إسرائيل واحتمالات تفجر حرب أهلية / السفير عمرو حلمى

السفير عمرو حلمى

ربما هى المرة الأولى منذ عدة عقود التى تخرج فيها إلى العلن تحذيرات من إمكانية تفجر حرب أهلية داخل إسرائيل ذاتها بين العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية وبين اليهود، حيث جاء التحذير الأول من الرئيس الإسرائيلى رؤوفين ريفلين الذى صرح بأن أراضى ٤٨ تشتعل، وأن الحرب اندلعت فى الشوارع والأغلبية مذهولة ولا تصدق ما تراه، وأن المواجهات الدامية التى شهدتها مدن الخط الأخضر بين فلسطينيى الداخل ومستوطنين إسرائيليين يمكن أن تؤدى إلى نتائج خطيرة، وقد أعقب ذلك قيام بينى جانتس وزير الدفاع الاسرائيلى بوصف العنف اليهودى العربى داخل إسرائيل بأنه لا يقل خطورة عن صواريخ حماس، موضحا أن إسرائيل لا تملك ترف تجاهل التحديات الداخلية التى تشهدها البلاد والتى يمكن أن تهدد أمنها واستقرارها، كما صدرت تحذيرات مماثلة من دوائر أكاديمية وإعلامية إسرائيلية امتدت أيضا إلى عدد من وسائل الإعلام ومراكز التفكير الغربية.

 

 

ويبدو واضحا أن الآراء التى ركزت على اعتبار أن العدوان الإسرائيلى الأخير على غزة ما هو إلا تكرار لنفس السيناريوهات التى شهدناها من قبل سواء عام ٢٠٠٩ أو عام ٢٠١٤، غاب عنها إدراك أن الحلول العسكرية لن تجدى وحدها لمعالجة المصادمات القائمة ولن تمنع تجددها مستقبلا، وأن الاحتلال لا يمكن عمليا أن يستمر إلى ما لا نهاية، كما أن الدعم الأمريكى الثابت لإسرائيل، والذى يشاركها فيه عدد من الديمقراطيات الغربية، قد تطرأ عليه تغيرات تدريجية.. ولعل توجه بيرنى ساندرز للتقدم بمشروع قرار للكونجرس لمنع حصول إسرائيل على صفقة تسلح أمريكية جديدة تقدر قيمتها بـ ٧٣٥ مليون دولار، وتحدُّث بعض منظمات حقوق الإنسان عن ممارسة إسرائيل لسياسة الأبارتهيد ما هى إلا مؤشرات يجب على الدوائر السياسية الإسرائيلية أن تدرك أبعادها، فاعتداءات الجيش الإسرائيلى والمستوطنين اليهود على المصلين المسالمين وعلى الصحفيين فى المسجد الأقصى وفى القدس الشرقية المحتلة وأحداث الشيخ جراح هى التى تسببت فى اشتعال الموقف برمته، حيث ذكر جيورا ايلاند، مستشار الأمن القومى الإسرائيلى السابق، أن التصرفات الإسرائيلية قد غاب عنها التحلى بالحكمة فى وقت دقيق للغاية قرب نهاية شهر رمضان مما أعطى حماس المبرر للتصعيد العسكرى فى غزة، والذى امتد إلى مناطق أخرى فى الضفة وفى داخل إسرائيل ذاتها.

 

وعلى الرغم من أن العرب يمثلون ما يقرب من ٢٠٪ من سكان إسرائيل، ولديهم بعض المقاعد فى الكنيست الإسرائيلى، وما يقال عن تزايد ثقلهم فى نسيج التوازنات الحزبية الإسرائيلية، إلا أنهم يعانون من كل مظاهر التمييز والتفرقة، خاصة بعد أن تم عام ٢٠١٨ إقرار مشروع قانون الدولة القومية الذى نص على أن إسرائيل هى الوطن القومى لليهود، بما يجعل العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية فى وضعيه مواطنين من الدرجة الثانية، وهو ما دفع شلومو ساند البروفيسور بجامعة تل أبيب إلى ذِكر أنه لا يعتبر إسرائيل دولة ديمقراطية طالما أنها لا تعطى نفس الحقوق لكل مواطنيها سواء من اليهود أو العرب أو الدروز، خاصة أن السياسات التى يطبقها نتنياهو من شأنها أن تؤجج مشاعر العداء والكراهية، فى الوقت الذى تشهد فيه البلاد تصاعدًا فى ثقل التيارات اليمينية المتطرفة.

 

ومع الانقسام الداخلى الذى يشهده المجتمع الإسرائيلى حيال كيفية التعامل مع العرب الإسرائيليين، أوضح مركز Pew الأمريكى للدراسات المتخصص فى إجراء استطلاعات الرأى والبحوث الديموجرافية أن أخطر تلك الانقسامات يتمحور حول ما إذا كان ينبغى السماح للعرب بالعيش فى الدولة اليهودية، وأن التيارات اليمينية اليهودية التى يتزايد ثقلها فى المجتمع تؤيد ترحيل العرب والسماح بنقلهم إلى دول عربية فى المنطقة، كما تؤيد الاستمرار فى بناء المستوطنات فى الضفة الغربية، وهى تحولات تفرض العديد من التحديات أمام إمكانيه تصور أن خيار حل الدولتين لايزال قابلا للتطبيق، خاصة مع استمرار الجمود الذى تشهده عملية السلام وتكرار الفشل فى تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة.

 

فحتى بافتراض إمكانية احتواء الصدام بين العرب واليهود داخل إسرائيل والحيلولة مرحليا دون تحوله إلى حرب أهلية حقيقية، تبقى احتمالات أن تتجدد تلك المصادمات واردة، وهو ما ينطبق أيضا على احتمالات تفجر انتفاضة فلسطينية ثالثة، خاصة أن نسيج المجتمع الإسرائيلى لم يعد يبدو متماسكا على النحو الذى يمكن أن يؤكد ادعاءات بعض الدوائر الغربية أن الديمقراطية فى إسرائيل تمثل نموذجا فريدا فى المنطقة، فى ظل الاستمرار فى تجاهلهم لكونها تمارس احتلال أراضى الغير بالقوة المسلحة.

 

فبعد النجاح فى التوصل لوقف إطلاق النار فى غزة بفضل الجهود التى قامت بها مصر، تبقى التحولات الداخلية التى يشهدها المجتمع الإسرائيلى من بين أهم العوامل التى ستحدد ما يمكن أن تتوصل إليه عملية السلام من نتائج فى حالة استئنافها، فبالتوازى مع خطورة التحديات الناجمة عن استمرار الانقسام الفلسطينى، فإن إسرائيل بتعقيدات تركيبتها السكانية ستجد نفسها أمام خيارات ليست أقل خطورة، إذ إن الاستمرار فى سياسة المماطلة ووضع العراقيل أمام صيغة حل الدولتين سوف يدفع الأمور إلى خيارات أكثر صعوبة، وقد كان آرى شفيت محقًا فى مقالته التى تم نشرها بجريدة «هاآرتس» يوم ١١ الجارى تحت عنوان «إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة»، حيث ذكر أن القوة الوحيدة القادرة على إنقاذ إسرائيل تتمثل فى الإسرائيليين أنفسهم، حيث يتعين عليهم ابتداع لغة جديدة تعترف بالواقع، إذ ليس هناك سوى وسيلة وحيدة لإنقاذ إسرائيل، تتمثل فى الاعتراف بحقوق الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال لأراضيهم..

 

المصدر: المصري اليوم