اردوغان أخطأ بليبيا وسورية / ميلاد عمر المزوغي

/ ميلاد عمر المزوغي / كاتب ليبي

“كان فيه سلطان وما سلطان غير الله واللي عليه الذنوب يقول استغفر الله”، تلك الكلمات كنا نسمعها عندما كانت امهاتنا او جداتنا تسرد علينا قصص السلطان المختلفة وتلك القصص تجعل السامع يذهب بعقله الى عالم الخيال فيظل يفكر فيما يروى له الى ان يأخذه النعاس في نهاية المطاف وغدا تبدأ قصة جديدة وهكذا فالسيد اردوغان منذ وصوله الى السلطة حاول جاهدا ان يلتحق بركب الغرب المتطور وإدارة الظهر للعرب والمسلمين انكفأ الى المؤسسة العسكرية فأحدث بها تغييرات جذرية خوفا من انقلاب عسكري يطيح به، فرمى برموزها بالسجن وأحال بعضهم على التقاعد، وعندما رفض الغرب كافة طلباته ولم يعبأ استعطافاته كانت له مواقفه المعروفة في مؤتمر دافوس فهللنا له وكبّرنا وشعرنا بالعزة، وكبر في اعيننا، وتذكرنا الامبراطورية العثمانية وجبروتها بحوض البحر المتوسط رغم المآسي التي سببتها لنا من حيث فرض الضرائب المجحفة على شعوبنا العربية، ثم اتبعها بسفينة مرمره التي اراد من خلالها كسر الحصار على قطاع غزة فكان ما كان من همجية العدو وأراد السلطان من اصدقائه الاعتذار له لكنهم رفضوا ذلك، فتوقف التعاون العسكري الى حين تدخل سيد البيت الابيض، فبمكالمة هاتفية منه عادت المياه الى مجاريها بين الصديقين الحميمين. عندها فقط شعرنا كم نحن صغار في عيني السلطان، لأن له اكثر من نظارة ونحن دفعنا ثمنها.

لعب السلطان دورا هاما في الاطاحة بزعماء دول الربيع العربي وكان لهم ناصح امين بان يستجيبوا لإرادة الشعوب في التغيير فقام بإمداد المعارضة في كل من مصر وتونس بالمال اللازم لتكوين احزاب على النمط التركي في حين ان التدخل في ليبيا كان من نوع آخر هو تزويد المعارضة بالسلاح إضافة الى المواد الغذائية.

وبخصوص سورية فإنها فعلت كل ما في وسعها لتأجيج الصراع بها فأمدت المعارضة بالسلاح والمال وفتحت حدودها امام المقاتلين من مختلف اصقاع العالم للدخول الى سورية، ويبدو ان الأتراك لم ينسوا للقوميين العرب ببلاد الشام دورهم في الانفصال عن الامبراطورية العثمانية المريضة التي بدأت تنشطر الى قطع فسيفــــسائية تمثل مكـــــوناتها فلا بد ان يرجع كل شيء الى اصله. فاقتطعوا جزءا من سورية (لواء الاسكندرونه) وضموه الى تركيا الى يومنا هذا، ولابد انه سيرجع يوما الى حضن الام سورية.

لاحظنا ان السلطان اردوغان كان جد شغوف بالربيع العربي وقبلها صدّر الينا مسلسلاته المدبلجة وصرنا نقضي الساعات الطوال سمر امام الفضائيات المختلفة، ويبدو ان ‘الربيع العربي’ هو المسلسل العربي الوحيد الذي ابى إلا ان يدخل تركيا وان كان مدبلجا(على هيئة مسرحية لها عدة مشاهد) ليعرض بالساحات الشعبية في مختلف ارجاء تركيا لتنقله الفضائيات الى مختلف الارجاء، عندها وقف السلطان ليقول بأن هناك مؤامرة خارجية تدبر ضد بلاده واتهم النظام السوري ونسي ان له اعداء كثر بدءا بالجماهير الغفيرة التي لم تعد تقوى على العيش بكرامة نتيجة ارتفاع الاسعار وانتشار البطالة مرورا بكبار العسكر الذين حاول تدجينهم اضافة الى المعارضة التي ترى انه ذهب بعيدا عن خيار العلمانية كما انه حشر تركيا في الاحداث التي تجري بسورية التي كانت تعتبر سوقا استهلاكية وممرا آمنا للبضائع التركية الى الدول العربية الاخرى، والمعارضة ترى ان وجود المجموعات الجهادية المسلحة بسورية التي دخلت عبر تركيا وما قمت به من اعمال اجرامية بحق البشر يعتبر وصمة عار للنظام القائم بتركيا، اضافة الى تخوف المعارضة من ان تتسلل هذه العصابات المجرمة الى الداخل التركي وتفعل فعلتها، كما ان الصهاينة ومعها امريكا لن تغفر له وقفته في دافوس وان كانت استعراضية. فالسلطان وضع نفسه بين اكثر من سندان وأكثر من مطرقة وتبين لنا ان السلطان الطيب لم يعد طيبا (ياخاش بين الظفر واللحم يا طالع من غير صنّه طيّبة) فكما تدين تدان. ولا بد من ان تتجرع الكاس الذي اشربته غيرك.فهل سيفيق السلطان من احلام اليقظة. وان الامبراطورية العثمانية انما هي اضغاث احلام.