إطلالة من نافذة الحياة ..(زاوية : من النافذة) تكتبها للصدى الأستاذة زينب الجد

زينب الجد / كاتبة صحفية

نطل البوم من نافذة  الحياة ونسافر إلى الماضي إن كانت الذاكرة مازالت تسعفنا في ذلك، فقد أصيبت بضبابية في الرؤية، فاتساع الهوة بين الماضي والحاضر جعلني أفقد قبضة الإحكام  على تفاصيل تلك اللحظات الجميلة.

خطوت خطواتي الأولى من طريقي في مهنة المتاعب، بكثير من الحماس والشعور بالأبهة والخيلاء وكأني أنا صاحبة الجلالة لا ممتهنة لها، عزائي في ذلك أمل يحدوني أن وجه دنيانا الكالح سيتغير وإلى الأبد.

لقد آمنت إيماناً راسخا بقدرتي ودلك الجيل الذي آمن بالكلمة ” الطيبة” سلاحا لتهذيب  عقليات هذا المجتمع العصية على التغير أو على الأقل التغير الإيجابي الذي ننشد جميعا.

والكلمة الطيبة عندنا كانت تعني الالتزام بالمبادئ والقيم النبيلة والأخلاق المهنية التي تحتم السير بين فلك الحرية ومستوى المسؤولية دون التخلي عن كشف المستور ومحاولة إحقاق الحق.

ورغم العراقيل التي وضعها الساسة عمدا، ورغم الظروف السوسيو سياسية التي لم تكن أبداً لصالحنا، رغم ذلك فقد كان للصحافة تأثير وللصحفي مكانته المحفورة في الذاكرة الجمعية والتي أكسبته قيمة الثقة في شخصه وفي مصادره، لأن تقديسه لتلك المصادر في تناوله للخبر ، كان مجنا يقيه بأس الإحراج والنظرة الدونية، لذلك كنا نمشي في الشوارع مرفوعي الرأس ممتلئين اعتزازا بمهنتنا.

رغم أن مهنة الصحافة في هذا المنكب  وخاصة بالنسبة للمنشغلين بحفلها الخاص، لم تتسم أبدا بصلاحيات المهنة من الناحية المادية، فلا يوجد صحفي أكل من راتبه لأنه لا يمتلكه أصلا، فلا الدولة تعتني به ولا ريع المؤسسة يكفل له ذلك.

ولكن رغم هذه الظروف القاسية والمهينة في أحايين كثيرة، لم نتذمر من الانتماء لهذا الحقل، فقد تمسكنا ببقية أخلاق وشيئ من التقوى، وكنا نعيش تحت شعار: تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها.

أما حاضرنا في هذه المهنة، فهو أفصح مني لسانا وأبطش يدا.

فقد عملت الإدارة السياسية ومنذ وقت ليس بالقصير على تفتيت نواة القيم في هذا المجال وتفكيك لحمة المنتمين إليه معرفة وهواية، ساعدها في ذلك جو من من الحرية الزائفة الكسيحة خلقته لهذا الغرض، لا لشيئ غير هذا الهدف ، وقد نجحت في الخطة التي رسمت، بل أكثر من ذلك، حتى أن الأمور في هذا الصدد خرجت  عن سيطرتها ولم بعد بمقدورها استرجاع الحجر الذي رمت به  في البداية.

نتج عن هذه الظروف أن وجدت أعداد  من الجنود غير المدربين واحتلوا الشوارع والقصور وبقي غالبية الصحفيين المهنيين إما على الأرصفة ينتظرون الطريق أو تشرئب أعناقهم للنظر من النوافذ غير متمكنين على الأقل من مشاهدة الحدث.

وبين هذا وذاك ضاع حلمي أنا وبقيت تارة  أحزم  أمتعتي لأرحل عن عالم صاحبة الجلالة وتارة أفتحها وأفتش عن قلمي لأحاول أن  أكتب ولكن في هذه المرة بخط نزق ويد ترتعش…..

المصدر : الصدى الورقية الاسبوعية  الصادرة بتاريخ 12رجب 1442هـ الموافق 22/02/2021