“أولاد حارتنا” فاكهة الأدب المحرمة / خولة الحبيب

خولة الحبيب

نظرا لعودة الجدل من جديد حول رواية أولاد حارتنا، بعد أن تقرر تقديمها في إطار درامي تنقله منصات عالمية، سأحاول تقديم مراجعة مقتضبة حولها، و سأحرس فيها على التعرّض للنص متجاهلة ما كتب عنها بأي حال من الأحوال، إلا في ما يزيد من إثراء هذه المراجعة.

 

صدرت رواية أولاد حارتنا  لأول مرة عام 1959 على شكل حلقات في جريدة الأهرام، و تأخر صدورها في كتاب حتى العام 1962م حيث صدرت عن دار الآداب في بيروت.

 

تنقسم الرواية إلى خمسة أجزاء  تمتد على أكثر من خمسمائة و بضع و خمسين صفحة، و قد أثارت الكثير من الجدل منذ أن نشرت لأول مرة.

 

بدأت الرواية بافتتاحية حيث بيّن  لنا الراوي أنه كتب حكايات هذه الحارة بناءً على اقتراح من أحد الرفاق، و هو صاحب الحكاية الأخيرة في الحارة.

 

الحكايات الخمس هي عن حارة الجبلاوي، صاحب الوقف، و الذي استفاد من قوته، و علاقته بالوالي بأن عمّر الخلاء.

وإن كان القارئ من السهل عليه أن يستنتج بأن الجبلاوي ليس إلا رمزا للإله و له في ذلك من دلائل كثيرة بل إن البعض رأى أن الفكرة مستمدة من الثقافة المسيحية التي تعدّ الإله أباً للبشرية كما يكون المسيح ابناً  له سواء كان ذلك من باب المجاز أو الحقيقة، و لكن برأيي كان هناك الكثير من الظلم،   فالظلم كان الدافع الأول لكل شيء في الرواية.

 

كان هناك الناظر، و (الفتوات) الذين يقدمون دور الحماية للناظر على الوقف مقابل نصيب معين يقدمه لهم الناظر من الوقف.. و هو يحتفظ لنفسه بنصيب الأسد بالطبع، و هذا بدوره يرمز إلى كل نظام حكم  ظالم.

 

و ما يثير الاهتمام هنا، هو أن الحكايات الثلاث: جبل، رفاعة، و قاسم.. هي أشبه ما تكون بالثورات على هذا الحكم الظالم.. فقد كانت الثورة الأولى “الملهمة” هي ثورة جبل، و لربما من المثير بأن نجد خاتمة حكاية جبل ب

“و لولا أن آفة حارتنا النسيان ما انتكس بها مثال طيب، لكن آفة حارتنا النسيان”.

 

و قد تكررت الثورة مرة أخرى بعد أحداث مشابهة من قبل “علي” الذي لنقل بأنه كان الوريث الشرعي لرسالة رفاعة الذي قتله الفتوات غدراً ثم جاء الجبلاوي وأخذ جثته ليدفنها في حديقته.

 

و نجد أن خاتمة حكاية رفاعة جاءت كالتالي: “و على أي حال استبشر الناس خيراً، و استقبلوا الحياة بوجوه مشرقة، و قالوا بثقة و اطمئنان إن اليوم خير من الأمس، و إن الغد خير من اليوم  فلماذا كانت آفة حارتنا النسيان”؟!

 

و يتكرر الأمر ذاته مع خاتمة حكاية قاسم لنجد: “و مهما يكن من أمر فإن حارتنا لم تشعر قبله بالسيادة حقاً، و بأن أمرها قد آل إلى نفسها دون ناظر يستغل أو (فتوة يستذل)؛ ولا عرفت قبله ما عرفت أيامه من الإخاء والمودة و السلام”.

و قال كثيرون أنه إذا كانت آفة حارتنا النسيان فقد آن لها أن تبرأ من هذه الآفة، و أنها ستبرأ منها إلى الأبد.

هكذا قالوا..

هكذا قالوا يا حارتنا . ! “

 

و رغم أن جل النقاد فسرو الأمر بأن الجبلاوي لا يمكن  أن يكون رمزاً لشيء آخر عدا الإله  إلا أن نجيب محفوظ نفسه نفى أن يكون رمزاً للإله، بل هو رمز للدين  و قد وافقه بعض النقاد في ذلك، خاصة في حكاية (عرفة) و لكن غيرهم رأى فيما رآه.. أنه إشارة لموت الإله الذي بشّر به نيتشة.

لكن هناك شيئاً واحداً يقف عائقاً أمام تفسير النقاد و يدعم ما قاله نجيب؛ إنه الوالي الذي استفاد الجبلاوي من علاقته به كي يستملك أرض الخلاء،  و هي الأرض التي بنيت عليها الحارة  و لربما نستطيع أن نعزو ذلك للحبكة القصصية كما هو الحال مع سلوك أبطال أولاد حارتنا.

 

في الأخير أرى أن الرواية نجحت في التعبير عن عودة الظلم بعد الثورة إلى ما كان عليه و أكثر.. و أنه لربما خلف كل قيصر يموت قيصر جديد، و قد ختمت ببصيص من الأمل، بأن الناس قد يصلون إلى درجة من  الوعي تكفي بأن لا ينسوا ما كان، و أن يحضروا لثورة جديدة، لا تبقي بعدها قيصراً أبداً.

المصدر : موريتانيا الآن