إلى أين يصل التصعيد في ملف “ولد غده” وهل هو صراع على السلطة والنفوذ بين “عزيز” و”بوعماتو” وهل يحرج الوضع الرباط ؟

لم يعد سرا أن الخلاف بين الرئيس محمد ولد عبد العزيز ورجل الأعمال المقيم بالمغرب محمد ولد بوعماتو هو صراع حقيقي وليس “تمثيلا” كما كان يقول البعض، بل إن هذا الخلاف وصل من العمق والحدة مرحلة التصعيد ممثلا في المتابعة القضائية من جهة السلطة والتصعيد السياسي من طرف بوعماتو وداعميه.

ويعتقد بعض المراقبين أن هذا الصراع لن يتوقف عند مرحلة المتابعة القضائية من طرف الحكومة بل ستلجأ هذه الأخيرة إلى استغلال نفوذها وعلاقاتها بالمغرب وبــ”آخرين” لتسليم رجل الأعمال المعارض محمد ولد بوعماتو ومدير أعماله محمد ولد الدباغ للقضاء الموريتاني بناء على المذكرة الصادرة في حقهما، ولن تدخر نواكشوط جهدا في سبيل ذلك حتى ولو اضطرت للضغط على الرباط عبر مواقف “غير ودية” أقلها إزعاجا إغلاق المعبر البري الوحيد للمملكة الشقيقة إلى إفريقيا وهو معبر “الكركرات” الحدودي. فضلا عن الإعلان الذي تم بالفعل بالشروع في إجراءات فتح معبر حدودي بين موريتانيا والجزائر وهو الذي يعتبر إجراء عاديا وطبيعيا في الحالات العادية لكنه يعني الكثير في حالة التوتر القائمة منذ بعض الوقت بين الرباط والجزائر.

فهل تواصل نواكشوط ضغطها لاستلام رجل الأعمال المعارض ومدير أعماله، أم قد تجنح للتهدئة والتسوية وكيف؟

ولماذا كل هذا التصعيد بين بوعماتو والنظام؟ وهل تكتفي نواكشوط بتعهد رسمي من ولد بوعماتو عبر مضيفيه المغاربة بالكف عن دعم “المعارضة الراديكالية” وعدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للبلد؟ أم أن ولد بوعماتو سيترشح بالفعل للرئاسيات القادمة وهو ماض في العمل على الوصول إلى سدة الحكم مهما كلفه ذلك؟

أسئلة كثيرة سنحاول الإجابة، وفق المعطيات المتاحة، على بعضها فيما ستبقى أخرى مؤجلة للأيام والأشهر القادمة.

كيف خرج ولد بوعماتو عن “طوع” الرئيس ولد عبد العزيز؟

يقول بعض المراقبين إن السيد محمد ولد بوعماتو غضب من طريقة التعاطي معه من طرف رئيس الجمهورية حين رفض تلبية بعض مطالبه ذات الصلة بالحظوة في مجال الصفقات وأن الرئيس صرح قبل تسلمه مبالغ الدعم في أول حملة للانتخابات الرئاسية خاضها “عزيز” ومولها ولد بوعماتو وآخرون، بأنه لن يؤثر رجال الأعمال الذين دعموه على أولئك الذين وقفوا مع المعارضة وسيعامل الجميع كمواطنين وفق ضوابط محددة، كما أنه لن يتدخل لإعفاء شركاتهم ومؤسساتهم من الضرائب أو تخفيفها بل سيخضع الجميع للقانون فمن أراد أن يدعم توجهه الإصلاحي هذا دون أن ينتظر مقابلا لذلك فهو يخدم البلد بذلك وسيقبل الرئيس دعمه له ومن يريد الإيثار والحظوة والامتيازات فليتمسك بالمبالغ التي رصدها لدعم حملته الانتخابية؟

وبالفعل تحدث الرئيس بالأرقام وبالتفاصيل عن هذه الوضعية في بعض مقرات حملته الانتخابية قبل اختتامها بساعات

وقال انه تلقى دعما من رجال اعمال وطنيين وأوضح لهم انهم يقدمون هذا الدعم من اجل الاصلاح وليس من اجل امتيازات خاصة.

ووصلت درجة رضى الرئيس عن ولد بوعماتو قمتها حين وشحه في ذكرى الاستقلال الوطني. لكن العلاقة بين الرجلين تدهورت بعد إثقال كاهل مجموعته BSA بالضرائب ثم رفضه لبعض العروض التي قدمها ولد بوعماتو في مجال الاستثمار حيث اعتبر الأخير أن هذه المواقف تمثل استهدافا مباشرا لمصالحه ولعل حادثة إغلاق بنك موريتانيا العام المملوك للسيد بوعماتو مثل مرحلة متقدمة من التأزم في العلاقة بين الرجلين.

ويرى مقربون من رجل الأعمال المغاضب محمد ولد بوعماتو أنه يعتبر مختلف الصفقات المهمة جرى تقديمها لفائدة مؤسسات وشركات وأشخاصا يمثلون مصالح شخصية للرئيس “عزيز” وأنه “تحول من رئيس للجمهورية إلى رجل أعمال بامتياز لدرجة منافسة رجال الأعمال بطريقة غير شفافة”.

بوعماتو يدعم المعارضة “الراديكالية”

وأخيرا قرر رجل الأعمال مواجهة غريمه وابن عمه الرئيس من خلال دعم المعارضة التي يصنفها النظام بالمتطرفة بما في ذلك بعض الشيوخ والنواب وحتى المجتمع المدني بغية خلق قاعدة معارضة مزعجة للنظام.

وهكذا كشفت تسريبات السيناتور المعارض محمد ولد غده المعتقل حاليا، وكذلك الحاسوب المصادر من ولد الدباغ، عن الدعم المالي الذي قدمه رجل الأعمال بوعماتو عبر مدير أعماله محمد ولد الدباغ والسيناتور محمد ولد غده لرموز في المعارضة، أغلبهم منتخبون، ولبعض هيئات المجتمع المدنى كبعض النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني وبعض المؤسسات الصحفية والشخصيات العامة. وهو ما اعتبره النظام دعما غير مشروع لخدمة أهداف غير مشروعة وصنفه على أنه رشوة قدمها رجل الأعمال لهؤلاء لخدمة أجندته وأهدافه.

وكشفت تسريبات السيناتور ولد غده وكومبوتر ولد الدباغ أن رجل الأعمال ولد بوعماتو يسعى بالفعل للترشح لمنصب رئيس الجمهورية وأنه يعول على دور المال في تحقيق طموحاته حيث توقع أن منتدى المعارضة سيدعم ترشحه بالفعل بوصفه مرشحا توافقيا للمعارضة الموريتانية.

كما راجت شائعات، قبل أيام، عن أن رجل الأعمال المعارض سيرصد مبالغ مالية معتبرة سنويا لدعم الصحافة المستقلة تصل إلى مليار أوقية تتضمن تقديم جوائز لمؤسسات صحفية وصحفيين فضلا عن دعم المؤسسات الصحفية وفق معايير مبسطة وموضوعية.

ويدعم ولد بوعماتو بعض الشخصيات الإعلامية المعارضة المقيمة في الخارج وكذلك بعض الشخصيات العامة كما يدعم فرقة “أولاد لبلاد” الشهيرة والتي أصبحت متخصصة في انتاج الأغاني المناهضة لشخص رئيس الجمهورية وكذلك بعض الشعراء والأدباء .. كما يواصل التنسيق مع بعض الشخصيات الوازنة في البلد بغية إضعاف النظام والتمهيد لمرحلة ما بعد 2019 حين يجري انتخاب ولد بوعماتو رئيسا للبلاد.

ردة الفعل العلنية للنظام

يؤكد بعض المراقبين أن بعض التصريحات التي صدرت عن بعض الوزراء والشخصيات الرسمية مثل الوزير الأول يحي ولد حد أمين ووزير الثقافة الناطق باسم الحكومة وبعض الشخصيات النافذة الأخرى كرئيس الحزب الحاك الأستاذ سيدي محمد ولد محم حول بقاء النظام في الحكم كانت بمثابة رسالة موجهة أولا لكل أولئك الذين قرروا دعم ولد بوعماتو والتنسيق معه ثم هي أيضا رسالة موجهة لولد بوعماتو نفسه مفادها أن انتهاء مأمورية الرئيس ولد عبد العزيز لا تعني نهاية نظامه، ولعل الهدف من تلك التصريحات هو إحباط بوعماتو وداعميه والتأكيد لهم بأن النظام باق حتى ولو غادر الرئيس السلطة.

كما أن تصريحات لرئيس الجمهورية حول بقائه في دائرة العمل السياسي لخدمة بلده بعد انتهاء مأموريته تدخل هي الأخرى في ذات السياق. بل إنها أيضا رسائل موجهة للمغرب الذي يعتبر البعض أنه يدعم ولد بوعماتو ويدعم ترشحه لرئاسيات 2019، وربما عكست بعض مظاهر التوتر وسرعة احتوائها ايضا شكلا من اشكال ذلك الدعم الذي لا تعلنه الرباط ويغضب نواكشوط.

هل يحرج الرباط موقف القضاء الموريتاني من بوعماتو؟

لا شك أن مطالبة القضاء الموريتاني بمثول ولد بوعماتو ومدير أعماله ولد الدباغ وما يكتنف الملف من تعقيدات سبب حرجا حقيقيا للرباط، وهي الآن في موقف صعب بين خياري التفريط في “رجل المستقبل بموريتانيا” أو التفريط في مصالح قائمة مع جارتها الجنوبية التي تملك أوراقا كثيرة لإزعاج المملكة أقلها ملفات الحدود وموقف الحياد من النزاع على الصحراء ودعم الموقف الجزائري وغيرها من الأوراق التي لا تخدم مصالح المغرب إطلاقا.

ومع ذلك يرجح مراقبون للمشهد المحلي والإقليمي أن تطلب الرباط من الأشخاص المطلوبين من طرف القضاء الموريتاني مغادرة المغرب إلى وجهة أخرى قد تكون فرنسا أو السنغال أو غامبيا مثلا.

ولعل تعيين منتدى المعارضة لمدير أعمال ولد بوعماتو السيد محمد ولد الدباغ مسؤولا للعلاقات الخارجية وممثلا للمنتدى في دول غرب افريقيا بداية لدخول خصوم النظام إلى السنغال أو غامبيا التي أصبحت خارج دائرة التحالف مع موريتانيا بعد الإطاحة بحليف نواكشوط يحي جامي، حيث يستبعد مراقبون استضافة فرنسا لولد بوعماتو ورفيقه لأسباب مختلفة أقلها رعاية مصالح باريس في موريتانيا والمنطقة.

 

المصدر: