية، أم أميركية شمالية، أم من “العالم الأول” عمومًا.

 

أما المصطلح الآخر الشهير الذي يُطلق على هذه العملية أو السيرورة، حسب ما يقول روبنسون، فهو “نقل المركز” الذي شرحه الباحث والكاتب الكينىّ نغوجي واثينغو في أن المسألة مرّة أخرى هي مسألة نقل المركز من اللغات الأوروبية إلى جميع اللغات الأخرى في أفريقيا والعالم، نقله باتجاه تعددية اللغات بوصفها الحوامل المشروعة للخيال الإنساني.     

 

ولقد سبق لنغوجي أيضًا أن كتب “تصفية استعمار العقل”، وهو نصّ مؤسِّس في الدراسات ما بعد الكولونيالية غدا عنوانه عبارة مشهورة ومهمّة أخرى من مهمّات تلك العملية المضنية والمتواصلة التي تمَّ من خلالها تفكيك عقلية الكولونيالية أو أيديولوجيتها الجمعيّة بصورة تدريجية في كلٍّ من المراكز الإمبريالية والهوامش الكولونيالية السابقة.

 

إن هذا الجزء من المشروع بات مألوفًا من خلال ما يدعى تحليلاتٍ ما بعد بنيوية (فوكوية خاصة) للقوة المجتمعية، حيث يمكن للقارئ أن يعود بشكل خاص إلى كتاب ميشيل فوكو “المراقبة والمعاقبة”. غير أنَّ كتاب فريدريك نيتشه “جينالوجيا الأخلاق” ربما يكون أول محاولة أوروبية “عظيمة” حسب تعبير روبنسون، لـ “ترييف الغرب” بهذا المعنى، فهو يتتبّع في هذا الكتاب تاريخ العنف المادي والمعنوي الذي كان مطلوبًا من ألمانيا لتحقيق “الثقافة” أو “الحضارة” الألمانية. وحقيقة الأمر أنّ نيتشه شخصية محورية في النظرية ما بعد الكولونيالية، فهو السلف الأوروبي الرئيس لتلك الدراسات المزيلة للتعمية والتي تتناول القوة المكبوتة أو التي يُضفى عليها طابع غامض أو مثالي.

 

يرى شاكرابارتي أن “ترييف أوربا” إمكانية تتيح لنا أن نتخيّل العالم مرّة أخرى بوصفه متغاير العناصر على نحوٍ جذري.

 

بعد أن يتم التخلص من العقدة الأوروبية، يمكن النظر إلى تواريخ العالم، بوصفها تاريخًا محليًا خاصًا يتلاصق مع العالم ولكن لا يُعرّف به

انطلاقًا من تلك المداخلات، وبعد أن يتم التخلص من العقدة الأوروبية لو صحت التسمية، يمكن النظر إلى تواريخ العالم، وتاريخنا السوري بوصفه تاريخًا محليًا خاصًا يتلاصق مع العالم ولكن لا يُعرّف به ولا يُبنى عليه، بل يُعرّف بحيثياته وظروفه وشخوصه ويُبنى على ملائمته المحلية. هذه الملاءمة تجعل من التفكير ببناء الدولة الجديدة أكثر قربًا من الواقع ومن التحقق أيضًا، فعوضًا عن أن نندب أنه لا يوجد لدينا ثورة صناعية مثل أوروبا، ولا يوجد لدينا هيغل وكانت ومشيل فوكو… وغير ذلك من المقارنات المعيارية التي تهدف أحيانًا، وتؤدي أحيانًا أخرى بقصد أو بدونه، إلى إغلاق باب الأمل أمام السوريين وأمام شعوب المنطقة والشعوب العربية، في نظرة ليست مجرد نظرة استشراقية تخلى عنها أصلًا أصحابها، أو هكذا يزعمون على الأقل، بل نظرة كراهية، عوضًا عن ذلك يمكن أن ننظر بما لدينا وبما يمكّننا من التفكير بشكل عملي ببناء دولتنا.

 

الأنوار الأوروبية أبهرتنا جميعًا وجعلتنا نرى بشكل أفضل، وأيضًا أنوار الطيب تيزيني وصادق جلال العظم وياسين الحافظ وبوعلي ياسين وغيرهم أبهرتنا وجعلتنا نرى بشكل أفضل.

المصدر