إنه حقاً تخاصم جوهري / خالد عمر بن ققه

خالد عمر بن ققه / كاتب وصحفي جزائري

ما نحن فيه اليوم يكشف عن وجود فريقين متخاصمين، الأول: مستسلم لطبيعة الحياة المعاصرة، على اعتقاد وهمي أنه منها، وأحيانا يجرفه الوهن إلى الظن بمشاركته في صناعة الحدث العالمي، وفي سعيه إلى الاقتراب أو الخضوع للآخرين للتقرب منهم زُلْفى، يخصف عليه أغطية الزيف والأباطيل لستر عورة الضياع الحضاري والثقافي والسياسي، وهذا مرهون وخاضع للنُّخَب ـ معظمها ـ في تفسيرها للأحداث، حيث البراءة من كل الأفعال، ومواصلة النقد في شقه السلبي على مستوى الجبهة الداخلية، وهذا يدفع للسؤال الآتي: إذا كُنَّا جميعا ـ أو غالبيتنا ـ في صفوف النخب نرفض تحمل أوزار ما نقوم به.. فمن المسؤول على عن كشف العورات المنفرة منها والجاذبة؟ الفريق الثاني، رافض لحالة التراجع، ولكنه ـ باستثناء القلة منه ـ لا يملك معطيات ذات مصداقية، تؤهله لصناعة الأحداث، أو على الأقل توجهه نحو التدافع المؤدي للتغيير.. إنه كثير العدد، ومخيف ومزعج للفريق الأول، وأقوى عن الخصومة، وأشد في المواجهة، والأكثر دفاعاً على الأرض وعلى موروث القيم، ليس فقط لأن جذوره ضاربة في الأرض، بل لأنه لا يبغي عنها حِوَلاً، وهو أيضا صاحب حُجَّة دامغة، حتى لو كان مصدرها قلّة المعرفة، فهو مثلا بِحَمْلِه للجهل يطرح مسألة الشرف بطابعها الشمولي، لذلك يُدَاري سوءات السياسيين بمزيد من الصبر والدفاع على ما تبقَّى من ثوابت الإيمان لديه.

 

الفريقان في خصومتهما لا يستحضران تجارب الماضي القريب، حيث لا يزال الاختلاف قائما حول الأولويات، فعلى سبيل المثال، يرى الفريق الأول بما أوتيت عناصره من سلطة ومكانة ومال، أن لا جدوى من الاستمرارية في النظر إلى قضايانا الكبرى من منطلق ثوابت تجاوزها الزمن، ومنها تحديدا«تحرير الأرض» وما يتعبه من محددات وقواعد ذات صبغة عقائدية.

 

في حين يرى الفريق الثاني: أن الركون إلى الطرح الجديد لحل قضايا الأمة، أو التعديل في اتجاهها أو حتى التنازل عنها، مرفوض جملة وتفصيلا، لأربعة أسباب رئيسة: أولها: أنه هو الذي لا يُولِّي الأدبار يوم الزحف، وثانيها: أن الثمن الأكبر من التضحيات يأتي منه، وهو الذي لا يقبل بأوطان أخرى بديلاً، وثالثها: أنه هو الداعم للفريق الأول الحاكم بشرعية البقاء، ورابعها: أنه يقيم الحجة علينا بسؤاله: أعداؤنا لم يتخلوا يوما عن قناعاتهم، وحققوا أهدافهم، فكيف تطلبوننا بالتغير؟، وفي كل ذلك يتصرف بعقلية المنتصر.. إنها حقا مشكلة حين يحكم بعض المنهزمين شعوبا منتصرة ومستعدة التضحيات.

المصدر